بعد أن نجحتُ أخيراً في تهدئتها، لم أعد أرغب في فتح فمي بكلمةٍ واحدة.
كنتُ مستنزفة القوى تماماً لدرجة أنني تمنيتُ فقط أن أغمض عينيّ.
“…لقد سمعتِ كل شيءٍ منهم، أليس كذلك؟” (سيوجن)
“نعم؟” (هانجي)
“عن أخي.”
“آه، ليس بالتفصيل، مجرد كلام سطحي..”
بكلماتها تلك، استجمعتُ شتات ذهني الذي كاد يغيب، وشددتُ سمعي لها.
“في الحقيقة، كان لي أخٌ صغير. جئنا إلى السوق معاً، ثم ظهرت الوحوش وحُوصرنا هنا..”
كانت تعتصر شفتيها وتُقطب جبينها بألم مع كل كلمة تنطق بها.
“إذا كان الكلام شاق عليكِ، فلا داعي لذلك. يمكنكِ إخباري لاحقاً عندما ترغبين..”
“كلا.. أريدُ الكلام الآن. لقد قلتِ إنكِ ستساعدينني. الانتقام.. قلتِ إنكِ ستساعدينني فيه. ولأجل ذلك، يجب أن تعرفي.”
عند ذكر كلمة “انتقام”، شعرتُ بنظرةٍ حادةٍ تخترق جانبي.
لمحتُ ليدون بطرف عيني وهو يحدق بي بإصرار، وكأنه يحاسبني بنظراته: “متى قطعتِ وعداً كهذا؟”.
ابتسمتُ بارتباك وقلتُ له بحركة شفتيّ فقط:
“آسفة”.
“كان أخي طفلاً طيباً وشجاعاً جداً. كان يقول ما يؤمن به، ويقفُ في وجه الخطأ.. لم يكن يستطيع تجاهل شخصٍ يحتاج للمساعدة، كان يساعد الجميع لدرجة الغباء.”
“….”
“كنتُ أحبُّ أخي هكذا. فمساعدة الناس أفضل من العيش على استغلالهم، أليس كذلك؟ هكذا تربينا منذ الصغر.. لذا عشنا هكذا.. ولكن أخي مات.”
دائماً ما يرحل الطيبون مبكراً.
كان أخوها يشبهها، ينظرُ للعالم بنظرةٍ مثالية.
عالمٌ يساعدُ فيه الناسُ بعضهم البعض ويعيشون سوياً.
حيث يُعاقب الأشرار ويُجزى المحسنون.. من شدة نزاهته وسذاجته كان حلمه أن يصبح شرطياً.
لو نجا وحقق حلمه لكان يقيناً شرطياً صالحاً.
لكن إلى متى كان سيصمد؟ كونك نقياً وحدك وسط جماعةٍ فاسدة لن يُصلح العالم.
في النهاية، الطيبون هم من يخسرون ويتضررون.
وضررهم لا يتوقف عند الخسارة المادية فحسب، بل يصل للأمر لاستغلالهم وموتهم مبكراً كما حدث هنا.
“عندما انقسم الناسُ وبدأوا في الشجار، لم يكن الجميعُ كذلك. كانت هناك قلّةٌ تحاول إقناع الآخرين بترك القتال وتوحيد الجهود. وكان أخي واحداً منهم.”
“وهل أثمرت جهودهم؟”
“كلا.. كان الجميعُ مهووساً بالقتال ولم يلتفتوا إليهم. ومع ذلك، استمروا في مساعدة الناس ظناً منهم أنهم سيستمعون إليهم يوماً ما. عالجوا الجرحى، ووزعوا الطعام على الجوعى..”
“طعام؟”
“آه، في الواقع كان لدينا بعضُ الطعام. كنا قد دفعنا ثمن مشترياتنا في الماركت وهممنا بالخروج حين ظهرت الوحوش فعدنا للداخل. لذا كان معنا بعض الطعام الذي اشتريناه.”
يا له من فعلٍ عديم الجدوى.
تقديم العلاج والطعام لأناسٍ فقدوا عقولهم من شدة النزاع؟
شعرتُ بحرقةٍ في معدتي لضياع تلك الأدوية والمؤن على هؤلاء.
“ظننا أننا بفعلنا هذا، قد يستمعون إلينا ولو قليلاً.”
“وهل استمع إليكم أحد؟”
“نعم، غيّرَ قلةٌ من الناس رأيهم وقالوا لنوحد جهودنا.”
توحيد جهود؟
هراء.
لا بد أنهم تظاهروا بذلك ليستغلوا هؤلاء السذّج ويحصلوا على طعامهم وعلاجهم.
لو كانوا حقاً قد تأثروا بكلامكم، لِماذا وقفوا يتفرجون حين كان أخوكِ يموت؟
كلما واصلت الكلام، شعرتُ بضيقٍ في صدري وكدتُ أنفجرُ بكلماتٍ لاذعة، لكنني كبحتُ نفسي بصعوبة.
لا أعلم هل أنا متشائمةٌ جداً أم أنهم هم المتفائلون لدرجةٍ مفرطة..
نظرتُ خلسةً لتعبيرات وجه ليدون الذي كان يستمع للقصة بجانبي.
ولحسن الحظ، كان يرتسمُ على وجهه نفس تعبيري، فاستنتجتُ مجدداً أن سيوجن هي المتفائلة بشكلٍ مبالغ فيه.
لكن بالنظر للأمر، أليس ليدون في نفس الموقف؟
نظرتُ إليه بنظرةٍ ذات مغزى.
بصراحة، أنت أيضاً كنتَ شخصاً طيباً يحب مساعدة الناس في البداية مثل سيوجن، ولهذا استُغللتَ ومُتَّ كالأحمق 5 مرات.
هاه.. لماذا يوجد الكثير من السذج في هذا العالم؟
فجأة تبادر إلى ذهني المساعد الأخير الذي لم نلتقه بعد.
بالتفكير في شخصيته الخرقاء والساذجة، شعرتُ بانسداد في حلقي وضبابية في الرؤية.
*المُترجمة مارفا: ههههههه.
تماسكي يا هانجي.
يجب أن تقودي هؤلاء السذج وتصلي للنهاية بطريقةٍ ما.
هذه هي الوسيلة الوحيدة للعودة للمنزل.
لا يمكنكِ العيش في وكر الوحوش هذا للأبد!
“لذا، ظننتُ أننا لو واصلنا إقناع الآخرين فقد يغيرون رأيهم، فساعدتُ أخي في ذلك.. لكن في النهاية، ذهب كل شيءٍ أدراج الرياح بسبب ذلك الحادث. وأخي أيضاً..!”
أفقتُ من شرودي على صوتها المنفعل والتفتُّ نحوها.
“فجأة، ظهرت الوحوشُ في كل مكان. كانت الأنوارُ منطفئةً والظلامُ دامساً.. سمعتُ صرخات الناس ولم أستطع رؤية شيء.. ثم سمعتُ صوت أخي. وفجأة أشعل أحدهم النور فأضاء المكان، وحينها فقط استطعتُ رؤية أخي.. كان ينزف..”
في ذلك الوقت، لم تكن سيوجن تعرف حقيقة ما جرى؛ لماذا دخلت الوحوش للماركت، ولماذا كان أخوها ينزف.
لكنني أعرف.
لأن اللعبة، حين كانت سيوجن تروي قصتها للبطل، كانت تعرضُ مشهداً استرجاعياً يوضح الموقف.
وبما أن الراوي كان يشرح الأجزاء التي لا تعرفها هي، فقد عرفتُ تفاصيل دقيقة جداً.
وقتها، كان هناك اتفاقٌ ضمني بين الناس في الماركت على إطفاء الأنوار واستخدام المصابيح اليدوية ليلاً.
وبالرغم من شجارهم، إلا أنهم التزموا بهذا القانون خوفاً من الموت.
لكن، حيثما وجد البشر، وجد مجنونٌ بينهم، ونازحو الماركت لم يكونوا استثناءً.
خاصةً مع حساسية الموقف بسبب الصراع على الغذاء.
أحدهم، ممن فقدوا صوابهم من الجوع ومنعه من سرقة الطعام من الأقوياء، قرر أن يموت الجميع معاً، فقام بفتح الأبواب الموصدة خلسةً في الليل.
تدفقت الوحوش عبر الأبواب المفتوحة، وتحول الماركت لساحة فوضى عارمة.
واجه الناسُ الوحوش وهم عزّل في الظلام، وبعد عناءٍ نجحوا في إشعال الأنوار.
في ذلك الظلام، كان أخوها يبحثُ عن أخته وهو يحملُ مصباحاً يدوياً.
وجد شخصاً عالقاً تحت رفٍ منهار يطلب النجدة فساعده، وأثناء ذلك جُرح بسبب شظايا الرف المنار.
وبينما كان يحاول مساعدة الجريح على الهرب، كان كلاهما ينزف، وجذب شذا الدم الوحوش إليهما.
وحينها، ذلك الشخص الذي كان يُساعده أخوها، جرد نفسه من كل ذرة ضمير، فقام بتمزيق جرح أخيها ودفعه نحو الوحوش ليهرب هو.
وفي تلك اللحظة أُشعلت الأنوار، فرأت سيوجن الوحوش وهي تنهشُ أخاها.
“لسوء الحظ، كنتُ بعيدةً عنه وكانت الوحوش كثيرة، كدتُ أُجن. ركضتُ نحوه بكل قوتي.. لكنني تأخرت. وحينها، بدأ الجميع يصرخون في وجه أخي ليأخذ تلك الوحوش ويخرج بها فوراً.”
“….”
“أليس هذا مضحكاً؟ في البداية، هربوا للطابق الثاني دون أن يلتفتوا خلفهم، ولكن بمجرد أن عُضَّ أخي، انقلبوا فجأة وأرادوا حماية الطابق الأول.”
في البداية، هربوا للأعلى طبيعياً خوفاً من الوحوش.
لكن حين أُشعلت الأنوار واتضح الموقف، لم يستطيعوا ترك كل ذلك الطعام في الطابق الأول والرحيل.
وحين ظهر شخصٌ مَعضوض، خطرت لهم فكرةٌ شيطانية: “إذا أخذ هذا الشخص الوحوش وخرج بها، سيقل عددهم، وحينها نغلق الأبواب ونقضي على البقية ونحتفظ بالطابق الأول”.
والمثير للسخرية هنا هم البقية الذين عُضوا.
هل يعقل ألا يكون أحدٌ غير أخيها قد تعرض للعض؟
بالطبع لا.
كان هناك الكثيرون ممن عُضوا في الظلام، لكنهم أخفوا ذلك واندسوا بين الناس.
ولأن أخاها المسكين كان الوحيد الذي شاهده الجميع يُعضُّ أمامهم بعد إشعال الأضواء، وُسم بلقب الهالك وقُتل.
“في النهاية، طُرد أخي. وكان عليّ الوقوف ومشاهدة ذلك فحسب.. أنا حقيرةٌ جداً. كان عليّ حمايته بأي ثمن.. كان يجب ألا أدعه يخرج وحده.. في النهاية، تضح لي أنني مجرد إنسانةٍ منافقة أهتم بحياتي أكثر من أي شيء. أنا مثلهم تماماً.”
“أعلم أن كلامي قد يكون قاسياً، لكن على الأحياء أن يواصلوا العيش. طبيعة البشر أن حياة المرء هي الأهم بالنسبة له. بالطبع هناك من يضحي بنفسه لأجل من يحب، لكنهم ندرةٌ جداً. لذا، لا تحمّلي نفسكِ كل هذا الذنب.”
“ماذا تعرفين أنتِ حتى تتحدثين هكذا! هل رأيتِ فرداً من عائلتكِ يموت أمام عينيكِ؟ هل كنتِ يوماً في موقفٍ تَرين فيه أغلى الناس عليكِ يُنازع وأنتِ عاجزةٌ عن فعل شيء!”
“…أنا آسفة.”
بالطبع لم أخض تجربةً كهذه.
لذا لم أعرف كيف أواسيها.. يبدو أن تصريحي كان متسرعاً جداً.
“…أنا آسفة. يبدو أنني انفعلتُ كثيراً. أنا حقاً آسفة.”
“لا، بل أنا من كنتُ متهورة. كان يجب أن أفكر جيداً قبل أن أتحدث..”
التعليقات لهذا الفصل " 27"