26
بعد ذلك، ما إن خرجتُ بها إلى الخارج حتى بدأ الناس ينهالون عليها بالشتائم.
“لقد خرجتِ أخيراً. كل هذه الجلبة حدثت بسببكِ أيتها اللعينة!”
“إذا كنتِ تُريدين الموت إلى هذا الحد، فاذهبي وموتي وراء أخيكِ، لماذا تفرغين جنونكِ علينا!”
أمسكتُ يدها بقوة وصرختُ فيهم:
“ابتعدوا.”
“ماذا؟”
“قلتُ ابتعدوا من طريقنا.”
“هه، هل تُريدين الهروب الآن لأنكِ خائفة؟”
“منذ البداية لم تعجبني طفلةٌ مثلكِ تتحدث بوقاحة منذ قليل وتتدخل في كل شيء، ماذا تعرفين أنتِ أصلاً؟”
“لنقضِ عليهم معاً. على أي حال، نحن أكثر عدداً.”
أمام ردود فعلهم التي توحي بأنهم لا ينوون تركنا نمر بسلام، اقتربتُ من ليدون.
“ليدون، هل يمكنك الهجوم؟”
لم يكن هناك سوى طريقة واحدة لاختراقهم:
استخدام قدرته.
لكنه لم يجربها في قتالٍ حقيقي بعد، فضلاً عن أنها ستكون المرة الأولى التي يهاجم فيها بشراً وليس وحوشاً.
“أهاجم هؤلاء؟”
“نعم.. هذه أول مرة تهاجم فيها بشراً، هل ستستطيع فعل ذلك؟”
“آه.. يمكنني ذلك. لا بأس.”
تردد للحظة، لكنه سرعان ما أكد لي قدرته وطلب مني الاعتماد عليه.
شعرتُ بالذنب لطلبي هذا منه، لكن لم يكن باليد حيلة.
“لا تقتلهم. هاجمهم فقط لفتح الطريق. سنذهب إلى القبو.”
“حسناً، فهمت. ولكن.. هل سنأخذ تلك المرأة معنا أيضاً؟”
اتجهت نظراته نحو يدي التي تمسك بيد سيوجن.
“نعم.”
“…حسناً.”
“شكراً لك.”
ابتسمتُ له.
وفي اللحظة التالية، سادت الفوضى المكان بسبب الظلال السوداء التي انبثقت من تحت الأقدام، فانتهزتُ الفرصة وركضتُ نحو الممر السري.
“هل أنتِ على معرفة بتلك المرأة؟”
“كلا، هذه أول مرة أراها.”
“…إذاً لماذا تساعدينها؟”
بعد نزولنا إلى القبو، طلبتُ من سيوجن الدخول أولاً، وخرجتُ لأتحدث معه قليلاً.
وما إن انفردنا، حتى فتح فمه مباشرة وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة.
“هل تكره سيوجن؟”
“لا أكرهها، لكنها.. لا تعجبني.”
“لماذا؟”
“…لا يمكننا الثقة بالغرباء هكذا ببساطة.”
“لكنها لا تبدو كشخصٍ سيء.”
“وكيف تعرفين ذلك؟ سواء كانت سيئة أم لا، لم يمر وقتٌ طويل على لقائنا.”
“لقد ساعدتنا.”
“حتى لو لم تساعدنا، كان بإمكاني حل الأمر. وفوق ذلك، كدنا نتعرض للخطر بسببها منذ قليل.”
أجاب بجفاف.
وبما أن كلامه لم يكن خاطئاً تماماً، ترددتُ في الرد.
“هذا.. لأن أولئك الناس أشرار. سيوجن ليس لها ذنب.”
“هاه.. ما هو السبب وراء حمايتكِ المستمرة لها؟ هل هو بسبب المستقبل؟”
“ماذا..؟”
نظر إليّ بوجهٍ يملؤه الاستياء وسأل بنبرةٍ فظة:
“هل هي شخصٌ مهم؟ هل تقتربين منها وتحمينها هكذا لنفس السبب؟ مثلي تماماً؟”
“….”
ارتعدت من كلماته للحظة.
“بصراحة، لم أكن أفهم لماذا تعاملينني بلطف. لكنني أظنني عرفتُ الآن.”
“….”
“لأنكِ تعرفين المستقبل. أنتِ لا تملكين هذه القدرة لكنني أملكها. لهذا السبب تقربتِ مني وعاملتني بلطف وواصلتِ البقاء معي، أليس كذلك؟”
“هذا.. في الواقع..”
لم أستطع الإنكار، فكلامه كان صحيحاً.
“لا يهم. حتى لو كان الغرض هو استغلالي منذ البداية، فلا بأس. يمكنكِ استغلالي كما تشائين يا أختي. ولكن.. لا يمكنكِ التخلي عني.”
“… ماذا؟”
“مهما كانت تلك المرأة تملك من قدرات مذهلة، ومهما كانت مفيدة لكِ.. وحتى لو أصبحتُ أنا غير ضروري، لا يمكنكِ التخلي عني. أنتِ من تقربتِ مني أولاً، فكيف تتخلى عني الآن؟ لذا، لا يُسمح لكِ بذلك..”
تغير وجهه المستاء تدريجياً إلى ملامح باكية.
وصوته الذي بدأ يرتجفُ كأنه على وشك البكاء جعلني أرخي جسدي الذي كان متصلباً من التوتر.
كنتُ أظنه سيغضب لأنني تقربتُ منه لاستغلاله.. لكن “التخلي عنه”؟ “لا تتخلي عني”؟
كانت كلمات غير متوقعة لدرجة أنها ادهشتني بطريقة أخرى.
“أختي.. هل ستتخلين عني حقاً؟ بسبب تلك المرأة؟”
“….”
“حقاً؟ هل ستفعلين؟ لماذا لا تجيبين؟ لماذا..”
خوفاً من أن ينفجر باكياً فعلاً، أجبرتُ نفسي على الكلام.
“كلا.. مستحيل. لماذا قد أتخلى عنك؟”
“لكنكِ منذ قليل تهتمين بها أكثر مني. تتركينني وتتحدثين معها وحدكما..”
“متى تركتُك؟ هي فقط في حالة سيئة الآن، لذا كنتُ أهتم بها أكثر قليلاً.”
“ولكن..”
“لقد استطعنا الخروج من هناك بفضلك منذ قليل. لولاك لحدث أمرٌ مريع. شكراً لمساعدتك.”
لم أفهم كيف استنتج تلك النتائج الغريبة، فبدأتُ أكيل له المديح لأهدئه فحسب.
وعندها، بدا أن مزاجه تحسن وانفرجت أسارير وجهه.
“بالمناسبة، هل جسدك بخير؟ هذه أول مرة تستخدم فيها تلك القدرة بشكل حقيقي. ألا يؤلمك شيء؟”
“أشعر ببعض الألم في رأسي..”
“هل يؤلمك كثيراً؟ هل تود الدخول والاستلقاء؟”
“كلا، ليس لهذا الحد.. لكن أظن أنني سأصبح بخير لو غمرتنيِ بحضنكِ قليلاً..”
بينما كان يفتح ذراعيه بتلميحٍ مكشوف، ضحكتُ سراً بسخرية وعانقتُه.
وكأنه كان ينتظر ذلك، احتضنني بقوة ودفن وجهه في عنقي.
“…!”
شعرتُ فجأة بشفتيه وأنفاسه الحارة تلامس بشرتي، فارتجف جسدي من الارتباك ودفعته بعيداً.
لكنه بدلاً من أن يتركني، بدأ يداعب عنقي بشفتيه رافضاً الابتعاد.
“يا أنت. هل تُريد الموت؟ توقف عن هذا!.”
“أختي. هل يمكنني عضُّكِ؟”
“ماذا؟! أنت حقاً جننت!”
صرختُ من شدة المفاجأة ودفعتُ صدره بكل قوتي لأبعده.
احتضنتُه لأنه بدا حزيناً، لكنه الآن يتفوه بهذا الجنون.
“لقد قلتِ إنكِ لن تتخلي عني.”
“وما شأن ذلك؟”
“إذاً أنا ملكُكِ، وأنتِ ملكي، يجب أن أترك أثراً حتى أجدكِ إذا ضعتِ يوماً ما.”
“آه، حقاً.. هراءٌ مبتكرٌ تماماً. هل فقدت عقلك حقاً؟”
“إذا كنتِ تكرهين ذلك، هل تودين أنتِ ترك أثرٍ عليّ؟ لا أمانع ذلك.”
“آه، أرجوك..”
استسلمتُ عن التفكير وحاولتُ جاهدةً الإفلات منه.
“قلتُ لا أُريد! كنتُ أعرف أنك مجنون منذ فترة، لكن لماذا تتمادى اليوم هكذا!”
“هاه؟ أختي.. مرة واحدة فقط.”
“هذا تحرشٌ جنسي. هل تُريد دخول السجن؟”
في تلك اللحظة، فُتح الباب وخرجت سيوجن التي كانت بالداخل.
شعرتُ للحظة وكأنني قابلتُ منقذي، لكن في الوقت نفسه غمرني الخجل لأنها رأتني بهذا الوضع.
ومع ذلك، احمرّ وجهها وقالت شيئاً مختلفاً عما توقعت:
“أوه.. ا- لقد تأخرتما في الدخول فخرجت.. أنا آسفة لأنني قاطعتكما.”
“كلا! ليس الأمر كما تظنين!”
“بما أنكِ تعرفين أنكِ قاطعتنا، لِمَ لا تعودين للداخل بلباقة؟”
“آه، كفى! ابتعد عني أيها المجنون!”
هاه.. هاه..
بعد أن نجحتُ أخيراً في إبعاده ودخلتُ إلى الداخل، استلقيتُ على السرير وقد استنزفت قواي تماماً.
لا زلتُ أشعرُ بأنفاسه على عنقي، فبدأتُ أفرك المكان بيدي وأنا أرمقه بنظراتٍ حادة.
هذا الذئب الماكر.
متى كان ينتحب مثل الجرو والآن ينقلب هكذا فجأة؟
حقاً لم أرَ مجنوناً مثله من قبل.
عندها التقت عيناي بعينيه، فبدا عابساً كأنه غير راضٍ لأنه لم ينل مراده.
لكن سرعان ما ابتسم بجمال وكأنه لم يفعل شيئاً، وحاول الاقتراب.
ارتعبتُ وصرختُ فيه ليتوقف، متناسيةً حتى أنني كنتُ أرمقه بحدة.
“لماذا؟”
“لنحدد بعض الأمور قبل أن نمضي قدماً.”
أمال رأسه متسائلاً عما أعنيه.
“أولاً، لِنضع تعريفاً لعلاقتنا.”
“نعم؟”
“نحن غريبين عن بعضنا، صَح؟”
“…غريبين؟”
في تلك اللحظة، قطّب حاجبيه بوضوح معبراً عن استيائه.
“هل نحن غريبين؟ لقد نمنا في سريرٍ واحد!”
عندها، شهقت سيوجن التي كانت تستمع لحديثنا بجانبنا.
رمقتُها بنظرةٍ حادة لأخبرها أن الأمر ليس كذلك. لماذا تشعرين بالمفاجأة!
“لا تتحدث بهذه الطريقة. ستُسبب سوء فهم.”
“لكن كلامي ليس خطأً.”
“حسناً، ليس خطأً. لكن لا تتحدث هكذا مستقبلاً.”
“لا أريد.”
عارضني على الفور. وبما أنه بدا وكأنه لن يتنازل أبداً، تنهدتُ.
“حسناً. نحن لسنا غريبين تماماً.”
“بالطبع.”
“شخصان التقيا بالصدفة؟”
“….”
“حسناً. لِنقل إننا مجرد معارف.”
“….”
“هاه.. رفيقا سلاح خاطرا بحياتهما معاً. لِنتفق على هذا التعريف.”
“…حسناً.”
.. لم يكن كلاماً خاطئاً. لقد خاطرنا بحياتنا معاً للهرب من الوحوش، وسنفعل ذلك مستقبلاً أيضاً.
“على أي حال، نحن في هذه العلاقة. فهل يفعل أشخاصٌ في هذه العلاقة أموراً.. مثل..”
“مثل..؟”
“… مثل تلك الأفعال.”
“ما هي تلك الأفعال؟”
“أنت تعرف دون أن أقول.”
“لا أعرف.”
“لا تكذب.”
“أنا حقاً لا أعرف.. آه، هل تقصدين ألا أحضنكِ؟ إذاً، هل يمكنني فعل كل شيءٍ آخر عدا ذلك؟”
كدتُ أوجه له لكمةً، لكنني كظمتُ غيظي بصعوبة.
وبدلاً من ذلك، صرختُ بغضب:
“لا يذهبُ المرءُ ويعضُّ الآخرين بتهور. هل أنت وحش؟ هل أنت زومبي! لماذا تفتعل هذه الفوضى لتعضني..”
لكنني لم أكمل جملتي.
توقفتُ فجأة عندما أدركتُ أنني زللتُ بلساني، لكن الأوان كان قد فات.
وضعتُ يدي على فمي من شدة الصدمة والتفتُّ نحو سيوجن.
رأيتُ وجهها قد أظلم.
تباً، لقد جننتُ
حقاً! كان عليّ أن أختار كلماتي بعناية أكثر..!
“سيوجن.. أنا آسفة. هذا..”
“… لا بأس. لا تهتمي..”
لكن على عكس كلامها، بدأت الدموع تترقرق في عينيها مرة أخرى.
آه.. اللعنة. كل هذا بسبب ذلك الحثالة ليدون!
*المترجمة مارفا: هنا سيوجن تذكرت اخاها تعرض للعض من قبل وحش بعد سماعها للحوار بين البطل والبطلة.
التعليقات لهذا الفصل " 26"