بما أنني نمتُ في سريرٍ دافئ ومريح لأوّل مرّة منذ مدّة دون قلقٍ من مطاردة الوحوش، ظننتُ أنني سأغطُّ في نومٍ عميق، لكنّ الأحلام المزعجة جعلتني أستيقظُ باكراً.
ألا يكفي مطاردة الوحوش لي في الواقع حتى تلاحقني في أحلامي أيضاً..؟
شعرتُ بالأسى والشفقة على حالي البائسة.
“هاه..”
تنهّدتُ بهدوء لأطردَ تلك الأفكار، ورفعتُ رأسي ببطء.
عندها رأيتُ وجهه وهو غارقٌ في نومٍ عميق.
فزعتُ للحظة وحاولتُ الابتعاد، لكنني لم أستطع بسبب ذراعه التي كانت تلفُّ خصري.
أنا متأكدةٌ أنني نمتُ وأنا معطيةٌ إيّاه ظهري، فلماذا أجدُ نفسي الآن بين ذراعيه؟
حاولتُ التحرك بحذر لأفلتَ من حضنه، لكنه لم يتزحزح قيد أنملة.
بدا من الصعب الخروج بقوتي وحدي.
لم يكن أمامي خيارٌ سوى إيقاظه لإنهاء هذا الموقف.
لكن.. هل هو أيضاً يرى كابوساً؟
حالته لم تكن تبدو جيدة.. وعندما دققتُ النظر، رأيتُه يتصببُ عرقاً بارداً ويئنُّ بوجع.
“ليدون. هيّا، استيقظ.”
ناديته وهززتُه عدة مرات، لكنه لم يبدِ أيّ استجابة.
نقرتُ بلساني في سري متعجبةً من شدة استغراقه في النوم لدرجة لا تُصدق.
وبينما كنتُ أحاول التملّص بقوتي الخاصة بعد أن يئستُ من إيقاظه، شدّ فجأة ذراعه وقرّبني إليه بقوة.
“أختي.. لا تذهبي.. لا.. ترحلي.”
“يا أنت، أنت مستيقظٌ، أليس كذلك؟ اتركني الآن. إلى متى ستظلُّ هكذا؟”
ظننتُ أنه مستيقظٌ، فبدأتُ أضربُ صدره بقبضتيّ لأدفعه بعيداً.
لكنه استمر في تكرار “لا تذهبي” كالهذيان دون أن يفتح عينيه، فأدركتُ أنه يتحدثُ وهو نائم.
يا للهول.. أيّ نوعٍ من الأحلام يراه حتى يتحدثُ في نومه هكذا؟
“ليدون! يا ليدون!”
تَبّاً.. لا ينوي الاستيقاظ أبداً.
في النهاية، استسلمتُ تماماً؛ فلا أنا قادرةٌ على إيقاظه ولا على الإفلات منه.
في البداية، لم يكن الأمرُ سيئاً لأنني شعرتُ بالدفء، لكن الآن أصبح الوضعُ مزعجاً ومخنقاً.
ولكن ماذا أفعل؟ هو لا يتركني.
تنهدتُ واستسلمتُ لحضنه مجدداً، وأنا أتوعدُ في سري بأنني سأبدأُ بضربه على ظهره بمجرد أن يستيقظ، وبينما كنتُ أتذمرُ في داخلي، غلبني النومُ مرّةً أخرى.
“هل رأيتَ كابوساً ما؟”
سألتُه بينما كنتُ أُمدد جسدي المتصلب من كثرة النوم.
بدا هو مشعثاً لأنه استيقظ للتو، وتردد قليلاً قبل أن ينطق.
“… لماذا تسألين؟”
“بدت حالتك سيئة، ولم تستيقظ رغم مناداتي لك، فظننتُ أنك تُعاني من شلل النوم* (*الجاثوم).”
“لقد رأيتُ حُلماً غير جيدٍ فحسب.”
حُلمٌ غير جيد؟
تذكرتُ حينها أن شخصيته في اللعبة كانت ترى الكوابيس كلما نامت، مما يُقلل من “نقاط الصحة النفسية”.
لكن طوال الفترة الماضية، باستثناء اليوم، لم يبدُ لي أنه يعاني من الكوابيس أثناء نومه..
“هل يتكررُ هذا معك كثيراً؟”
“ليس كثيراً.. يحدثُ بين الحين والآخر.”
“حقاً؟”
بما أن هذا ليس شيئاً يمكنني مساعدته فيه حالياً، قرّرتُ تجاوز الأمر.
“على أيّ حال، كيف تشعرُ حيال حالتك البدنية الآن؟”
كان سؤالاً غريباً لشخصٍ استيقظ للتو من كابوس، لكن لم يكن لديّ خيارٌ من أجل خططنا القادمة.
بَدت عليه الحيرة وهو يحاول فهم مَغزى سؤالي.
“أنت لم تستخدم القدرة التي حصلتَ عليها بعد.”
“آه، صحيح. لقد نسيتُ الأمر للحظة.”
“أريدُك أن تُجربها، ولكن.. هناك ‘آثارٌ جانبية’ إن صحّ التعبير. هناك مشكلةٌ بسيطة، لذا أردتُ التأكد من حالتك قبل استخدامها.”
“آثارٌ جانبية؟”
“ألم.. ألم يكن ذلك مكتوباً في الوصف؟”
“لا أظنُّ أن هناك شيئاً كهذا كُتب بشكلٍ منفصل.”
ألا يُكتبُ ذلك عادةً؟ لا أتذكر كيف كان الأمر في اللعبة..
كل ما أتذكره هو أن شريط الصحة النفسية كان يتناقص كلما استخدم القدرة، وكان الشخصية يُحدّث نفسه أحياناً، فاستنتجتُ حينها أنه لا ينبغي الإفراط في استخدام القدرة.
“حسناً، لنتجاوز ذلك الآن. هل تودُّ تجربة القدرة؟”
“…حتى لو طلبتِ مني ذلك، لا أعرفُ كيف أفعلها.”
“أوه.. أليس هذا مكتوباً أيضاً؟”
“همم.. على الأرجح لا.”
“إذاً ما الذي كُتب في وصف المهارة أصلاً؟”
ما الخطب؟ ألا تُستخدمُ المهارة تلقائياً بمجرد الحصول عليها؟
في اللعبة، كان يظهرُ زرٌّ خاص بالمهارة بمجرد استلامها، وعند الضغط عليه كان يقوم بالأمر تلقائياً.
“لقد كُتبت جملةٌ قصيرة فقط: «يمكنك التحكم في الظلال»..”
“هذا كل شيء؟”
“نعم.”
لم أستطع إخفاء ذهولي، وظللتُ أرمقُه وأنا أرمشُ بعينيّ.
حقاً، هذا كل شيء؟ الكلام ليس خطأً، ولكن جملة واحدة فقط؟
هذا استهتارٌ كبير بالوصف..!
“همم.. حسناً..”
كيف أشرحُ له الطريقة؟
“حسناً، هل رأيتَ يوماً كيف يُستخدمُ السحر في الرسوم المتحركة أو الأفلام؟”
“بلى، رأيتُ.”
“ما رأيك أن تُجرب بهذا الشعور؟”
أنا أيضاً لستُ خبيرةً في هذا لأشرحَ له الطريقة بشكلٍ دقيق..!
“مثلاً، لو كنتَ تتحكم في النار أو الماء، فستحاولُ إيجادها في الهواء، صَح؟ لذا، حاول أن تفعل شيئاً وأنت تملك رغبةً في صُنع شيءٍ ما.”
دعوني أُفكر.. في اللعبة، كان يستخدمُ الظلال كثيراً.
ربما لأن استهلاك الصحة النفسية فيها أقل.
لأن خلق الظلام من العدم يستنزفُ القوى بسرعة كبيرة.
“ما رأيك أن تُجرب استخدام ظلي أنا أولاً؟”
“ظلكِ؟”
“خلقُ شيءٍ من العدم في الهواء سيكون أصعب. لِنتدرب على شيءٍ موجودٍ بالفعل.”
قلتُ ذلك ونهضتُ من مكاني، ووقفتُ جاعلةً الضوء خلف ظهري. فظهر ظلي أمامي على الأرض.
“ما رأيك أن تُحاول تحريك هذا الظل؟ حاول تجميعه وصُنع شيءٍ آخر منه.”
“هممم..”
بدا وكأنه يُفكر وهو يتأمل ظلي.
مرت عدّة دقائق، وفجأةً بدأ ظلي يتململُ ويتحركُ حتى تجمّع على شكل دائرة.
شَعرتُ بالانبهار في داخلي ونظرتُ إليه؛ لم يبدُ عليه التعب أو الألم حتى الآن.
“بماذا تشعرُ الآن؟ هل يؤلمُك رأسك؟”
“لا أشعرُ بألمٍ خاص. أما عن شعوري.. فلا أدري حقاً.”
“لنستمر. بما أنك استطعتَ تحريك الظل، حاول الآن جعله مُجسماً.”
“مُجسماً..”
“الآن هو مجرد صورة مسطحة، حاول سحبه للأعلى وجعله ثلاثيّ الأبعاد.”
بكل بساطة، سحب الظل من الأرض وصنع منه كرةً مستديرة، ثم غيّر شكلها مرّةً أخرى ليصنعَ “بطريقاً”.
بطريق؟
مِلتُ برأسي وأنا أنظرُ إلى شكل البطريق بجسده المستدير وجناحيه الصغيرين وقدميه ومنقاره.
لماذا بطريقٌ فجأة؟
بدأ البطريق يترنحُ ويمشي قليلاً، ثم ركض نحوي فجأة.
صعد فوق قدمي وبدأ يرفرفُ بجناحيه الصغيرين ويتمسّحُ بساقي.
يا إلهي، إنه لطيفٌ جداً!
جلستُ على ركبتيّ ومسحتُ على رأس البطريق.
كان ملمسه غريباً لا يمكن وصفه بالكلمات؛ فبما أنه مصنوعٌ من الظل، من الطبيعي ألا يكون له ملمس البطريق الحقيقي.
“لكن لماذا صنعتَ بطريقاً فجأة؟”
“لقد جربتُ صنع شيءٍ بسيط فحسب. جسدٌ مستدير مع أطرافٍ ومنقار.”
“هذا صحيح.”
بما أنه صنعَه ببساطة، فقد بدا كشخصية كرتونية أكثر من كونه بطريقاً حقيقياً.
لكن لو كان يريدُ شيئاً بسيطاً، أليس صنع عصفورٍ صغير أسهل؟
“على أي حال، يبدو أن الأمر أسهلُ مما توقعت. إنه يتغيرُ فور تفكيري به، وهذا مريح.”
قال ذلك ثم صنع “أرنباً” وجعله يقفزُ حولنا.
“هذا رائع. وكيف تجدُ التحكم به؟”
“ليس سيئاً.”
“يمكنك التحكم به دائماً، ولكن إذا مللتَ من ذلك، يمكنك إعطاؤه أمراً ليتحرك من تلقاء نفسه.”
لم يكن هناك داعٍ للقلق؛ لقد استوعب الأمر بسرعة فائبة.
“ولكن كيف حالُ جسدك؟ هل يؤلمك رأسك؟ أو تشعرُ بمزاجٍ سيئ..؟”
“همم.. أشعرُ بوجعٍ خفيفٍ في الرأس.”
لحسن الحظ، لم يبدُ أن صحته النفسية قد تضررت كثيراً.
“يمكنك إخفاءُ ذلك الآن. أحسنت. سيكون استخدامُ هذه القدرة مفيداً جداً عند قتال الوحوش مستقبلاً.”
فكرتُ في شيءٍ:
أليس من الممكن فعل ذلك أيضاً؟ مثلاً، عندما نواجه وحشاً، نستخدمُ ظل ذلك الوحش لنصنعَ نسخةً منه ونتركهما يتقاتلان، بينما أجلسُ أنا في الخلف أُشاهد وأستمتع.
بمجرد تخيّل ذلك، شعرتُ بسعادةٍ غامرة.
لو أنهينا المراحل بهذه الطريقة السهلة، فسنصلُ للمرحلة العاشرة في لمح البصر.
وبينما كنتُ غارقةً في هذه الأفكار الجميلة، نظرتُ إلى العصفور الذي يطيرُ في الغرفة؛ لقد كان عصفوراً جديداً صنعه من الظل رغم قولي له إنه يمكنه التوقف.
لسببٍ ما، بدا وجهه متحمساً قليلاً.
“هل تُحبُّ الحيوانات؟”
“هاه؟ آه.. أُحبُّها نوعاً ما.”
بما أنه استمر في صنع الحيوانات، سألتُه فغاص في تفكيره قليلاً وبدت نظراته هادئة.
حسناً، أنا أيضاً أُحبُّ الحيوانات.
‘أوه؟ هل يعقلُ أن يكون هذا هو السبب؟’
في اللعبة، كان دائماً يستهلكُ قواه النفسية في غير القتال ليصنع حيواناتٍ صغيرة ترافقه.
ظننتُ وقتها أنه يفعل ذلك لشعوره بالوحدة، لكن يبدو أنه ببساطة يُحبُّها.
في وضعٍ كهذا، لو طُلب من أيّ شخص صنع شيء، فسيصنعُ سلاحاً أو وحشاً كالذي يراه دائماً، واحتمال صنع حيوانٍ أليف ضئيلٌ جداً.
“على أيّ حال، هدفُنا من المجيء إلى هنا هو الطعام، فهل نذهبُ لنهبِ بعض المؤن؟”
قرّرتُ التحرك لتحقيق هدفنا.
فكرة نهب الطعام من الماركت باستخدام هذه القدرة وإغاظة هؤلاء الأشرار جعلتني أشعرُ بالتشفي.
“ننهبُ الطعام؟”
“أجل! سنأخذُ كلّ شيء. سنقلبُ المكان رأساً على عقب.”
شعرتُ بالشبع لمجرد التفكير في الأمر، فابتسمتُ برضا وأنا أُراجع الخطة في ذهني.
“هل تَعرفين أنكِ تملكين تعبيراً خبيثاً جداً على وجهكِ الآن يا أختي؟”
التعليقات لهذا الفصل " 22"