“واو.. لم أتوقّع ذلك، لكن عندما حان وقتُ الرحيل شعرتُ بقليلٍ من الأسف. ماذا عنك؟ إنها مدرسةُ طفولتك أيضاً.”
وقفتُ أمام بوابّة المدرسة، ألقي نظرةً شاملةً عليها وأنا أسألُه.
“لا أشعرُ بشيء. بل أشعرُ بالراحة لتركها.”
“حقاً؟ يبدو أنك لا تحملُ أيّ حنينٍ لها.”
“وما فائدةُ الحنين؟ لن يُقدّم أيّ مساعدة.”
تبعتُه ببطء وهو يخرجُ من المدرسة أوّلاً.
أخيراً، انتهت المرحلة الأولى.
لقد كانت المرحلةَ الوحيدة بين جميع المراحل التي تحتوي على “قطعة مخفية”.
قرأتُ اسم المدرسة المعلّق على البوابّة مرّةً أخرى: “مدرسة سونغ-وول الثانوية”.
سرعان ما تخلّيتُ أنا أيضاً عن مشاعر الحنين، واستدرتُ مبتعدةً عن ذلك المكان.
“لذا، هذا هو المكانُ الأقربُ والأكثرُ ملاءمةً للحصول على الطعام.”
“… إذاً لا خيار أمامنا. يجب أن نذهب.”
“أجل، يجب أن نذهب..”
بصراحة، رغم أنني من اقترح الذهاب، إلا أنني لم أرغب في ذلك.
لكن بما أن المرحلة الثانية تقع هناك، لم يكن لديّ خيارٌ آخر.
وحتى لو لم أقترح ذلك، كان سيضطرُّ للذهاب إلى هناك بأيّ حال.
فمنذ خروجنا من المدرسة وسيرنا في الشوارع، مررنا بجميع متاجر البقالة والأسواق القريبة، وكانت كلّها فارغة.
يبدو أنه بينما كنا في المدرسة، اندلعت أزمةُ غِذاء في الخارج فتم نهبُ كل شيء.
لذا، في سياق اللعبة، ينتهي الأمر بالذهاب إلى “سوق مركزي ضخم” بحثاً عن المؤن.
وهناك تبدأُ المرحلةُ الثانية.
في هذا المكان، تبدأُ “حربُ البشر” في التصاعد بشكلٍ حقيقيّ. سوقٌ ضخم مليءٌ بالطعام والملابس والمستلزمات.. أيُّ إنسانٍ لن يطمع فيه؟
الناسُ تجمعوا هناك بالفعل وشكّلوا فصائل، وكانت الصراعاتُ بين البشر أكبرُ من خطر الوحوش.
ومع ذلك، فالذهابُ إلى هناك لم يكن فقط لأنها المرحلةُ الأساسية أو لجلب الطعام، بل أيضاً للعثور على “مساعد”.
‘لحظة.. المساعدُ الذي سنعثرُ عليه هنا هو فتاةٌ تشبه البطلة، أليس كذلك؟’
لقد كان المطوّرون واللاعبون يدعمون علاقة هذا “الثنائي” بقوة.
وأنا أيضاً كنتُ أنظرُ إليهما بإيجابية.
المشكلةُ هي أنه يبدو الآن مُعجباً بي.
فماذا سيحدثُ عندما تظهر البطلة؟
هل ستتحولُ القصة إلى مثلثِ حب؟
قلقتُ من أن يتسبب الحب في تحويل المساعد إلى عدوٍّ بدلاً من حليف.
بصراحة، لم أكن أكترثُ كثيراً لإعجابه بي.
ففي النهاية، لا يزال يسكنُ في داخلي وعيٌ بأنه “شخصيةُ لعبة”، لذا لم أشعر بأيّ عاطفةٍ رومانسية تجاهه.
فكرتُ في أن أُظهر هذا بوضوح للمساعدة القادمة، وأُعلمها بأنني بريئة تماماً من أيّ علاقة لضمّها لِفريقنا.
“فيمَ تفكرين بكل هذا العمق؟”
“… مجرد أشياء شتّى.”
“وما هي هذه الأشياء؟”
“لا تحاول المعرفة أيها ‘الباكي’.”
“لستُ باكي!”
“حسناً، أيها ‘الفتى الصغير’ غير الباكي.”
“لستُ صغيراً! هل رأيتِ فتىً صغيراً بهذا الحجم من قبل؟”
“أنت من تقولُ دائماً إنك طفل. لأن ميلادك لم يحن بعد، وعمرك تسعة عشر عاماً فقط.”
بوزَ شفتيه والتفت بعيداً، مُظهراً بوضوح أنه يشعرُ بـ الاحباط.
وماذا في ذلك؟
تجاهلتُه وواصلتُ السير بصمت.
دائماً ما كان هو من يرفع راية الاستسلام أولاً.
“أختي، أنتِ قاسيةٌ حقاً.”
“بماذا أنا قاسية؟”
“ألا تُحبينني؟”
فكرتُ قليلاً في مغزى كلامه ثم أجبت:
“نحن في علاقةٍ ليس فيها مُحبّة ولا كره.”
“ما هذا الكلام! هل أنا الوحيدُ الذي يُحبُّ من طَرَفٍ واحد؟”
يا إلهي، انظروا إليه! أصبح يتحدّثُ بصراحةٍ الآن؟
طوال الوقت كان يعبّرُ عن مشاعره بالأفعال فقط، لكنه الآن بدأ يستخدمُ الكلمات للاعتراف.
“ما الغرضُ من قول هذا لي؟”
“ماذا تظنين؟”
“لا أدري، ما هو؟ على أي حال، لا أرغب في المعرفة.”
بينما كنتُ أمازحه هكذا، وصلنا أخيراً إلى السوق المركزيّ الضخم.
حجمُه كبيرٌ حقاً..
رفعتُ رأسي أُعاين المبنى من الأعلى إلى الأسفل بحثاً عن المدخل.
“يبدو أن الدخول من هناك.”
“آه، ليس من ذلك الاتجاه.”
“لماذا؟ أليس هذا هو البابُ الذي يستخدمه الناس عادةً؟”
“بلى، لكن لا يجب أن ندخل من هناك.”
قُدتُه نحو الجزء الخلفيّ من السوق الضخم.
وجدتُه.
هذا مدخلٌ سرّيّ لا يعرفه إلا اللاعبون الذين جربوا اللعبة. من هنا لن تَلتقطنا كاميرات المراقبة، ولن نُواجه أحداً، فهو مثاليٌّ للتسلّل.
مهما كان السوقُ كبيراً، فإن كمية الطعام ستنفدُ في النهاية.
لا أدري كم عدد الأشخاص المتجمعين هناك، لكن سواء عند المدخل أو في الداخل، لو التقينا بهم فسيحاولون طردنا لأننا “أفواهٌ إضافية”.
وقد يصلُ الأمر للقتل.
لذا فالتنقّل دون مَصادفة أحد هو الخيارُ الأفضل.
أنا أيضاً في أوّل مرّة لعبتُ فيها هذه اللعبة، لم أكن أعلم بوجود هذا المكان، فدخلتُ من الباب الأماميّ وحَدثت فوضى عارمة.
حقاً، كان الجميعُ قساة القلوب بلا رحمة، لدرجة أن إيماني بالإنسانية لم يُحطم فحسب، بل احترق وأصبح رماداً.
وبما أن نفسية ليدون كانت غير مستقرة بسبب العودة المتكررة بالزمن، فقد تدمر تماماً هنا لدرجة لا يمكن إصلاحُها.
لذا كانت هذه إحدى أكثر المراحل التي أكرهُها.
لو كانوا وحوشاً لقتلتُهم بلا تأنيب ضمير، لكن بما أنهم بَشر، لم يكن من السهل قتلُهم، مما جعل الأحداث مُحبطة كمن أكل حبة بطاطا عالقة في حَلقه.
لاحقاً، بعد إنهاء المرحلة، انضممتُ لمنتدى اللعبة وقرأتُ منشوراً عن الغرفة السرية.
شعرتُ بالندم، فلو كنتُ أعلمُ عنها لَما تدمرت نفسية ليدون هكذا. لذا قرّرتُ هذه المرة ألا أكرر الخطأ نفسه.
قُدتُه أولاً إلى قسم الملابس.
السيرُ بهذه الملابس الملطخة بدم الوحوش لم يكن محتملاً؛ لقد كانت حالةُ ثيابي يرثى لها، ممزقة ومليئة بدمي ودماء الوحوش.
وفوق ذلك، لم أغتسل لعدة أيام، فشعرتُ بقرفٍ شديد. سأختارُ الملابس أولاً ثم أبحث عن حمامٍ للاغتسال..
بما أن معطفي الذي تركته في المدرسة لم يجف، فقد اضطررتُ لتركه والمجيء إلى هنا وأنا أرتجفُ من البرد.
عرض عليّ ليدون مِراراً أن يعطيني مِعطفه لكنني رفضتُ بشدة، إلا أن صبري على البرد وصل لحدوده.
أردتُ الحصول على طقم ثيابٍ لائق.
بما أننا لم نكن جائعين جداً، أجّلنا موضوع الطعام قليلاً.
فالحراسةُ هناك مشددة والأشخاصُ هناك طباعُهم سيئة، والمواجهةُ معهم ستستنزف طاقتنا حتماً.
لم أرغب في رؤيتهم وأنا بهذا التعب.
إنهم بَشرٌ يُعاملون الطعام وكأنه مِلكُهم الشخصيّ ويستخدمون العنف لمنعه عن غيرهم؛ حقاً كان مكاناً ترى فيه أحطّ أنواع البشر.
ما رأيتُه في اللعبة كان فظيعاً، فكيف سيكون الواقع..؟
على أيّ حال، وصلنا لقسم الملابس وكان خالياً تماماً، مما منحنا رفاهية التجوّل براحة.
‘همم.. أيّ ملابس أختار؟’
تمنيتُ لو أختارُ ملابس جميلة وغالية لم أرتدِها من قبل، لكن يبدو أن غيري فكّر في ذلك أيضاً، فقد أخذ الناسُ القطع الفاخرة ولم يبقَ سوى الملابس الرخيصة أو متوسطة الجودة.
تنهّدتُ واخترتُ قميصاً وسروالاً.
أردتُ معطفاً دافئاً أيضاً لكن لم يتبقَّ سوى القليل، وكلّها كانت باللون الأبيض الذي يتسخُ بسرعة.
معطفٌ أبيض في هذه الظروف؟
شعرتُ بالإحباط، فالمعطفُ السابق كان أبيض أيضاً..
فكّرتُ بأنني ربما وقعتُ تحت “لعنة اللون الأبيض”، لكنني أخذتُه على أيّ حال.
“آه، يا للانتعاش! يجب على المرء أن يغتسل حقاً.”
دخلتُ الحمام، غسلتُ شَعري في المِغسلة، ثم استحممتُ باستخدام وعاء ماء.
من كان يتخيلُ أنني سأغتسلُ بهذه الطريقة البائسة في حمام سوقٍ مركزيّ؟
شعرتُ بالشفقة على حالي وكدتُ أبكي، لكن لا مفرّ من ذلك للبقاء.
“أختي، ماذا ستفعلين بشَعركِ؟ ستُصابين بالبَرد إن لم يُجفّف.”
“آه.. يجب تجفيفُه، ولكن..”
لم تكن هناك أدواتُ تجفيف.
كنتُ بحاجةٍ لمنشفة على الأقل لأفركَه بقوة.
والمشكلة أن شَعري طويلٌ وكثيف.
‘.. هل أقصه تماماً؟’
بينما كنتُ أفكر في ذلك، أحضر ليدون منشفةً جافة وناعمة لا أدري من أين، وبدأ يضغطُ على شَعري ويجففه لي برفق.
كانت لمساتُه مريحة لدرجة أنني استسلمتُ له بهدوء، حتى وجدتُ نفسي أغفو.
“أختي، هل أنتِ مُتعبةٌ جداً؟”
“لم أكن كذلك، لكن عندما بدأتَ بتجفيف شَعري غلبني النّعاس.”
“هل تودّين النوم؟ سأضعُ منشفةً فوق الوسادة.”
“أنت رقيقٌ في هذه الأمور.”
“أفعلُ هذا لأنكِ أنتِ.”
كنا في غرفةٍ صغيرة في أعمق نقطة من القبو السرّيّ، لذا لم يكن هناك داعٍ للقلق من اقتحام أحد.
هذا الممرُّ السريّ يربط القبو بجميع الطوابق.
شعرتُ بالندم الشديد لأنني لم أستخدمه في اللعبة، لكن بما أنني أستخدمه الآن، سأتجاوز الأمر.
النومُ تحت غطاءٍ ناعم..
كان أفضل بكثير من سرير العيادة.
العيبُ الوحيد هو وجودُ سريرٍ واحدٍ فقط. مما يعني النوم معاً، لكن السرير كان واسعاً بما يكفي ليبقى فراغٌ بيننا لو نَمنا على الأطراف.
ولكن..
“هل ستنامُ أنت أيضاً؟”
“نعم، أشعرُ بالتعب بعد الاغتسال.”
“لكن.. ابتعد قليلاً؟ هل يجب أن تلتصق بي والسريرُ واسعٌ هكذا؟”
“لو ابتعدتُ سأشعرُ بالوحدة.”
وحدةٌ ماذا!
كانت نواياه واضحة تماماً.
رمقتُه بنظرةٍ حادة ثم استدرتُ معطيةً إياه ظهري.
وعندما كدتُ أنام، التصق بظهري تماماً ولفّ ذراعه حول خصري.
“ابت
عد. ألن تتركني الآن؟”
“لا يجب أن تُصابي بالبَرد. لا توجد تدفئة هنا، والنومُ بشعرٍ مبلل سيُمرضكِ.”
أجاب بخبثٍ ولم يتحرك شِبراً.
يا له من مُتحرّش صغير!
لكن من جهةٍ أخرى، بدا كلامُه منطقياً، كما أن حرارة جسده خلف ظهري كانت دافئة، فاستسلمتُ في النهاية ونمت.
التعليقات لهذا الفصل " 21"