لا أدري كم مرّةً عادَ بالزّمن، ولا كم مرّةً التقاني خلال تلك الرحلة..
ولا أدري حتى ماذا حدث بيننا في تلك الأثناء.
لكنّ كلّ ذلك لم يكن مُهمّاً الآن؛ فتركيزي مُنصبٌّ فقط على الهروب من هنا.
بدا ليدون وكأنّه على وشك أن يُبتلع تماماً داخل ذكرياته.
لقد فَقَد صوابه بالفعل، ونظرةُ عينيه التائهة كانت تُخيفني قليلاً، لكن بما أن كل هذا حدث بسبب اختبار الزعيم الأخير اللعين، وبما أنني أنا من أجبرتُه على خوض هذا الاختبار، كان عليّ أن أتحمّل المسؤولية.
“ليدون.. هل تستطيعُ استعادة وعيك؟”
مسحتُ على شَعرِهِ برفق، ثمّ أنزلتُ يدي لأربتَ على ظهره.
لم أرغب في قول هذا، لكنه كان ثقيلاً جداً!
في النهاية، هو رجلٌ بالغٌ يتكئُ بكل ثقله على امرأةٍ بالغة، فكيف لا يكون ثقيلاً؟
لكن لم يكن بإمكاني الشكوى.. لذا كتمتُ أنفاسي وناديتُه بألطفِ صوتٍ ممكن.
“ليدون. يا ليدون. هل تسمعُني؟”
“….”
“حاول أن تُفكّر فيما سأقوله لكَ الآن.”
قرّرتُ أولاً أن أجعله يُفكّر في أشياء إيجابية.
“ليدون، لِنُفكّر في أشياء إيجابية، ما رأيك؟ ذكريات سعيدة، أو لحظات جعلت مَزاجك يَبتهج.”
بمجرد أن قلتُ ذلك، شعرتُ بذراعيه اللتين تحتضنانني تزدادان قوة.
“حسناً.. أولاً، أنا لا أزالُ حيّة، أليس كذلك؟ انظر، أنا أُحدثك الآن وأمسحُ على رأسك.”
لم أكن أعلم إن كانت نجاتي ستساعده حقاً على التفكير بإيجابية، لكن بالنظر إلى بكائه وهو يتشبثُ بجثتي منذ قليل، خمنتُ أن هذا قد يفي بالغرض.
“فكر في ذكرياتٍ سعيدة أخرى غير هذه.”
ماذا يمكن أن تكون..؟
أردتُ أن أطلب منه تذكّر رحلاته مع عائلته، لكن لسوء الحظ، تذكرتُ أنه فقد والديه في سنّ مبكرة.
أظنّ أن كتيب تعليمات اللعبة ذكر ذلك.
لذا، فإن تذكّر العائلة قد يأتي بنتائج عكسية، فمن الأفضل ألا أتحدث عنهم.
ماذا عن قضاء وقت ممتع مع الأصدقاء؟ لكن في سنه هذا، أول ما سيخطر بباله هم أصدقاء الثانوية، والمشكلة هي أنهم خانوه وتسببوا في مقتله عدة مرات.
تَبّاً.. لا توجد أمثلة كافية لأعطيها له!
بينما كنتُ غارقةً في تفكيري، بدا أن هدوءه قد عاد قليلاً، ففتح فمه ليتحدث.
“أختي..”
“نعم؟”
“أسعدُ ذكرى لديّ هي حين التقيتُ بكِ لأوّل مرّة.”
“آه.. أنا؟”
حين التقاني أوّل مرة؟
“بالتأكيد أشعرُ بالسعادة حين أفكر في ذلك الوقت، لكن حين ينتهي الأمر بالتفكير في النهاية، أشعر بالألم.”
“النهاية..؟”
“ليس لدي ذكريات سعيدة غيرها.. كل ذكرياتي معكِ تنتهي بحزنٍ شديد، لذا لا فائدة من التفكير في السعادة.”
يُحب ذكرياته معي لكن النهاية تُؤلمه؟
التفتُّ بلمحةٍ خاطفة إلى جثثي المتناثرة حولي.
هل يعقل أن لهذا علاقة بتلك الجثث؟ أي أنني.. في كل مرة.. كنتُ أموتُ في النهاية؟
“ماذا أفعل؟ لا أظنني أستطيعُ الخروج من هنا. أنا آسف.. أنا حقاً آسف يا أختي.”
ماذا عليّ أن أفعل الآن؟
“ألا يوجد شيء آخر غيري؟ أي ذكرى أخرى..؟”
“لا يوجد. لا أتذكرُ أيّ شيء..”
يا إلهي، سأجنّ! ألا يوجد حلّ لهذا؟ هل انتهى الأمر؟ هل سنموتُ جميعاً هنا ونصلُ إلى “نهاية سيئة”؟
في تلك اللحظة، أظلمت الدنيا أمام عينيّ.
هل هذا السواد هو مستقبلي؟
لا يمكنني الموت هكذا. لقد نجوتُ للتو من جحيم الموت، ولا أريد الموت مجدداً!
مستحيل.
“ليدون، انهض أوّلاً.”
قرّرتُ أن نأخذ نفساً عميقاً ثم نُفكر مجدداً.
أوقفتُه، ثم نهضتُ أنا أيضاً واستنشقتُ الهواء وزفرتُه بقوة.
في الواقع، لم يكن هواءً نقيّاً بوجود الجثث في كل مكان، لكنني حاولت تهدئة روعي ثم التفتُّ إليه.
كان يُغلق عينيه لأنه لا يجرؤ على النظر إلى جثثي الملقاة حوله.
أشفق قلبي عليه، فاقتربتُ منه وربتُّ على ظهره.
“اسمع، هل كانت ذكرياتك معي سعيدة وجميلة بالنسبة لك؟”
“… نعم.”
“إذاً لا تزالُ هناك ذكرى واحدة لم تنتهِ بحزنٍ بعد.”
“….”
“هذه اللحظة الآن. النهاية لم تأتِ بعد، وأنا لا أزالُ حيّة أمامك، أليس كذلك؟”
إذا فكرنا في الأمر، فهذا صحيح. سبب قوله إن النهايات دائماً حزينة هو موتي.
إذاً، الذكرى التي لم تصبح حزينة بعد هي “الآن”.
لكن بصراحة، لم تكن لدينا الكثير من الذكريات الجميلة.
اليوم الأول مرّ هكذا، وفي اليوم الثاني ظهر “الزعيم المتوسط” وقلب الأمور رأساً على عقب، فنام هو طوال اليوم بينما كددتُ أنا وتعبت.
أما اليوم الأخير، فلم نفعل فيه شيئاً سوى الركض والهروب.. أشعر بالخجل حتى من تسميتها ذكريات جميلة.
حسناً.. ماذا لو قمتُ بـ”صُنع” ذكرى جميلة بسرعة؟ إن لم توجد، فعلينا ابتكارُها.
“صحيح. أختي لا تزال حية الآن. لأن الأمر لم ينتهِ بعد.”
بينما كنتُ أعزم أمري على فعل شيء مجنون من أجل البقاء، نظر إليّ فجأة بعينين استعادتا تركيزهما وكأنه أدرك شيئاً.
وبدأ المحيط من حولنا يختفي ويصبح أكثر إشراقاً.
أوه؟ هل لم يعد هناك داعٍ لما سأفعل؟
تَبّاً، لقد كنتُ أُفكر بجدية وأتخذُ قراراتٍ صعبة دون داعٍ.
“أوه.. أجل. تفكيرٌ سليم.”
“شكراً لكِ. حقاً لا يمكنني البقاء من دونكِ يا أختي.”
“لا، في الحقيقة لم أفعل شيئاً يُذكر..”
لكن المهم أن النتائج كانت جيدة، ولم نصل إلى النهاية السيئة.
بمجرد خروجنا من هنا، سيحصل هو على “القطعة المخفية” وننتقل للمرحلة التالية.
‘آه.. ولكن متى سننتهي من كل هذه المراحل..’
بعد لحظات من الارتياح، شعرتُ بالإحباط حين فكرتُ في الطريق الطويل الذي ينتظرنا.
‘مهلاً.. لماذا لم يختفِ هذا المكان بعد؟’
ألتفتُّ حولي بتعجب.
ألم نجتز الاختبار؟
ليدعونا نخرج بسرعة.
“ليدون، هل تُفكر في أشياء إيجابية حقاً؟”
“نعم، أنا أفعل.. هل ربما لا يزالُ ذلك غير كافٍ؟”
“هممم..”
هل هو حقاً غير كافٍ؟ تَبّاً، كنتُ أعلم أن الأمور لن تسير بهذه السهولة.
“ليدون.. هل تُحبني؟”
“… نعم؟”
آه، ربما كان سؤالي مباشراً أكثر من اللازم.. بدا عليه الارتباك للحظة، ثم احمرّت أطراف أذنيه.
واو، هل يُحبني حقاً؟
بصراحة، بدأتُ أشك في ذلك منذ رأيتُه يبكي وهو يحتضن جثتي، وحين قال إن كل ذكرياته معي كانت سعيدة، تساءلتُ إن كان ذلك اعترافاً.
“هل تُحبني حقاً؟”
“….”
“إذاً، إذا فعلتُ هذا، فهل ستبقى هذه ذكرى سعيدة أيضاً؟”
عندها، طبعتُ قُبلةً خفيفة على وجنته.
في تلك اللحظة، سطع المكان بضوءٍ باهر، وفي رمشة عين، وجدنا أنفسنا قد عُدنا إلى ساحة المدرسة.
‘واو، لقد كان مفعولُها فورياً! كان عليّ فعل ذلك منذ البداية.’
بينما كنتُ أفكر في ذلك وأتطلع حولي، رأيتُ كتلة سوداء تنهار بعيداً.
عرفتُ فوراً أن تلك هي نهاية الزعيم الأخير.
“تستحقُّ ذلك.”
أشرتُ له بحركة ساخرة بيدي وابتسمتُ بانتصار.
استمتعتُ بمشاهدة نهايته بشعورٍ من الراحة.
“أختي..”
حينها، شدّ ليدون طَرَف كُمّي وناداني بصوتٍ خافت.
“ماذا؟”
التفتُّ لأرى ما به، فكان وجهه أحمرَ تماماً كحبة طماطم على وشك الانفجار.
“كيف تفعلين شيئاً كهذا فجأة..”
“هل أنتَ خجلانٌ الآن؟”
“لا، ولكن..”
أمام ردّ فعله البريء وغير المتوقع، حاولتُ جاهدةً كتم ضحكتي التي كادت تنفجر.
عندها تمتم بأنني لا يجب أن أضحك، وبأنني شريرة حقاً.
“أنا شريرة؟”
“لقد سخرتِ مني.”
“لكنك مضحكٌ جداً، ماذا أفعل؟”
“….”
“حسناً، فهمت. لن أفعل ذلك مجدداً.”
قلتُ ذلك وأنا أعبثُ بشَعره بقوة وأُبعثره.
“على أي حال، يبدو أن أمر ذلك الوحش قد انتهى أيضاً؟”
صرفتُ نظري عنه ونظرتُ إلى الزعيم الأخير الذي كان يتلاشى. وبمجرد اختفائه تماماً، ظهرت شاشةٌ أمامي وكأنها كانت تنتظر.
「مُبارك! لقد اكتشفتَ القطعة المخفية!」
「هل تودُّ التحقق من المهارة؟」
「نعم / لا」
بالطبع ضغطتُ على ‘نعم’. وعندها..
「للأسف، لا يمكنك التحقق لأنك لا تستوفي الشروط.」
تشه. لا يمكنني حتى رؤيتها؟ هذا مبالغ به.
نقرتُ بلساني مُتذمرة ثم التفتُّ إليه.
“هل تحققتَ منها؟”
“نعم.. هل هذه هي القدرة التي ستساعدنا؟”
“أجل، بالضبط. الآن اضغط على ‘قبول’ لتستلمها.”
تردد ليدون للحظة، ثم قال إنه فعل ذلك، ونظر إليّ كجروٍ ينتظر الثناء.
“أحسنت.”
“لكن، هل أنا الوحيد الذي حصل عليها؟”
“أجل. لأن شخصاً واحداً فقط يمكنه استلامها.”
“إذاً لماذا لم تأخذيها أنتِ يا أختي؟”
“أوه.. هناك شرط، وهو أن الشخص يجب أن يكون قد درس في هذه المدرسة من قبل. لذا لم أتمكن من أخذها.”
“آه.. فهمت.”
لو كان بإمكاني أخذُها، لفعلتُ ذلك بالتأكيد حتى لو كان للقدرة آثارٌ جانبية..
“على كلّ حال، بما أن الأمر انتهى تماماً، فلنرتح اليوم. لا بدّ أنك مُتعب، خاصةً وأنك استنزفت قواك من كثرة البكاء.”
حين بدأتُ أسخرُ منه وأنعته بالبَكّاء، نظر إليّ بحدة ممزوجة بالدلال واحتجّ قائلاً:
“كل هذا كان بسببكِ يا أختي. لذا عليكِ تحمّل
المسؤولية.”
“لماذا هي مسؤوليتي؟ أنت من بكيتَ بمحض إرادتك.”
“لا يعقل هذا، الخطأ يقع على عاتق الشخص الذي تسبب في الموقف.”
رفضتُ طلبه بتحمل المسؤولية بشكل قاطع وأنا أخبره ألا يتفوه بالترهات، وتوجهتُ نحو المبنى.
تبعني بصمت وهو مستسلم، فابتسمتُ سراً وأنا أراقبه يسير بجانبي.
التعليقات لهذا الفصل " 20"