19
مُنذُ لقائنا الأوّل، كانت هي نفسها في كلّ مرّة أعود فيها بالزّمن.
لكنّها كانت مختلفةً تماماً عن تلك المرّة الأولى.
ومع ذلك، لم أرغب في خسارتها.
في كلّ مرّة كانت تَموت فيها، كنتُ أموتُ خلفها؛ فما الفائدةُ من البقاء حيّاً بمفردي؟
لقد تكرّر الأمرُ مراراً وتكراراً، حتى لَم أعد أذكر عدد المرّات.
ذات يوم، خطرت لي فكرة: ماذا لو لم أقتل الناجين في البداية وذهبتُ للقائها هي أوّلاً؟
في كلّ مرّة، كنتُ ألتقي بالنّاجين في اليوم الأوّل، وألحق بهم إلى حيث يَصدر الصّوت، وهناك أقتلُهم.
بعد ذلك أذهبُ للقائها، لكنّي اليوم لم أرغب في فِعل ذلك. أردتُ رؤيتَها فوراً.
لذا قرّرتُ تأجيل أمر هؤلاء والذهاب للبحث عنها.
كانت مجرّد رغبة عابرة وبسيطة.. ولكن..
“يا أنت، ماذا تفعلُ هنا؟ لقد كنتُ أبحثُ عنك. هيّا، اتبعني بسرعة.”
هي مَن اقتربت أوّلاً.
وقفتُ مذهولاً أراقبُها وهي تُمسك بذراعي وتُواجه الآخرين بحدّة.
لسببٍ ما، خفقَ قلبي بشدّة.
في هذا الوقت من كلّ مرّة، كنتُ أكونُ مع النّاجين بعيداً عن هنا.
لهذا لم أكن أعلم، لقد كانت تأتي منذ البداية..
لقد أتت إليّ.
بينما كانت نائمة، رفعتُ يدي بخفّة ومسحتُ على شَعرها.
انتقلت يدي برِقّة من شَعرها إلى وجنتها، ثمّ توقّفت عند عُنقها.
مهما حاولتُ ألّا أفكّر في الأمر، كنتُ كلّما رأيتُها أراها تتداخلُ مع صورتها في ذلك الوقت.
خاصةً عندما أنظرُ إلى عُنقها الذي تَمّ نهشُه، كان مَزاجي يَنقبض.
“أنا آسف.. لأنّي كنتُ ضعيفاً ولم أستطع حمايتكِ. أنا حقاً آسف.. لو كنتُ أقوى قليلاً فقط.”
سحبتُ يدي ونظرتُ إليها وهي غارقة في نَومها لِلحظة، ثمّ استدرتُ.
ذهبتُ إلى المكتب، جلستُ على الكُرسي، وفتحتُ الإنترنت لأتفقّد الأوضاع في الخارج.
تماماً كما في كلّ مرّة، لم يتغيّر شيء.
تنهّدتُ بهدوء وأغلقتُ المتصفّح، وبينما أتجوّل بنظري على المكتب، وقعت عيناي على كتابٍ ما.
“….”
بالحديث عن ذلك، كيف كانت أختي تَعرف طرق العِلاج جيّداً هكذا؟
باستثناء المرّة الأولى التي التقيتُها فيها، بدت في جميعُ المرات جيدة في عِلاج الجُروح.
كانت النتائجُ عند الجميع دائماً تبدو وكأنّها محاولاتهم الأولى، فكيف كانت هي بارعةً هكذا في لقائنا الأوّل؟
لماذا يوجد هذا الفرق؟
فكّرتُ في ذلك وأنا أفتح الكتاب ببطء.
ليس بالضّرورة أن تكون هي البارعة؛ إذا كانت لا تَستطيع، فسأفعل ذلك أنا.
بدأتُ أقرأ الكتاب بتمهّل وأنا أتذكّر تلك المرّة التي عالجتني فيها أوّلاً.
عندما فتحتُ عينيّ، كان المَشهد غريباً.
آخر مَكان أتذكّره هو العيادة الصّحيّة.. أين أنا الآن؟
تَفحّصتُ الغرفة لِلحظة، لكنّها كانت أهمّ من أيّ شيء آخر.
لكنّها لم تكن موجودة. تماماً مثل ذلك اليوم، اختفت بينما كنتُ نائماً.
حاولتُ إجبار جسدي على النهوض، فشعرتُ بالدّم يَصعد إلى حَلقي.
تَبّاً، ليس الآن. يجب أن أجدها بسرعة.
حينها رأيتُ مُسكّنات الألم تحت الأريكة.
مزّقتُ الغلاف فوراً وأفرغتُها في فمي وابتلعتُها مع الدّم.
لم يظهر المفعولُ فوراً، فكان الألمُ يُرافق كلّ حركة أقوم بها، لكن لم يَهمني ذلك.
خرجتُ إلى الممرّ مُسرعاً فرأيتُ العيادة الصّحيّة في حالة فوضى.
بحثتُ فيها والخوفُ يتملّكني، ولحُسن الحظّ لم تكن هناك.
إذاً أين ذهبت؟
في تلك اللحظة، رأيتُ وجهاً مألوفاً يَنزل من الطّابق العلويّ لُهاثاً.
“ألا يكفي هذا القدر؟ لن يُلاحقنا بالتأكيد لأنّه مَشغول بالتهام تلك المرأة.”
“بما أنّنا وصلنا إلى هنا، فلن يُطاردنا أكثر.”
عندما سمعتُ كلمة “امرأة” في حديثهم، أمسكتُ بهما بسرعة وسألتُ عمّا يَعنيانه.
عندما رأيتُهما يتبادلان النظرات ويتجنّبان الكلام، تملّكني شعورٌ مشؤوم.
“ليس صحيحاً، أليس كذلك؟ الشخصُ الذي ذكرتموه ليس أختي، صَحيح؟ قُولا إنّه ليس هي!”
لكنّ حدسي كان في مَحلّه.
بعد سماع الحقيقة منهما، شعرتُ بشيء يَنقطع في عقلي.
مَن أنتم لتستخدموا أختي طُعماً؟
التقطتُ شظية زجاج ملقاة على الأرض وشققتُ حَلقيهما.
لم أستطع مَسامحتهما.
لو كنتُ أعلم، لكان من الأفضل قتلهما منذ البداية كما أفعلُ دائماً.
طعنتُهما بالزجاج وأنا أشعر بالندم، ثمّ نهضتُ.
*المترجمة مارفا: هؤلاء هم نفس الرفقه اللي البطل التقى فيهم في بداية القصة. وهو شعر بالندم لأنه ما قتلهم من ذاك الوقت.
ما زلتُ أسمعُ أصوات ارتطام من الطابق العلويّ، وبإيمانٍ بأنّها لا تزالُ حيّة، صعدتُ إلى الأعلى.
وعندما وجدتها، كانت حالتها يُرثى لها، بشكلٍ يذكّرني بوداعنا الأوّل.
“أنتَ..”
“أختي..”
لكن هذه المرّة، لم تَدفعني بعيداً.
شَعرتُ بالارتياح لأنّها لم تَدفعني كما فعلت آنذاك بل تقبلت عناقي.
أخيراً، انتهى الأمر.
「مُبارك. لقد أكملتَ المرحلة 1: المدرسة.」
ظهرت شاشةٌ شفّافة أمام عينيّ، فالتفتُّ بسرعة لأنظر إليها. كانت مُستلقيةً على الأرض ومُغلقة العينين، ويبدو عليها التّعب الشّديد.
“أختي، هل أنتِ بخير؟”
“لا.. أشعرُ وكأنّي سأَموت.”
ناديتُها بصوتٍ مرتجف خوفاً من أيّ شيء، فذابَ قلبي القلقُ عندما سَمعتُ صوتها يأتيني وكأنّها كانت تنتظرُ سؤالي.
لقد انتهى الأمرُ حقاً.
انتهى.
غمرتني السعادةُ وارتسمت على وجهي ابتسامةٌ لأنّني ولأوّل مرّة بقيتُ معها على قيد الحياة حتى النهاية.
“لِننم هكذا قليلاً.. أنا.. لا أستطيعُ الحَراك.”
“لكنّنا في الخارج..”
“لا بأس. لن تظهر الوحوشُ اليوم على أيّ حال.”
بمجرّد انتهاء كلماتها، ساد الصّمت وكأنّها غطّت في نومٍ عميق.
نظرتُ إليها بهدوء.
في كلّ مرّة يَصل فيها اليوم الثالث، كنتُ أفقدُها.
أحياناً كنتُ أصمدُ بصعوبة بفضل الحظّ، لكن في النهاية كنتُ أبقى وحيداً.
تذكّرتُ اليوم الذي ظهرت فيه تلك الشّاشة الغريبة تُخبرني بإكمال المرحلة بينما كنتُ أحضنُ جثتها الهامدة.
حقاً، كنتُ أحضنها وأنا أشعر بالفراغ والعجز بعد أن ماتت وهي على وشك الوصول.
لكن الآن، لم يعد عليّ فِعل ذلك.
لأنّها حيّة.
كانت تتنفّسُ وهي بجانبي هكذا.
اقتربتُ من جسدها النّائم وحملتُها بين ذراعيّ بحذر.
“أختي. مهما كان الأمر، النومُ في الخارج ليس جيّداً لِصحّتكِ. الجوّ باردٌ لأنّنا في الشّتاء، ماذا لو أُصبتِ بالبَرْد؟”
همستُ بذلك ومشيتُ ببطء كي لا أوقظَها ودخلتُ المبنى.
كنتُ أريدُ أخذها إلى غرفة الإرشاد لِتنام هناك، لكنّ المسافة كانت بعيدة جداً.
كنتُ أتظاهرُ بأنّي بخير، لكن في الحقيقة كنتُ مُتعباً أيضاً.
ومع ذلك، بَذلتُ ما تبقى من قُوّتي ووضعتُها في مَكانٍ نظيفٍ نسبيّاً.
ثمّ استلقيتُ بجانبها واحتضنتُها.
كنتُ فضوليّاً.
وكما كنتُ أشعرُ في كلّ مرّة، كانت تَعرفُ الكثير.
شَعرتُ بذلك بقوّة خاصة مع تلك التي التقيتُها أوّل مرّة.
أردتُ سؤالها، لكنّي لم أستطع.
كنتُ أحمقَ في ذلك الوقت، وأعيشُ طيشاً وضياعاً، فضاعت مني فرصةُ سؤالها.
لذا قرّرتُ أنّي إذا التقيتُها مرّة أخرى، فسأسألها بشكلٍ صحيح.
لكنّها في المرّات التي تلت ذلك، كانت تبدو وكأنّها شخصٌ آخر تماماً، مختلفة جداً.
لذا لم أرغب في سؤالها عن شيء. والآن، ولأنّها تبدو الأقرب لِصورتها الأولى، سألتُها أخيراً.
بدت هانجي مرتبكةً جداً من سؤالي، فتصلّبت في مَكانها ولم تستطع قول شيء.
هل سألتُ سؤالاً مُحرجاً؟
لكن لم تكن لديّ نيّة للتراجع.
ما تعلّمتُه من خلال العودة بالزّمن عدّة مرّات هو أنّه عندما تأتي الفرصة، يجب التمسّكُ بها.
إذا ضاعت تلك اللحظة، فلن تعود.
وتلك الفرصة كانت الآن.
ربما أدركت أنّي لن أتراجع، ففكّرت بجدّية ثمّ باحت لي بسرّها في النهاية.
لكنّي لم أستطع التصديق.
هل هذا كلّ شيء حقاً؟ تَعرفُ المستقبل؟
بالتأكيد، إذا نظرتُ إلى تصرّفاتها، فهي تتصرّفُ كشخصٍ يَعرف شيئاً ما. لكن معرفة المستقبل وحدها لم تكن كافية لِتفسير كلّ تلك التصرّفات.
لا بدّ أن هناك شيئاً آخر..
أردتُ سؤالها أكثر عن ذلك، لكن بدا أنّها لا تُريد التحدّث أكثر فغيّرت الموضوع، ورغم إدراكي لذلك، تركتُ الأمر يمرّ حاليّاً.
وعندما فتحتُ الموضوع مرّة أخرى، كان ذلك بعد أن انتهى كلّ شيء.
“لكن يا أختي.. ألا يبدو هذا الموقفُ غريباً بعض الشيء؟”
“هاه؟ ما الغريب؟”
اختفت الوحوشُ وأصبح لدينا وقتٌ، فاعتقدتُ أنّه لا بأس من جَسّ نبضها قليلاً.
في الحقيقة، كان هذا التساؤل يراودني منذ ظهور الوحوش لأوّل مرّة، لكن بسبب الفوضى، كنتُ قد نسيتُ الأمر حتى الآن.
أجل، الوحوشُ (الزومبي) قد قيل عنها الكثير في نظريات المؤامرة، وعرفناها من خلال الأفلام والكتب، لذا لم تكن غريبة.
لكن ماذا عن هذا؟
شاشات غريبة تظهرُ فجأة أمام الأعين، وبثٌّ يظهرُ فجأة ليتحكّم بالوحوش..
وفوق ذلك، هناك ما يُشبه الغشاء غير المرئيّ خلف بوابة المدرسة يمنعنا من الخروج. كيف يُمكن تفسير كلّ هذا؟
لذا طرحتُ تلك التساؤلات عليها.
شَعرتُ أنّها قد تَعرف الإجابة.
وبمجرّد سماع كلامي، بَدت وكأنّها أدركت شيئاً، ثمّ ضحكت بارتباك ووافقتني الرأي.
“أوه؟ أه، أجل.. لقد ظهرت لي أيضاً.. صـ- صحيح؟ الآن بعد أن فكّرتُ في الأمر، إنّه غريبٌ فعلاً؟”
“… صحيح. هناك شيءٌ غريب.”
بدا أنّها لا تنوي التحدّث هذه المرّة أيضاً.
كما شَعرتُ سابقاً، هانجي عندما تكذبُ أو تُحاول إخفاء شيء، ت
ميلُ للضحك بارتباك ومراقبة ردّ فعلي.
ربما تحاولُ التصرّفُ بشكلٍ طبيعيّ، لكن..
حسناً.
حتى شكلُها هذا كان لطيفاً.
في النهاية، قرّرتُ التخلّي عن محاولة اكتشاف المزيد وتجاوز الأمر.
لا بدّ أن لديها سبباً لذلك.. سأنتظرُ واثقاً بأنّها ستُخبرني بنفسها يوماً ما.
التعليقات لهذا الفصل " 19"