10
الفصل -10-
“كنتُ خائفاً جداً، ظننتُ أنكِ مِتِّ يا اختي.”
“أموت؟ ولماذا أموت أصلاً؟”
“لكن أولئك الأوغاد…”
أولئك الأوغاد؟
بينما كنتُ أتقبل تذمره ونحيبه، تسمرتُ فجأة عند تلك الكلمة التي خرجت من فمه.
“… ماذا تقصد بـ ‘أولئك الأوغاد’؟”
“آه، ذلك… لا شيء.”
بدأ يبتلع الكلمات وحاول التهرب من الإجابة والمراوغة.
شعرتُ بشيء مريب، وعندما حاولتُ رفع رأسي لأنظر في عينيه، دفن وجهه فجأة في كتفي وغير الموضوع.
“ظننتُ أنكِ تخليتِ عني.”
“ماذا؟ … ما هذا الهراء أيضاً؟”
“عندما فتحتُ عينيَّ لم أجدكِ، كنتُ وحدي فظننتُ أنكِ تركتِني وكنتُ خائفاً.”
عاد لينتحب كالأطفال مرة أخرى.
أردتُ سؤاله أكثر عن “أولئك الأوغاد”، لكن بما أنه كان يتهرب بوضوح، فمن المؤكد أنه لا يريد التحدث، لذا قررتُ التجاوز حالياً.
“من تظن أنه عالج جراحك؟ أنا من فعلت كل شيء. لماذا أعالجك ثم أتخلى عنك أيها الغبي؟”
لقد بذلتُ جهداً في إصلاحك لأستخدمك، فكيف أفرط بك هكذا؟ إنه تبذير.
“لكن… ظننتُ أنني أصبحتُ عبئاً فتخلصتِ مني…”
“لو كنتُ أراك عبئاً، لتركتُك في العيادة منذ ذلك الحين.”
“… اختي.”
“ماذا؟”
“لا تتخلي عني. هاه؟ أرجوكِ… لا تتركيني أبداً.”
“حسناً، لن أتخلى عنك.”
“هذا وعد. لقد وعدتِني… لا يجوز لكِ تركي.”
“فهمتُ! قلتُ لك فهمت. لن أذهب إلى أي مكان وأتركك، لذا توقف عن البكاء.”
وابتعد عني قليلاً.
تهدئته وهو يكرر جملة “لا تتركيني” لم تدم طويلاً.
بمجرد أن بدأ يكررها، شعرتُ بالتسلل التدريجي للانزعاج والملل.
‘.. ما خطبه حقاً؟’
للحظة، كنتُ سعيدة لأنه هو من فتح باب الفصل ودخل.
شعرتُ بالراحة والأمان لأنني وجدتُ شخصاً أعتمد عليه، ولكن الآن… رؤيته وهو يتصرف كطفل ويتشبث بي ويبكي بحرقة جعلت التعب ينهال عليَّ فجأة.
‘أن أضطر للنجاة في هذا العالم القاسي ومعي شخص كهذا…’
ليدون الذي أعرفه هو شخص مات وعاد للحياة عشرات المرات، شخص صُقلت مشاعره حتى تبلدت، وكان يلقي بالجميع خلف ظهره ويقاتل وحيداً.
أما ليدون الحالي فهو غريب جداً، ومزعج في نواحٍ كثيرة.
صحيح أنه سيكون من السهل عليَّ التلاعب به من الخلف مستقبلاً… ولكنه هشٌّ للغاية.
بينما كنتُ أفكر في هذا، بدأ رأسي يؤلمني، وحاولتُ الضغط على صدغي لتهدئة نفسي، لكنني لاحظتُ أن يدي لا تملك أي قوة.
أوه، تذكرت، حالتي الجسدية ليست طبيعية الآن، أليس كذلك؟
“آه، اللعنة. انتظر لحظة. ليدون، ابتعد قليلاً.”
لقد نسيتُ تماماً أنني أُصبتُ بينما كنتُ أقاتل حارس البوابة قتالاً وحشياً في الوحل من أجل البقاء.
من شدة التوتر، نسيتُ الألم لبرهة وتحركتُ هكذا…
وحتى بعد القضاء عليه، كان شعور الأمان بالنجاة أكبر من أن يجعلني أتذكر الألم.
لكن جسدي، على عكس عقلي، كان قد وصل لحده الأقصى ويرسل إشارات استغاثة متتالية، ولم أشعر بها إلا الآن.
“اختي؟ ما بكِ…؟ هاه؟ بالنظر إليكِ الآن، حالتكِ…”
“آرغ… لا، فقط…! ابتعد عني.”
“هل أنتِ بخير؟ لا، مستحيل أن تكوني بخير… ماذا أفعل!”
أنا أتألم لدرجة الموت، وهو يقفز بجانبي بتوتر مشتتاً ذهني، حتى بدأ رأسي يدور.
هاه، تباً. أشعر بالرغبة في القيء.
يقولون إن الألم الشديد يسبب الغثيان، وقد بدأتُ أشعر بتقلصات حقيقية في معدتي.
“ألا يجب أن نذهب للمستشفى؟ لنتصل بـ 119…!”
“هل تظن أنهم سيأتون لو اتصلنا؟ هاه… فقط اصمت قليلاً. صوتك يجعل رأسي يطن.”
“آه، أنا آسف… لكن جروحكِ خطيرة…”
“هوف… إذا كان الزومبي يتجولون في المدرسة هكذا، فتخيل حال الخارج. المستشفيات؟ هل تظن أنها لا تزال تعمل بشكل طبيعي؟”
ثم، المستشفى ستذهب إليه حتى لو لم تستعجل، لأن المرحلة الثالثة هي “المستشفى”. مكان مدمر ومليء بالأشياء المرعبة…
“… إذاً لننزل للطابق الأول أولاً. لا بد أن هناك أدوية متبقية في العيادة. هل تستطيعين الحركة؟”
“لنسترح قليلاً ثم نتحرك. الآن أنا…”
“لا يمكن. سأحملكِ على ظهري.”
“كفَّ عن الهراء أيها الغبي. حالتك الجسدية ليست طبيعية أيضاً. من تظن نفسك قادراً على حمله بهذا الوضع؟”
“أنا بخير حقاً. انظري؟ أنا سليم.”
سليم؟ أي كلام فارغ هذا.
“لكن، هل معدتك بخير؟”
“ماذا؟”
“لقد تقيأت دماً. وكانت هناك كدمة دموية على بطنك. أعضاؤك الداخلية لا بد أنها محطمة وتؤلمك.”
“آه، ذلك… أنا بخير لأنني تناولت مسكناً للألم. وجدته بالقرب من الأريكة…”
“لا، أيها الأحمق!”
صرختُ فجأة من شدة الغيظ. لماذا تناولته؟ وعلى معدة فارغة!
“أي غبي يتناول دواءً كهذا على معدة فارغة! هل تعرف مدى قوة هذا الدواء؟ هاه… ستنقلب معدتك رأساً على عقب.”
“ولكن… لم تكوني موجودة. ولم أستطع تحريك جسدي، لذا…”
“لا تبكِ.”
لأنني أنا من أريد البقاء. بالكاد أنقذتُ حياتك، وبينما كنتُ أخاطر بنفسي لجلب الطعام، لم تفكر فيما سيحدث وتناولت أي شيء وجدته على معدة فارغة.
وفوق ذلك، اعتمدت على مفعول الدواء وتجولت هكذا.
هاه! شعرتُ بخوار قواي من شدة التوتر والرغبة في ترك كل شيء.
عندما استندتُ عليه مرة أخرى، انتفض فجأة.
“كما قلت، من الأفضل أن أحملكِ…”
“أرجوك، ابقَ هادئاً فحسب. أرجوك.”
“اختي…”
هاهه… لنهدأ.
أجل.
بصراحة، لو كنتُ مكانه لفعلت الشيء نفسه.
لا يجب أن أقسو عليه كثيراً.
لقد شعرتُ بهذا من قبل، هو يعتمد عليَّ بشكل مريب… أو ربما بشكل مباشر؟
على أي حال، بما أنه يميل للاعتماد عليَّ، فغضبي المستمر قد يجرحه.
“ليدون. أنا بخير حقاً. سأرتاح قليلاً ثم نتحرك. أنا ممتنة لأنك تفكر بي، لكن عليك الاهتمام بحالتك الجسدية أيضاً.”
“لكن…”
“الوضع صعب كما ترى. عليك ادخار قوتك. بما أننا كلانا جرحى، يجب أن يكون أحدنا أكثر سلامة من الآخر. تفهم ما أعنيه، صح؟”
“… فهمتُ يا اختي. لنسترح قليلاً ثم ننزل.”
في النهاية، اقتنع بكلامي وهدأ.
“على أي حال، شكراً لأنك جئت للبحث عني.”
“لا شكر على واجب. فليس لدي سوى اختي… أنتِ من جئتِ إليَّ أولاً. لذا…”
ابتلع بقية كلماته ولم أسمعها بوضوح، لكنني لم أسأله.
فعلتُ ذلك فقط لأرفع معنوياته بعد أن شعرتُ أنني قسوتُ عليه.
يجب أن أستخدم أسلوب “العصا والجزرة” بالتناوب، لكنني شعرتُ بالوخز لأنني لم أستخدم سوى العصا مؤخراً.
يجب أن أتحكم في طبعي الحاد هذا.
ربما بسبب ضيق الوضع والقلق المستمر، لم أجد مخرجاً سوى الغضب.
‘سأحاول ضبط نفسي أكثر في المرة القادمة’،
فكرتُ في ذلك وأنا مستندة عليه ومغمضة العينين.
بمساعدته، نزلتُ إلى الطابق الأول واستلقيتُ على الأريكة التي كان هو مستلقياً عليها قبل قليل.
في طريق العودة، جلبنا المزيد من الأدوية من العيادة وبدأ يعالج جروحي فور وصولنا لغرفة الإرشاد.
كنتُ أنوي فعل ذلك بنفسي، لكنه أصرَّ بشدة على أن يتولى الأمر، فاستسلمتُ وتركتُ له المهمة.
وبينما كنتُ أراقبه وهو يعالجني، تأكدتُ أن مهاراتي في التمريض كانت كارثية مقارنة به.
كان يضع الدواء ويقوم باللف والربط بمهارة واحترافية أثارت دهشتي؛ لا أدري أين تعلم هذا.
عندما سألتُه، قال إنها مرته الأولى، وأنه تعلم ذلك من كتاب قرأه في العيادة، فشعرتُ بلمحة من الخيانة.
‘أهذه هي ميزات شخصيات اللعبة؟ يكتسبون المهارات فوراً.’
وعندما وصل لعلاج يدي، اكتشف الخدوش التي سببتُها لنفسي بشظايا الزجاج، وبدأ يوبخني.
شعرتُ بالظلم ورددتُ عليه بضع كلمات، لكنه انفعل أكثر وبدأ يجادلني بقوة، لدرجة أنني اضطررتُ للصمت حتى أنهى العلاج.
بعد انتهاء العلاج، كنتُ أستريح على الأريكة عندما لمحوا المعطف المعلق على إطار النافذة.
‘بماذا كنتُ أفكر عندما فعلت ذلك؟’
الجو شتاء وبارد، وهذا المعطف الثقيل لن يجف بسرعة أبداً.
‘يا لي من غبية… بدلاً من أن يجف، سيتجمد.’
تنهدتُ داخلياً وحولتُ نظري إليه وهو يرتب الأدوية المتبقية.
لم يكن لدي ما أفعله سوى مراقبته بشرود، ويبدو أنني أطلتُ النظر، فالتفت إليَّ وتلاقت أعيننا، ثم ابتسم برقة.
“لماذا تنظرين هكذا؟”
“… لا شيء.”
شعرتُ بالحرج قليلاً وحولتُ نظري.
حينها وقعت عيني على حقيبة الطعام التي كانت سبب معاناتي.
رغم أنني جلبتُها، إلا أن شهيتي كانت منعدمة.
لكن لا يمكنني تركها تماماً… سآكل لاحقاً.
ولكن، ألا يجب أن يأكل هو أولاً؟
لقد تناول الدواء على معدة فارغة، وإذا أكل الآن، فربما يختلط الطعام بالدواء في معدته ويخفف من أثره؟
يبدو كلامي غير منطقي، ولكن…
“أخرج شيئاً من الحقيبة وكله. أنت لم تأكل شيئاً منذ الأمس. إذا نفد الطعام سنجلب غيره، لذا استعد قوتك أولاً.”
“اختي، أنتِ أيضاً لم تأكلي شيئاً منذ الأمس.”
“أنا ليس لدي شهية الآن. سآكل لاحقاً.”
“لكن…”
“لن نبقى محبوسين هنا للأبد، سآكل من أجل الغد على أي حال.”
لأنه غداً سيتعين عليَّ الركض طوال اليوم…
بالمناسبة، هل سأتمكن من الركض بهذه الساق؟
يجب أن أصلي لتشفى كاحلي بما يكفي للركض بحلول الغد.
“هذا صحيح. يجب أن نستعد من أجل الغد… فبمجرد الصمود غداً، سينتهي كل شيء.”
“أجل، علينا الصمود غداً بأي ثمن… هاه؟”
وافقتُه الرأي بتلقائية لأنه من الطبيعي أن نصمد غداً، لكنني فجأة أدركتُ شيئاً غريباً.
‘كيف عرف ذلك؟ هل يعقل أنه… قد أنهى هذه المرحلة من قبل؟ ولكن بالنظر إلى عودته، يبدو أنه لم ينتقل للمرحلة التالية؟’
حتى لو أنهى المرحلة، إذا لم ينتقل للتالية، تظل نقطة الحفظ كما هي ولا يتغير شيء.
هذا يعني أنه مات “بعد” إنهاء المرحلة…
“ذلك… اختي، أعني…”
“أوه، ما الأمر؟”
في هذه الأثناء، انتفض هو وبدا عليه الارتباك وبدأ يراقب رد فعلي بتوتر.
آه، هو أيضاً أدرك أنه زلَّ بلسانه… ولكن أنا أيضاً وافقتُه الرأي بشكل طبيعي جداً…
“….”
“….”
ساد صمت خانق بينما كان كل منا يراقب الآخر دون أن ينبس ببنت شفة.
أصبح الموقف محرجاً جداً.
لا يمكن لأي منا سؤال الآخر.
أنا أعلم أنه سيموت إذا قال الحقيقة.
ومن جانبه، لا بد أنه يحاول تجنب اللحظة التي تتبع فيها الأسئلة بعضها حتى يضطر للإجابة.
لذا كان من الأفضل التغاضي بذكاء… أو هكذا ظننت.
“اختي. كنتِ تعرفين.”
“… ماذا؟”
“أن هذه المرحلة ستنتهي بمجرد الصمود ليوم واحد.”
“…!”
لا، مستحيل…!
شعرتُ بذهول تام.
هل قالها هكذا علانية؟
لم أتوقع هذا أبداً، فلم أستطع التحكم في تعابير وجهي وأظهرتُ صدمتي بوضوح.
“كيف كنتِ تعرفين؟”
“….”
“كنتُ أتساءل منذ البداية. كيف تعرفين كل شيء.”
هل يعقل أن هذا الفتى لا يعرف بعد؟ لا يعرف أنه سيموت إذا كشف حقيقة عودته؟
هل لهذا السبب يتحدث هكذا؟
“في البداية، كنتُ مشتتاً جداً فلم أستطع السؤال. وبعد ذلك، بدوتِ وكأنكِ شخص آخر تماماً فلم أجرؤ على السؤال.”
“… ماذا تقصد بشخص آخر؟”
“كنتُ أنوي التغاضي عن الأمر هذه المرة أيضاً دون سؤال. ظننتُ أنكِ ستخبرينني يوماً ما… لكن إجابتكِ الآن جعلتني متأكداً.”
ماذا يعني هذا؟
هل يقصد بالتشتت في البداية عندما سحبتُه قسراً عند لقاء مجموعة الناجين؟ ولكن ما معنى “شخص آخر”…
“اختي. أنتِ تعرفين المستقبل، أليس كذلك؟”
نظرتُ إليه بوجه متصلب تماماً.
لم أستطع الضحك وتجاوز الأمر وكأنه هراء.
لم أتخيل أبداً أنه سيسأل هكذا مباشرة.
حقاً لم أتوقع ذلك.
لا، كنتُ أظن أنه قد يكتشف الأمر يوماً ما، لكن ليس بهذه السرعة.
هل كنتُ سيئة في التمثيل لهذه الدرجة؟
لا، بل هو ذلك الخطأ الغبي الذي ارتكبتُه…
“أجيبي، اختي.”
“….”
“… صمتكِ يعني الإيجاب. إذاً، لماذا لم تسألينني؟ كيف أعرف أن المرحلة ستنتهي بعد يوم واحد؟”
كنتُ في حالة ارتباك شديد.
كيف أجيب على هذا… بينما كنتُ أحاول يائسة اختيار الكلمات المناسبة التي يمكنني قولها له، لم يغفل هو عن مراقبة رد فعلي واستمر في الضغط عليَّ.
“هل تجنبكِ للسؤال نابع من معرفتكِ بي أيضاً؟ لأنكِ تعرفين ماذا سيحدث لي إذا أجبتُ على هذا السؤال؟”
يا للهول، هذا جنون.
في تلك اللحظة، اقشعر بدني بالكامل.
لقد كان يعرف. هو أيضاً كان يعرف.
‘ما خطبه حقاً…’
بدأتُ أشعر بالخوف منه. ما هي الإجابة التي يريد
سماعها بسؤاله هذا؟
في هذه المرحلة، كان الأمر وكأنه يعرف كل شيء بالفعل.
“اختي.”
لم أعد أحتمل النظر في عينيه فخفضتُ رأسي، لكنه اقترب وأمسك بوجنتيَّ برقة، ثم رفع ذقني ليجبرني على النظر في عينيه.
“لا تتهربي، وأجيبي.”
“آه، لا… أعني… انتظر لحظة.”
أمسكتُ بمعصمه لأبعد يده، لكنه زاد من قوة قبضته التي تحيط بوجهي.
“اختي. من أنتِ حقاً؟ وكيف تعرفين المستقبل؟”
****
< انتهى الفصل >
• شكرا على حسن المتابعة •
يتبع …
°
°
التعليقات لهذا الفصل " 10"