بعد تعليمها القراءة و الكتابة ، رفعت جاكلين يدها عن الأمر قائلة إن مستواها لا يسمح لها بتقديم المزيد ؛ و بدلاً من ذلك ، اقترحت على السيدة الكبرى السماح لـإليكا بدخول مكتبة القصر بحرية.
في تلك المكتبة التي تزورها لأول مرة في حياتها ، قفزت إليكا من شدة الفرح. بدأت بالكتب التعليمية الأساسية التي رشحتها جاكلين ، و في غضون أيام قليلة ، شرعت في قراءة الكتب الأكاديمية المعقدة.
كانت تتمنى الحصول على مساعدة في الأجزاء الصعبة ، لكن جاكلين لم تكن تملك المعرفة الكافية لذلك.
حاولت إليكا تعليق بعض الأمل على الدوق ، لكنه بدلاً من مساعدتها في القراءة ، كان لا يزال يطلب منها كتابة مذكرات تافهة لتريها إياه ، رغم أنها أصبحت قادرة على كتابة نصوص أكثر تعقيدًا ؛ و بما أنه لم يعد هناك أخطاء إملائية لينتقده ا، كان يكتفي بنظرة سريعة ثم يقول لها ‘انصرفي’.
‘من المفترض أن تبدأ المدرسة في الخريف ، و تحتاج إلى معلم حقيقي حتى ذلك الحين’
أن يُعين معلم خصوصي لمجرد خادمة ؛ كان اقتراحًا جنونيًا ، لكن جاكلين وثقت في كرم السيدة الكبرى و طرحت الأمر.
“المسؤول هو الدوق. هو من يقرر”
تهربت السيدة الكبرى من الإجابة ، لكن جاكلين لم تستسلم: “معذرةً يا سيدتي ، لكن جلالة الدوق لا يبدو راضيًا حتى عن قراءة إليكا للكتب الأكاديمية”
في النهاية ، تنهدت السيدة العجوز: “كنتُ أنوي عدم التدخل قدر الإمكان ، و لكن …”
* * *
“… معلم خصوصي؟”
رفع كارون حاجبيه مستنكرًا.
“هذا مبالغ فيه لطفلة ليست من النبلاء. ثم إننا قررنا إرسالها للمدرسة في الخريف على أي حال”
في الحقيقة ، كان يحذر من تعلم إليكا للكثير من الأشياء.
وحده أمين المكتبة ، الذي أُمر بالكتمان الشديد ، كان يعرف أن الكتب الأكاديمية بدأت تختفي من مكتبة القصر ليحل محلها روايات خفيفة بأمر من الدوق.
“هل تنوي ترك طفلة متعطشة للتعلم تضيع موهبتها في قراءة روايات تافهة؟”
كانت السيدة العجوز ثاقبة النظر أيضًا.
“إن كان تعيين معلم لا يعجبك ، فلماذا لا تعلمها بنفسك؟ أنت الراعي لها و لم تهتم بأمرها جيدًا. إذا استمررت هكذا ، فسأحول أوراق رعايتها إلى اسمي الآن”
“…….”
رغم أنه أصبح دوقًا في سن صغيرة و يقود الملايين ، إلا أنه كان يقف عاجزًا أمام جدته ؛ حتى و هو يحمل في داخله روح بطل في الثالثة و الثلاثين من عمره و ليس مجرد فتى في الثامنة عشرة.
“… حسنًا ، فهمت”
أجاب على مضض: “لكنني سأختار المعلم بنفسي ، فكما قلتِ ، أنا الراعي لها”
* * *
في بعد ظهر يوم خامل ، دخلت عربة إلى قصر بلانش.
نزلت من العربة سيدة ذات شعر رمادي و عينين سوداوين.
تبعت كبير الخدم إلى غرفة الاستقبال حيث كان في استقبالها كارون و الخدم و إليكا.
“لقد عانيتِ في الطريق الطويل ، آنسة إيزانتين”
ابتسم هايلر ، المتنكر في زي امرأة ، و هو يحاول كبح رغبته في لكم كارون على فكه.
“لا عليك ، إنه لشرف لي أن تدعوني ، جلالة الدوق”
‘أن تجعلني أفعل شيئًا كهذا ، لن أفلتك’
تجاهل كارون رسالة هايلر السحرية و أومأ برأسه نحو إليكا.
“هذه هي إليكا”
“مرحبًا يا معلمتي. أرجو أن تهتمي بي!”
بفضل ‘تدريب الإتيكيت المكثف’ من جاكلين ، أصبحت إليكا تجيد التحية ببراعة ، و إن كانت قد خفضت رأسها بسرعة بوجه محمر بمجرد أن قالت لها إيزانتين: “يسرني لقاؤكِ ، يا لكِ من آنسة جميلة!”.
* * *
سمح كارون لـإليكا بالدراسة فقط بعد انتهائها من عملها كخادمة.
‘يريد تقليص وقت دراستها قدر الإمكان. هذا واضح’
لكن هايلر عرف بمجرد تعليمها أن إليكا تتطور بسرعة خيالية مهما حاول كارون عرقلتها. سيصاب كارون بالذهول لو عرف ، لكن هايلر شعر بالفضول بدلاً من الحذر.
‘أنا متشوق لرؤية كيف ستكبر هذه الطفلة’
“معلمتي ، في الحقيقة هناك شيء يؤلمني”
قالت إليكا ذلك بينما كانا ينهيان الدرس. لم يمر نصف يوم على تعارفهما و طلبت استشارته ؛ أدرك هايلر أنها طفلة تفتح قلبها بسرعة لأي لطف بسيط.
“تحدثي يا ابنتي”
“الأمر هو … كلما تعلمتُ شيئًا ، أدرك أكثر فأكثر أن ما فعله والدي بي كان شرًا …”
خفضت إليكا رأسها.
“هل تشعرين بالاستياء تجاه والدكِ؟”
“هناك شيء من ذلك ، لكن السبب الحقيقي لألمي هو … أنني لا أزال أشعر بأن تلك الأمور كانت عادية”
في حياته السابقة ، جمع هايلر معلومات عن إليك” كزميل لـديبيان ؛ لذا كان يعرف أن هناك نقصًا كبيرًا في شخصيتها ، و هو نوع لا يمكن إصلاحه بمجرد التوجيه.
“أنا لا أريد أن أتعرض لذلك مجددًا ، و أعرف أنه لا يجب فعل ذلك بالآخرين. لكنني لا أشعر بألم في قلبي ، سواء حدث ذلك لي أو لغيري”
نظرت الطفلة إلى معلمتها و هي تعبث بالقلم: “هل لأنني اعتدتُ الأمر ، أم لأنني طفلة سيئة؟”
لو عرف كارون بطبيعة الطفلة هذه لاقشعر بدنه ، و لقال إنها ‘بذرة شيطان’ بالتأكيد.
“… لا داعي لأن تشعري بالألم بالضرورة. هناك من يجيد الشعور بالقلب ، و هناك من يجيد الفهم بالعقل. لا يوجد جانب أفضل من الآخر، إنه مجرد اختلاف”
مسح على شعرها من الخلف. قد يراها كارون شريرة ، لكن في عيني هايلر كانت مجرد طفلة تشبه أخته الراحلة.
“بما أنكِ تملكين عقلاً فذًا ، يمكنكِ تعويض نقص المشاعر به. و من يدري ، ربما مشاعركِ ليست ناقصة بل مخفية فحسب ، كجبل جليد في بحر بارد”
نظرت إليكا إلى هايلر بعينين لامعتين رغم تأخر الوقت.
“إذن ، هل تقصدين أنني لستُ طفلة سيئة؟”
“بالتأكيد”
“إذن ، إذن …”
أخرجت الطفلة أخيرًا السؤال الذي كانت تود طرحه حقًا: “هل يعني هذا أن جلالة الدوق لا يكرهني؟”
* * *
بما أن كارون طلب استلام مذكرات إليكا عن طريق ‘المعلمة’ ، فقد توجه هايلر إلى مكتب صديقه بعد الدرس و هو يحمل الورقة.
“ألا تريد حتى رؤيتها بنفسك؟ يا لك من قاسٍ. لدرجة أن الطفلة سألتني إن كنت تكرهها”
تحدث هايلر و هو لا يزال بهيئة إيزانتين.
“و ماذا قلتَ لها؟”
رد كارون بلا مبالاة و هو يقرأ ما كتبته إليكا. لقد كتبت بالتفصيل الممل عما فعلته منذ الصباح و من قابلت.
“قلتُ لها إنني لا أستطيع التحدث نيابة عن مشاعر الآخرين”
“كان يمكنك إخبارها بأنني أكرهها”
“أعرف أن ما حدث بينكما يجعل من الصعب عليك معاملتها بلين ، لكن لا تكن باردًا جدًا …”
“ليس بسبب ما فعلتُه أنا ، بل بسبب ما فعلتْه هي”
“حسنًا ، لنقل ذلك أيضًا”
أدرك هايلر التناقض في كلام صديقه لكنه لم يعلق.
“بالمناسبة ، ماذا فعلتَ لهذه الطفلة لتكتب أنها تحبك؟”
سأل كارون و هو يشير إلى نهاية الورقة ، حيث كتبت: ‘أنا أحب المعلمة إيزانتين حقًا’
“لقد كتبت أنها تحب المعلمة ‘إيزانتين’ الرائعة ، و ليس أنا”
حاول هايلر المراوغة ، لكن أمام نظرات كارون الحادة أضاف بسرعة: “أنا … أنا فقط عاملتها بلطف كمعلمة. يبدو أنها من النوع الذي ينجذب فورًا لأي لطف بسيط”
“ينجذب؟”
“نعم ، كما هو الحال عادة مع الأطفال الذين لم يتلقوا الحب”
“…….”
شعر كارون بضيق في صدره دون سبب واضح.
“هل أنت … غيور؟ لأنني مفضّل لديها؟”
ضحك هايلر بخبث ، لكنه صمت فورًا عندما رأى نظرة كارون التي كادت تلتهمه.
“أنا … أنا أمزح فقط. على أي حال ، لقد تأخر الوقت ، سأرحل …”
اختفى هايلر بسرعة و هو يختلس النظر إلى وجه كارون الغاضب.
* * *
في زاوية من شجيرات الزهور لا تُرى من الطريق ، كانت القراءة في وقت الفراغ بعد الغداء بمثابة واحة لـإليكا.
كانت ماري تتبعها دائمًا بتذمر ، لتقرأ رواية رومانسية بجانبها ثم تغط في النوم.
بينما تحيط بها الزهور و تغمرها أشعة الشمس ، و صديقتها نائمة بجانبها ، كانت إليكا تتمنى فقط أن تستمر هذه اللحظات.
‘ألا تعرف أن هذا المكان يظهر بوضوح من مكتبي؟’
فكر كارون و هو ينظر إليها من النافذة.
‘… إنه أمر مزعج’
و بينما كان يهم بإغلاق الستائر ليمحيها من رؤيته ، رأى فتى يقترب منها.
* * *
“إليكا ، لدي ما أقوله لكِ”
كان هوبرت ليفريد ، فتى في الخامسة عشرة بشعر أحمر و عينين زرقاوين و بنية قوية ؛ و هو أصغر فارس في عائلة الدوق ، ينتمي لعائلة جيدة وموهوب.
“نعم أيها الفارس ، ماذا هناك؟”
عندما رفعت عينيها الأرجوانيتين لتبحث في وجهه ، احمرت وجنتا الفتى قليلاً.
“ليس هنا ، هل يمكنكِ المجيء معي قليلاً؟ أريد التحدث إليكِ على انفراد …”
‘يبدو أمرًا مهمًا. لكن لا أريد ترك ماري نائمة وحدها’
و بينما كانت تهم بالحديث —
“أيها الفارس ، جلالة الدوق يستدعيك”
اقترب كبير الخدم.
“… سيدنا؟ يستدعيني أنا؟”
“نعم ، يطلب حضورك في المكتب فورًا”
استغرب هوبرت سبب استدعاء الدوق لفارس مبتدئ مثله وسط كل هؤلاء التابعين ، لكنه لم يملك إلا الامتثال للأمر ، فغادر و هو يلتفت نحو إليكا بأسف.
“و أنتما —”
التفت كبير الخدم نحو إليكا و ماري التي كانت تفرك عينيها و هي تستيقظ.
“هل فقدتما عقلكما لتتسكعا في حديقة السيد؟ ألا تعرفان أن هذا المكان يظهر مباشرة من مكتب جلالته في الطابق الثالث؟”
“ماذا؟ المكتب؟”
نظرت عينا إليكا فورًا نحو الطابق الثالث ؛ فرأت طرف ستارة يُسحب بسرعة خلف النافذة الزجاجية.
‘… جلالة الدوق؟’
سواء كان خيالاً أم حقيقة ، تراءى لها طيف عينين زرقاوين صافيتين كالبحيرة خلف المخمل الأحمر.
التعليقات لهذا الفصل " 10"