الفصل 6
كان الوقت قد تجاوز الفجر بقليل، وما زالت أحداث الأمس تُلقي بظلها عليّ.
قالت كاميلا بحذر، كأنها تخشى أن تجرحني بكلماتها:
“حتى لو كان اللورد إلياس يعرف جلالتك قبل حفل البلوغ… فهو الآن لا يعرفك إلا على أنك كلوي إيفرغرين. وضعي مختلف عنك.”
“ماذا…؟”
أي أنّ اكتشافه للأمر سيُعتبر ضدي.
بمعنى آخر، معاملة إلياس لي كـ”أميرة” تبخرت تمامًا.
لا…! راح نومي وراح وقت راحتي!
أحسست بالدموع تلمع في عيني.
حتى إلياس لا يمكنه أن يساعدني في حفل بلوغي؟
“لقد كان الأمر مقصودًا، أليس كذلك؟”
لم تجب كاميلا. فالمقصود كان أخي… ولي عهد الإمبراطورية.
لكنني لم أكن بحاجة لإجابتها أصلًا.
ركلت الأرض متذمرة:
“إنه بالتأكيد قصد ذلك! لا يمكن أن يكون جهل بأن يخبر إلياس مسبقًا.”
أعضضت شفتي.
كنت أرغب في سحب كل كلمات الشكر التي قلتها عندما أرسل إليّ كاميلا لمساعدتي.
قالت كاميلا بتردد:
“في الواقع… كان هناك رسالة من ولي العهد.”
“ماذا قال؟”
توقعت أنها ستكون سخرية جديدة. لكنني سأسمع على أي حال.
عندها خفّضت كاميلا صوتها وهي تقلّد نبرة أخي الجادة:
“اللورد إلياس رجل متمسك بالمبادئ، ولن يسهّل شيئًا في حفل البلوغ. لذا من الأفضل أن يجهل الأمر كي تقلّ العقوبات.”
فوجئت أن الرسالة هذه المرة منطقية تمامًا.
وفي ذهني ارتسم مشهد إلياس بوجهه البارد المعتاد يقول: مهما كان الحفل مهمة، فأنتِ الآن فارسة متدربة وعليكِ الالتزام بالتدريب.
كان المشهد حيًا لدرجة أزعجتني.
“صحيح… هذا منطقي.”
شعرت أن غضبي من أخي بدأ يخفت.
التفت إلى كاميلا بدلال:
“الحمد لله أنكِ بجانبي.”
ابتسمت بحنان وربتت على كتفي:
“وأنا سعيدة أن أكون قريبة من جلالتك ولو بهذه الطريقة.”
كتمت أنفاسي كي لا أبدأ بالتذمر أمامها. أنا الآن راشدة، عليّ أن أتماسك.
خفضت صوتي وسألتها:
“إلياس سيأتي قريبًا، أليس كذلك؟”
أجابت كاميلا بنفس الخفوت:
“ربما بعد عشر دقائق.”
عشر دقائق… وقت قصير لكنه كافٍ إن استُخدم بذكاء. قررت أن أستغلّه لاستخلاص المعلومات.
“لكن كيف عرف أخي بهذه الأمور أصلًا؟”
فكرت قليلًا. أنا وأخي وأختي بيننا فارق عمر كبير. لم أتذكر تفاصيل حفلات بلوغهما. أختي بكت يومها لأنها ستفترق عن العائلة، أما حفلة أخي قبل عام واحد فقط… لم يبقَ منها أي أثر في ذاكرتي. غريب.
ضحكت كاميلا بحرج وقالت:
“لقد سمعت أن ولي العهد سحب بطاقة الأمير في الحفل.”
بطاقات الحفل هي التي تحدد أدوار المشاركين.
“ماذا؟! يعني لم يؤدِّ الحفل أصلًا؟”
سألتُ بغيظ، فحاولت كاميلا تلطيف الأمر:
“لأنه أمير وليست مكانته كولي عهد… لم يستطع ممارسة مهام ولاية العهد لمدة عام.”
“وما الفرق؟!”
فهو الابن الأكبر والوريث الشرعي مهما كان، فالنظام يعتمد على أولوية البكر.
باختصار، كل ما جناه هو عام من الراحة.
تبا… وأنا هنا أموت من آلام العضلات منذ ثمانية أيام كفارس متدربة!
كدت أبكي حسرة: ليتني سحبت بطاقة الأميرة بدل هذه الورطة.
رأت كاميلا وجهي يزداد بؤسًا فارتبكت وقالت:
“سأبذل قصارى جهدي لدعمك…”
ليس سيئًا أن أتمسك بخط مساعد القائد بدل القائد نفسه.
ابتسمت في داخلي رغم أنني أبقيت ملامحي حزينة.
مددت يدي إليها فجأة:
“حقًا؟”
تنهّدت وهي ترى وجهي يتحوّل بسرعة كالسماء بعد المطر، ثم ابتسمت مجبرة.
وفجأة سُمع صوت فتح باب مكتب القائد.
أشارت لي كاميلا أن أنهض فورًا.
يا ويلِي! كنت جالسة على الأريكة بلا مبالاة بينما القائد نفسه يدخل!
قفزت واقفة بسرعة:
“مرحبًا، اللورد إلياس!”
لحسن الحظ لم يُعر موقفي اهتمامًا. بالكاد نظر إليّ.
“سعيدة بلقائك، ليدي كاميلا. مضى وقت طويل.”
ابتسمت كاميلا وردّت التحية، وبدأ الاثنان يتحدثان عن عملي كمتدربة وكأنني غير موجودة.
سُئل إلياس عن وضعي فأجاب بجفاف:
“لهذا السبب ستتولى بعض الأعمال بعد التدريب لشهر كامل.”
نظرت كاميلا إليّ بقلق وتمعنت بجسدي لتتأكد أنني بخير. ابتسمتُ لها كي أُطمئنها، لكن قلقها لم يزُل.
وأخيرًا قالت بابتسامة مثالية:
“سيدي القائد، هل لي أن أنضم للتدريب ابتداءً من الغد؟”
لم يبدُ أن إلياس قد شعر بتلك الأجواء الغريبة، فأجاب بهدوء عاد
ي:
“كما تشائين.”
ماذا… ماذا تنوين أن تفعلي؟
كنت أعرف جيدًا ذلك الابتسام الزائف على وجه كاميلا.
لقد كان نذير شؤم حقيقي.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"