الفصل 5
كان والداي يمنحاني الحرية في الغالب؛ أن أفعل ما أريد، وأمتنع عن ما لا أرغب فيه.
وتعلمي المبارزة مباشرة على يد قائد الحرس لم يكن سوى جزء من تلك الحرية.
لكن لو لم تكن لديّ ميول كبيرة للدراسة—فقد كنت أميرة.
وهذا يعني أن إعداد ميزانية وقائمة خطط عام كامل لقصر إقامتي كان من مهامي أنا وحدي.
وبفضل تلك التجربة، استطعت فورًا أن أُدرك أن ميزانية شراء مستلزمات التدفئة المخصصة للفيلق كانت غير كافية إطلاقًا، وأنه يجب التقدم بطلب لزيادة الميزانية، كما أن برنامج التدريب الميداني يجب أن يُعاد ترتيبه بسرعة.
«وفوق ذلك، هناك تقارير شهرية يجب تقديمها؟»
بوضوح، لم يكن هذا حجم عمل يمكن لإلياس أن ينجزه وحده.
«إنه بحاجة إلى نائب، وبشكل عاجل.»
وإن لم يكن حوله من يصلح، فهناك حلول أخرى:
الخيار الأول: إبقاء نائب القائد السابق في منصبه.
«هذا سيكون الأكثر أمانًا.»
فكما قال السير هوغو، إلياس لن يمكث طويلًا في الفيلق العاشر، وسيرتقي سريعًا. وفي تلك الحال، فإن نائبًا مخضرمًا يعرف خبايا العمل سيكون خيارًا ممتازًا… لو كان بالفعل كفؤًا.
«لكن هذا الرجل لم يكن نائبًا بارعًا أصلًا.»
فكرت وأنا أتصفح أوراق تسليم المهام المهملة بلا عناية.
إلياس أصبح قائدًا الآن. صحيح أنه كان فارسًا بارعًا في ساحة المعركة، لكن الإدارة تختلف تمامًا عن القتال.
لذلك كان بحاجة إلى شخص كفء يقف بجانبه بدقة وحذر.
وهكذا، لم يكن الخيار الأول مثاليًا.
الخيار الثاني: أن يرشح له شقيقي الأكبر، ولي العهد.
فالجميع يعلم أن إلياس كان اليد اليمنى لشقيقي إستيان.
ومهما كان فضل إلياس في صد هجمات مملكة كارساز المتكررة، فإن ترقيته السريعة وهو بلا خلفية عائلية لم تكن إلا برهانًا على ثقة أخي فيه.
لكن… أينما وُجدت ثقة السلطة، وُجد معها الحسد.
ولو بدا أن حتى اختياره للنائب جاء بتدخل من أخي، فلن يُساعده ذلك في تثبيت مكانته.
مع ذلك، لم أصدق أن شقيقي الذي يعرف إلياس منذ زمن، لم يتوقع هذه العقبات مسبقًا.
«إن رشحه هو، فبالتأكيد سيكون النائب بارعًا.»
من وجهة نظري، الخيار الثاني كان الأفضل، لكنني قررت ألا أتدخل، بل أنتظر حتى يستشعر إلياس بنفسه الحاجة إلى نائب، وعندها سألمّح له بالأمر.
«عندما يتخبط لاحقًا سأُسدي له النصيحة… لن أفرضها الآن.»
فشخصيته تغيّرت كثيرًا في السنوات الأخيرة، ولم تعجبني، لذا لم أرَ داعيًا لإبداء معروف لم يطلبه.
وفوق ذلك، هو بنفسه قال إنه لا يحتاج.
***
اليوم التالي
بسبب تأخري في النوم جرّاء مساعدتي لإلياس، كنت متعبة أكثر من المعتاد.
“هناك! انتبهوا أكثر!”
صرخ السير روبرت، الفارس المسؤول عن تدريب المجندين في الفيلق العاشر.
فارتجف المتدربون، الذين كانوا قد استنزفوا طاقتهم وصاروا يتظاهرون بالتدريب لا أكثر.
وبعينين حادتين، راقبهم السير روبرت قبل أن يهتف باسمي:
“كلوي إيفرغرين!”
“ن-نعم، سيدي!”
كنت أضرب الدمية الخشبية بضربة رأسية متكررة كمن يُدلّكها، فارتبكت وأجبت فورًا.
“من لا ينتهي خلال خمس عشرة دقيقة بعد تلك الفتاة، فسيُعاقَب بتدريب ليلي خاص!”
فالتفتت إليّ نظرات رفاقي المليئة بالرجاء واليأس معًا، وكأنهم يتوسلون أن أبطئ.
لكن السير روبرت لم يُمهلني:
“وإن تماديتِ بالتهاون، فستكونين معهم في التدريب الليلي.”
اقترب مني كمن يترصّد، فزممت شفتي وركزت بكل طاقتي.
بعدها لم أعد أسمع لهاث الآخرين.
لم أرَ إلا السيف، والدمية، وأنا.
وبعرق يتصبب كالمطر، أنهيت أربعة آلاف ضربة رأسية، وهي مهمة التدريب الصباحية، ثم جلست أرضًا منهكة.
ومع عودتي لالتقاط أنفاسي، بدأت الأفكار العبثية تتسلل:
«أمس كانت ألفي ضربة أفقية… اليوم أربعة آلاف رأسية… فغدًا هل سيجعلوننا نؤدي ثمانية آلاف ضربة قطرية؟»
مجرد التفكير جعلني أقشعر رعبًا.
وقبل أن يكتمل كابوسي، كان رفاقي واحدًا تلو الآخر يُنهي تدريبه ويجلس.
وأثناء استراحة قصيرة، لفت نظري وجه مألوف في الممر الجانبي لساحة التدريب.
«كاميلا؟ ما الذي تفعل هنا؟»
لم يكن هناك مجال للخطأ.
فكاميلا لم تكن مجرد صديقتي، بل حارستي الشخصية أيضًا.
ولما التقت أعيننا، أومأت لي بجفنها في إشارة سريعة، ثم مضت في طريقها.
«إنها تتجه نحو مكتب القائد…»
لم أُطل النظر، إذ انتهى آخر المتدربين من ضرباته، وأُعلنت نهاية الاستراحة.
***
بعد أن أنهيت التدريب المسائي، توجهت إلى مكتب القائد لأؤدي واجبي في “مساعدة إلياس” كجزء من العقوبة.
ولأن سمعته في اليومين الأولين قد ترسخت بأنه “شاب صغير لكن مهيب ويصعب التعامل معه”، فقد لاحقتني نظرات الشفقة من خلفي.
فتعمدت أن أظهر وجهًا أكثر بؤسًا حين دخلت المكتب.
لكن من استقبلني لم يكن إلياس… بل كاميلا.
“مولاتي الأميرة!”
فتحت ذراعيها وعانقتني بفرح.
“كاميلا!”
كاد قلبي يتوقف، فأسرعت أنظر إلى السوار الذي بيدي… ما زال أزرقًا.
ابتسمت كاميلا بمكر طفولي وقد نجحت في خدعتي.
“قابلتُ سمو ولي العهد قبل قدومي. وقد أخبرني أن قاعدة الطقوس في حفل البلوغ لا تُطبّق على من يعرفون بعضهم مسبقًا.”
“لماذا لم تقولي ذلك من قبل؟”
زممت شفتي بغيظ، فأشفقت هي وظنّت أنها أفزعتني أكثر مما ينبغي.
“أعتذر.”
قالتها وهي تُحرك أنفها بخفة.
“لا بأس.”
فالمعلومة الثمينة جعلتني أتجاوز مزحتها.
«هل كان أبي وأخي يعرفان هذا، وأرسلا إلياس إلى الفيلق العاشر ليسهّلاني عليّ اجتياز الحفل؟ يا له من لطف سماوي…»
«إذن عليّ أن أطلب من إلياس أن يُعفيني من نصف التدريب!»
ضحكت في سرّي، ورفعت رأسي بسعادة قبل أن أسألها:
“لكن… هل جئتِ فقط لتخبريَني بذلك؟”
ابتسمت بخفة، ثم جديّت ملامحها فجأة، ووقفت مستقيمة كأنها تتلقى أمرًا عسكريًا:
“لقد صدر إليّ أمر بخدمة الفيلق العاشر بصفة نائب القائد المؤقتة، ريثما تغيب سمو الأميرة فيوليتا!”
كانت الآن كاميلا الحارسة المخلصة، لا الصديقة المشاكسة.
وفعلًا، لم يكن هناك أفضل منها كنائب لإلياس: فهي ابنة دوق فالتاريون، صديقتي المقربة، خبيرة في شؤون القصر، وتجيد الإدارة.
صحيح أن شخصيتها الحيوية قد لا تتماشى مع جدية إلياس المفرطة، لكن ذلك كان تفصيلًا ثانويًا.
ابتسمتُ وأنا أفكر بمن خطط لهذا.
“أأخي؟ أم أختي؟”
“إنه ولي العهد.”
كشفت كاميلا الجواب، فأرسلتُ في سري تحية امتنان لأخي.
“وأين إلياس؟”
سألت بعينين لامعتين، وقد امتلأت طموحًا لتفاوضه على تقليص التدريبات.
لكنها أجابت بهدوء:
“لقد استدعاه ولي العهد.”
“ولماذا الآن بالذات…”
تذمرت بخفوت.
لكني لم أملك أن ألوم سوى أخي.
“سأنتظر إذًا.”
جلست بتكاسل على الأريكة، ثم نظرت إلى كاميلا.
“اجلسي، لنتحدث قليلًا حتى يعود.”
لكن على غير عادتها، أبدت كاميلا وجهًا مرتبكًا وفتحت فمها بحذر قائلة:
“الأمر أنّ وقت عودة اللورد إلياس قد اقترب… ولو اكتشف الأمر فستصبح الأمور معقدة…”
نحن لسنا على علاقة سرية، فلماذا ستتعقد الأمور؟
لم أفهم
سوى نصف معنى كلام كاميلا.
بما أنّه لا يُعرف متى سيعود إلياس، فعليّ أن أتصرف وكأنني “كلوي إيفرغرين”.
لكن… لماذا؟
“أليس إلياس يعلم أنني الأميرة؟”
هنا، حكّت كاميلا ذقنها وشرحت لي الثغرة.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"