الفصل 35
بعد أن أنهينا قراءة دليل وحوش الشمال حتى آخر صفحة، ابتعد كلٌّ منّا بخفة دون أن يحتاج الأمر إلى كلام.
نظرة واحدة كانت كافية لنتفاهم بصمت، ثم انغمس كلٌّ منّا في تدريبه الخاص.
بعد تدريبٍ عنيفٍ أغرق أجسادنا عرقًا، بدأت الأفكار المشتتة أخيرًا تتلاشى.
كان شعورًا غريبًا لم أختبره من قبل.
***
الفرسان الذين كانوا مترنحين بسبب صداع الخمر بالأمس استعادوا حِدَّتهم المعتادة بعد يومٍ من الراحة.
أولئك الذين بدَوا كمرتزقةٍ مرحين على موائد الشراب، صاروا الآن فرسانًا مهيبين بزيّ المعركة.
(هاه؟ من ذاك الصغير؟)
بين الفرسان ذوي البنية الضخمة مقارنة بمتوسط الإمبراطورية، لاحت لي هيئة صغيرة مميزة.
كان هو النبيل الصغير — ابن الدوق.
ورغم أن سمعته لم تكن الأفضل مؤخرًا، إلا أنني لم أستطع كبح قلقي؛ فمشاركة طفل في حملة ضد الوحوش أمر محفوف بالخطر.
“سير هيوغو، هل يشارك السيد الصغير في الحملة أيضًا؟”
سألته هامسًا وأنا ألكزه بخفة في خاصرته.
فخفض صوته وأجابني بالطريقة ذاتها:
“آه، يبدو أنه بدأ يشارك هذا العام.”
كنت أرى أنه من الأفضل أن ينتظر أربع أو خمس سنوات على الأقل،
لكن عندما رأيت الفرسان الشماليين يحيطون به كطوقٍ من الحماية، شعرت ببعض الارتياح.
(إنه الوريث الوحيد… بالتأكيد سيحرصون على سلامته.)
والقوة الشمالية معروفة بأنها لا تُستهان.
“أرى…”
حوّلت نظري إلى الأمام، لكن في تلك اللحظة التقت عيناي بعينيه.
كان السيد الصغير متصنّع الوقار، يحاول الحفاظ على مظهرٍ نبيل أمام الآخرين،
لكن ما إن التقت نظراتنا حتى قطّب حاجبيه وأبدى انزعاجه الواضح.
بخلاف الأمس حين كان خائفًا بالكاد يجرؤ على النظر إليّ،
كان اليوم أكثر جرأة وكبرياء.
(يعني يريد أن يقول إن له حلفاء هنا، أليس كذلك؟)
ابتسمت له ابتسامةٍ واسعة دون أن أشيح بنظري.
حاول أن يثبت نظراته متحديًا، دون أن يرمش،
لكن بريق عينيه بدأ يرتجف.
(هاه، جبانٌ صغير.)
ومع ذلك، لم أرغب في إضاعة جهدي على طفلٍ يرتجف خوفًا.
فقط لو تجرأ مجددًا على التصرّف بوقاحة، فسأفكر بجدية في زيارة الدوق نفسه… لأتحدث معه حول “تربية الأبناء” — بصفتي فيوليتا طبعًا.
ازدادت ابتسامتي عمقًا كلما فكرت بالأمر.
أما السيد الصغير، فلم يدرك النوايا التي تخفيها تلك الابتسامة،
فأدار وجهه بسرعة بعد أن احمرّت أذناه بين خصلات شعره الأسود.
***
اليوم الحادي عشر منذ بدء حملة صيد الوحوش.
كان فرسان الشمال ذوي خبرةٍ كبيرة في قتال الوحوش،
أما فرسان الفيلق العاشر فهم نخبة القوة العسكرية للإمبراطورية.
لهذا سارت الحملة بسلاسةٍ دون حوادث تُذكر.
مقارنةً باليوم الأول حين كنا نصطدم بجماعات من الوحوش في كل طريقٍ نسلكه،
فقد تناقصت تلك المواجهات بوضوح الآن.
يبدو أننا لن نحتاج حتى إلى استكمال الأسبوعين الكاملين المخصصين للحملة.
وخاصةً الوحدة المنفصلة عن القوة الرئيسية — الفيلق العاشر ومعهم فرسان الشمال —
فقد برز فيهم إلياس بدورٍ لافت.
في عاصفة الثلج على قمم الجبال،
كان إلياس قادرًا على رصد “ذئاب الثلج البيضاء” رغم أن لون فرائها يطابق لون الجليد.
بفضل حواسه الحادة، قال بهدوء وهو يشير إلى الأمام:
“حوالي أربعمائة متر أمامنا… هناك قطيع من ذئاب الثلج البيضاء.”
حتى وأنا، بعيني المدربتين، لم أر شيئًا سوى امتدادٍ خالٍ من الثلوج المتطايرة.
لكننا جميعًا كنا نعلم أن كلام إلياس لا يُخطئ أبدًا.
خفض الفرسان أصواتهم إلى أدنى حد، متجنبين أي حركةٍ قد تُسمع،
إذ إن تلك الذئاب تمتلك سمعًا شديد الحساسية.
“كم عددهم؟”
سأل نائب قائد فرسان بلمونت بصوتٍ خافت.
“عشرون… لا، أكثر من ثلاثين.”
تجهم وجه النائب فورًا.
“نواجه قطيعًا كبيرًا هذه المرة.”
عادةً ما تتحرك ذئاب الثلج في جماعات من عشرٍ تقريبًا،
فأن نرى قطيعًا بهذا الحجم يعني على الأرجح أن بعض الفارين من حملات سابقة قد اجتمعوا معًا.
وإن كانوا قد نجوا من معاركٍ سابقة، فهم بلا شك أكثر مكرًا وخبرة.
بل والأخطر أنهم سيكونون في غاية التوتر،
وأي صوتٍ طفيفٍ قد يجعلهم يهربون ويستدعون باقي القطعان.
ذئاب الثلج البيضاء وحوشٌ يصعب التعامل معها حتى على الفرسان المتمرسين.
ولو تضاعف عددها فجأة إلى المئات، فسيكون علينا حينها توقع خسائر بشرية.
أي أننا لا نستطيع استخدام أساليب الإغراء القديمة — كإشعال الأعشاب المثيرة لغضب الوحوش.
قال إلياس بصوتٍ خافت:
“سنتقدّم بصمتٍ ونقضي عليهم دفعةً واحدة.”
فأجاب النائب بثقة:
“دعنا نتولّى المقدّمة هذه المرّة.”
كان من الطبيعي أن يكون فرسان الشمال أكثر خبرةً بالسير على الثلج دون أن يصدروا صوتًا،
مقارنةً بفرسان العاصمة الذين لا يرون الثلوج إلا نادرًا.
أشار إلياس بالموافقة.
تحرك النائب بيده، فانطلق الفرسان الشماليون بخطى خفيفةٍ صامتة،
كثعبانٍ يتلوّى بين الأشجار المغطاة بالثلوج.
اتبعهم فرسان الفيلق العاشر على نفس المسار بحذرٍ بالغ.
تقلّصت المسافة تدريجيًا من أربعمائة متر إلى مئةٍ فقط.
وفي خضم العاصفة الثلجية التي حجبت الرؤية،
بدأت ملامح القطيع تتضح شيئًا فشيئًا،
وازدادت معها توتر الفرسان.
كان عليهم إنهاء الأمر بسرعة، قبل أن تستدعي الذئابُ الأخرى تعزيزاتٍ وتجنّ جنونها.
لم يتبقَّ أمامهم سوى ثوانٍ معدودة.
في تلك اللحظات التي امتدت كالأبدية،
تصبّب العرق على ظهورهم رغم برودة الهواء.
رفعت سيفي ثم أنزلته ببطء، متقدمةً بخطواتٍ محسوبة.
لم يبقَ بيننا وبينهم سوى أقل من مئة متر.
وفجأة، نهض الذئب الأكبر — قائد القطيع — وكأنه استشعر خطرًا.
أصدر أنينًا خافتًا، تحذيرًا لبقية القطيع.
وبين لحظةٍ وأخرى، وقف الجميع على أقدامهم،
شدّوا عضلات أرجلهم الخلفية استعدادًا للهجوم أو الهرب.
(سيهاجمون… أم سيفرّون؟)
ساد صمتٌ قاتل.
ارتجف قلبي بعنف، والدم يغلي في عروقي.
حرارة القتال أزالت عني برد الجبل، والوقت بدا بطيئًا بشكلٍ غريب.
ثم، في اللحظة التي التقطت فيها أنفاسي،
دار القطيع وهرب!
رفع إلياس يده ثم أنزلها إشارةً متفقًا عليها مسبقًا.
في ومضة، قفز نحو الأمام،
وقطع رأس الذئب القائد بسيفه المغلّف بالأورا قبل أن يطلق عواءه.
تساقط الجسد العملاق ببطء، ولم يصدر منه سوى صرير الثلج تحت ثقله.
ارتبك القطيع بلا قائد،
وانقضّ الفرسان بهتافٍ صاخب:
“وااااااه!”
لم يكن كل الفرسان قادرين على اختراق جلد الوحوش السميك بضربةٍ واحدة كما فعل إلياس،
لكنهم جميعًا عرفوا طريقة القتال المثلى.
فحتى الفرسان الجدد من الفيلق العاشر كانوا قد تعلّموا الكثير خلال الأيام الماضية.
غرست سيفي المغلّف بالأورا في عنق ذئبٍ يحمل ندبةً على عينه، مستهدفةً حنجرته.
“كياااك!”
انسحبت بسرعةٍ إلى الخلف،
فأجهزت كاميلا عليه بقطع شريانه السباتي في لحظةٍ واحدة.
انتثر الدم الأزرق البارد على الثلج الناصع.
قاتلنا نحن والبقية أزواجًا، كل اثنين ضد ذئب.
من ثلاثين وحشًا، لم يتبقَّ سوى أربعة تقريبًا.
لكن أولئك الأربعة كانوا الأكثر حذرًا.
فقد أدركوا أن هدفنا الأساسي هو منعهم من إطلاق العواء لاستدعاء بقية القطعان،
فأصبحوا يتحركون بذكاءٍ، يحمون أعناقهم ويصدّون الهجمات.
جلودهم السميكة كانت درعًا طبيع
يًا يصعب اختراقه.
وفي النهاية، أطلق أحدهم عواءه المدوي:
“آووووووووووو!”
كان ذلك العواء الممزوج بالقوة السحرية يهزّ الجبال،
ويرتد صداه عبر الجليد…
لقد بدأ الجحيم الحقيقي.
التعليقات لهذا الفصل " 35"