الفصل 34
“صحيح. أنا في طريقي إلى ساحة التدريب.”
أجاب إلياس بابتسامة هادئة وهو يشعر ببعض الارتياح في داخله.
السبب الذي جعله يخلط بين كلوي والأميرة فيوليتا في الليلة الماضية كان صوتها.
كان يخشى أن يسمع صوتها مجددًا فيرتبك، لكن الآن بعدما سمعها بوضوح، أيقن أن الصوتين مختلفان.
> «حتى نبرة الصوت أخفض، وطريقتها في الكلام أكثر جمودًا…»
كان صوت فيوليتا الذي يعرفه أكثر نعومة وحيوية، بينما صوت كلوي فيه صرامة خفيفة ونغمة عملية.
أدرك عندها أن ما حدث بالأمس لم يكن سوى سوء إدراك لحظة عابرة.
“ساحة التدريب ليست متاحة الآن.”
“السبب؟”
“السيد الصغير يتدرب هناك.”
“كضيوف لا يليق أن نزعج مضيفنا.”
تراجع إلياس عن فكرة الذهاب دون تردد، فسمع خلفه تنهيدة خفيفة من كلوي.
التفت إليها ليرى مَن أصدرها، لكنها سرعان ما حولت نظرها وادعت اللامبالاة، رغم أنهما كانا وحدهما في الممر.
لم تبدُ له متصنعة، بل خجولة أكثر من أي شيء آخر.
ابتسم بخفة وتابع السير، ثم سمع خطواتها تلحق به.
“فلنذهب معًا!”
قالت وهي تسرع خطاها للحاق به، فخفف وتيرته قليلًا حتى صارت تسير على مقربة منه.
وبينما كان يمشي، لمح من زاوية عينه خصلات شعرها البني الدافئ تتماوج تحت ضوء الشمس الشمالية الباردة.
لونها بدا لينًا ودافئًا… كأنها وردة تذوب في الثلج.
وأراد أن يشيح ببصره، لكنه وجد نفسه يعود للنظر مرة أخرى دون وعي.
تسلل شعور غريب إلى راحتيه، وخدرٌ خفيف صعد من أطراف أصابعه إلى صدره.
قبض يده ثم بسطها ليتخلص من ذلك الإحساس، لكنه لم يفلح.
ولكسر الصمت الذي طال، سألها أخيرًا:
“هل جئتِ للتدريب؟”
بمجرد أن قالها، ندم.
غالبًا ما يشعر الفرسان بالتوتر أمامه، لكن كلوي أجابت بعفوية تامة:
“نعم، الوقت لا يمضي أبدًا هنا. الشمال ممل، لا شيء فيه للترفيه.”
كانت نبرتها ودودة، تشكو كأنها تتحدث مع صديق، لا قائدها الأعلى.
ذلك خفف عنه توتره دون أن يدري.
“توجد ساحة تدريب صغيرة أخرى، فلنذهب إلى هناك معًا.”
“أحبـ… أعني، نعم سيدي.”
كادت تقول “أحب” قبل أن تستدرك بسرعة، فرفع حاجبه بخفة وهو يخفي ابتسامة.
أمسك بذراعها برفق وهو يشير إلى الطريق الآخر.
“ليست من هذا الاتجاه.”
كانت لمسته طبيعية تمامًا، كما لو أنه يعرفها منذ زمن بعيد.
***
كانت الساحة خالية كما توقعا، مناسبة تمامًا لتدريب شخصين.
بدأ كلٌّ منهما بتمارين الإحماء وفحص سيفه.
سألها إلياس وهو يربط واقيات المعصم:
“هل لديكِ خبرة في قتال الوحوش؟”
“لا، هذه ستكون أول مرة.”
أجابته وهي تتفقد سيفها بتأمل.
فأمر أحد الخدم بإحضار «موسوعة وحوش الشمال» — مجلدين سميكين غُلفا بالجلد الأزرق.
“ها هي يا سيدي.”
فتح كلٌّ منهما مجلده وبدآ التصفح. كانت الرسوم دقيقة، تصف أنواع الوحوش من السهل إلى الأخطر.
كلوي قلبت الصفحات بخفة؛ كانت قد درست كثيرًا من هذا خلال تدريبها لتصبح «الآنسة كلوي إيفرغرين».
قال إلياس بعد أن ترك لها وقتًا كافيًا للقراءة:
“من الأفضل أن تحفظي الجزء الأخير قبل الغد، يخص الوحوش التي لا تعيش إلا في الشمال.”
“وحوش ذات طبيعة جليدية، أليس كذلك؟”
“نعم، صلبة الجلد وتتحمل البرد الشديد، والتعامل معها صعب.”
ثم بدأ يشرح لها بأسلوبه الهادئ الموزون، كيف تهاجم هذه الكائنات وأين تكمن نقاط ضعفها.
صوته العميق كان يحمل جاذبية غريبة، تجبرها على الإنصات.
لو كان أستاذ التاريخ في عالمي يتحدث بهذا الصوت، لكنتُ الأولى في صفّي!
فكرت كلوي بسخرية وهي تتابع معه القراءة من نفس الصفحة — دون أن تنتبه إلى أن المجلد الثاني تركته على المقعد.
حين اقتربا ليقرآ من نفس الكتاب، صار كتفها يلامس ذراعه تقريبًا، حتى شعرت بدفء جسده رغم برودة الجو.
وفي لحظة، لامست يدها جانب خصره دون قصد.
تصلّب جسده فجأة، واحتبست أنفاسه لبرهة.
انتبهت إلى المسافة بينهما — التي كانت تقريبًا لا شيء.
منذ متى اقتربنا هكذا؟
أسرعت بتعديل وضعها قليلًا، بينما هو أبقى صوته ثابتًا وقال بنبرة متماسكة:
“النوع الأخير هو «الوايفِرن الجليدي».”
كان واضحًا أنه يحاول التركيز على الشرح أكثر من أي شيء آخر.
“يُقال إن عددها قلّ بسبب الصيد المستمر، لكنها تتكاثر بسرعة. إن لم تُنظَّم حملات صيد دورية، سيتحول الشمال إلى خراب.”
رغم أنه لم يكن مريضًا مثلها، إلا أن صوته بدا أعمق، خافتًا أكثر من ذي قبل.
تابعت النظر إلى الكتاب دون أن ترفع رأسها، تقرأ بصمت بينما قلبها يخفق بخفة:
> “موطن الوايفرن الجليدي الأصلي هو أقصى الشمال، لكنه يعبر الحدود خلال موسم التزاوج ليضع بيضه في أراضي المملكة الشمالية…”
لكن لسببٍ ما، لم تستطع التركيز على أي كلمة بعدها
.
الهواء بينهما أصبح أثقل، والصفحة أمامها — رغم وضوح الحروف — بدت كأنها تذوب ببطء تحت دفء غامض لا تعرف مصدره.
التعليقات لهذا الفصل " 34"