الفصل 31
قالت كاميلا:
“يبدو أن الصوت قادم من الغرفة المقابلة. سمعتُ أن هذه الغرفة كانت سابقًا غرفة وريث العائلة وزوجته.”
عادةً ما تُبنى غرف نوم الأزواج في بيوت النبلاء بحيث يكون بين الغرفتين باب داخلي يصل بينهما.
لكن بعدما حُوّلت هذه الغرفة إلى غرفة ضيوف، سُدّ ذلك الباب، إلا أن الجدار الفاصل بقي أرقّ من الجدران العادية، لذا تسرب الصوت بسهولة.
“إذن إلياس في الغرفة المقابلة.”
على الأقل لم يكن مصدر الضوضاء فأرًا أو شيئًا مقززًا، وهذا مطمئن نوعًا ما.
ومع ذلك، فإن وجود إلياس في الغرفة المجاورة جعلني أشعر بانزعاجٍ غامض.
***
وكما توقعت، كان التحرك في اليوم التالي أكثر قسوة أضعافًا مضاعفة.
فقد كان علينا تعويض الوقت الضائع بسبب الحادثة السخيفة التي وقعت سابقًا.
الجميع أدرك أن الراحة التي نلناها في مقاطعة إلدنهار لم تكن سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة،
لذلك لم ينبس أحد ببنت شفة، وركضنا بلا توقف.
بفضل الأدوية الاحتياطية التي جرى تعزيزها مسبقًا، لم نحتج إلى أي علاج طارئ، ووصلنا بسلام إلى حدود الشمال.
لحسن الحظ، كان وقت وصولنا مقاربًا جدًا لأوقات باقي الفرق، ما جعلنا نشعر بالرضا عن الجهد المبذول.
وبعد استراحة قصيرة لتبديل المعاطف الثقيلة، تابعنا السير للحاق بالفرق التي سبقتنا ببضع ساعات فقط.
كانت المعاطف التي ارتديناها سميكة لدرجة أن الناس في العاصمة لا يرتدون مثلها حتى في منتصف الشتاء،
لكن برودة الشمال لم تكن كالبرودة المعتادة.
فمنذ لحظة عبورنا الحدود، بدا وكأن الهواء نفسه تحول إلى سكاكين صغيرة تلسع الوجه والأنف.
كانت الرياح الباردة تشق طريقها بين الخيول الهاربة كالسيوف الحادة،
ولم أعد أرى جيدًا من ضباب بخاري يتشكل على عدسات نظارتي مع كل نفس.
لكن منظر الثلوج البيضاء التي تتساقط بغزارة عوضني عن كل شعورٍ بالبرد أو التعب.
كانت السماء تمطر ندفًا ضخمة، حتى مددت يدي إلى الأعلى،فاستقرت إحداها فوق قفاز جلدي سميك، وبقيت متماسكة فترة أطول مما توقعت، قبل أن تذوب ببطء.
نظرت إليها بإعجابٍ لثوانٍ، ثم هممت بالعودة إلى الركض.
الآن صرنا نرى في الأفق قلعة دوق بيلمونت، حاكم الشمال.
كانت القلعة الرمادية المنحوتة من صخر الجبل الثلجي تختلف عن القصور المذهبة في العاصمة،
لم تكن فخمة لكنها شامخة، تقف بثباتٍ أمام العواصف وكأنها جزء من الجبل نفسه.
في السهل الثلجي أمام القلعة، كان موقع اجتماع الفرق الخمسة المشاركة في التدريب العسكري.
فرقة الفرسان السادسة وصلت قبلنا بقليل وكانت تعيد ترتيب صفوفها،
وحين انضمّت فرقتنا العاشرة إليهم، اكتمل العدد أخيرًا.
قال قائد الفرقة الثانية، وهو المسؤول العام عن التدريب:
“تقدّموا.”
فاستقامت الصفوف بسرعة، وتحركت الفرق الخمسة بخطى موحّدة نحو قلعة بيلمونت.
وعند وصولنا، استقبلتنا رايات القصر المطرّزة بشعار عائلة بيلمونت،
وعند نهاية الطريق وقف صبي في أواخر مراهقته مع حاشيةٍ من الخدم لاستقبالنا.
كان هو فريدريك بيلمونت، وريث الدوقية.
تقدم بخطواتٍ متزنة وقال:
“أهلًا بكم في الشمال. أنا فريدريك بيلمونت، وريث دوقية بيلمونت.”
كنت قد رأيت الدوق من قبل، أما هذا الصبي فكانت تلك أول مرة أراه فيها.
كان ذا شعرٍ أسود قاتم كليلٍ بلا قمر، وعينين زرقاوين حادتين،
تُظهران شيئًا من الحساسية والعناد الذي يميز مراهقي الطبقة الراقية.
لكنه تكلّم بأدب، يخفي حدته خلف لباقة متقنة.
قال:
“كان من المفترض أن يرحب والدي بكم شخصيًا،
لكن انهيارًا أرضيًا وقع في إحدى القرى القريبة، فاضطر للذهاب هناك بنفسه.
أرجو أن تتفهموا ذلك.”
انحنى بخفةٍ ليعتذر، فرد عليه قائد الفرقة الثانية قائلًا:
“نشكر لكم حسن الاستقبال رغم ما تمر به أراضيكم.
نرجو أن تسير التدريبات هذا العام على خير ما يرام.”
ابتسم فريدريك بأدبٍ مصطنع:
“بل نحن من نشكر حضوركم. بفضل نعمة جلالة الإمبراطور، يمر شتاء الشمال كل عامٍ بسلام.”
أكمل القائد:
“بوجود وريثٍ نبيهٍ مثلكم، فلا شك أن الدوق لا يحمل همًّا.”
وبعد تبادل المجاملات الرسمية، دخلت الفرق القلعة أخيرًا.
كان اليوم الأول مخصصًا للراحة بعد الرحلة الطويلة،
ودُعي القادة ونوابهم إلى مأدبة عشاءٍ رسميةٍ في قاعة القصر،
بينما سيُسمح للفرسان الآخرين بتناول العشاء في قاعة الولائم الكبرى.
كنت قد تأخرت قليلًا عن البقية لأنني كنت أنظف عدسات نظارتي بعناية،
وفي طريقي إلى القاعة، التقيت صدفةً بشخصٍ لم أتوقعه.
«أليس هذا هو وريث بيلمونت نفسه؟»
لكن الصبي لم يكن كما بدا في لقائنا الأول.
بل كان يصرخ في وجه خادمٍ عجوز بغضبٍ شديد:
“كيف تجرؤ؟! أتسخر من وريث دوقية بيلمونت القادم؟! هل مللت الحياة لتُهينني هكذا؟!”
اختفى تمامًا ذلك الوقار الذي أظهره قبل قليل، وحلّ مكانه وجهٌ متوتر وصوتٌ حاد.
لم أفهم لمَ يحدث هذا بالضبط في طريقي،
لكنني آثرت التزام الصمت واختبأت خلف عمودٍ ريثما يهدأ الموقف.
قال الخادم المسكين بصوتٍ مرتجف:
“لم أقصد الإهانة يا سيدي، لقد قلتُ فقط…”
قاطعه فريدريك صارخًا:
“مرة أخرى! قلتَ يا سيدي؟! أتظن أني لست الوريث الشرعي؟ أتجرؤ على مخاطبتي كما تخاطب الأطفال؟!”
من الواضح أن كل ما فعله الرجل المسن هو مناداته بلقبٍ اعتاد استخدامه حين كان طفلًا — “يا فتى الصغير” أو “يا سيدي الصغير”.
كما لو أن مربيتك القديمة لا تزال تناديك “يا صغيري” بعد أن كبرت.
لكن فريدريك كان يثور وكأن الرجل شتمه علنًا،
بل ويفعل ذلك في ممر القصر أمام الضيوف القادمين من العاصمة!
‘يا لك من أحمق، أنت أكثر وقاحةً من خادمك المسكين.’
هززت رأسي بأسفٍ وأنا أتمتم:
“لو كان الدوق يعلم كم هو مدلل ابنه، لكان فقد صبره منذ زمن.”
لم يكن في العائلة وريثٌ غيره،
ولا توجد فروع قوية يمكن أن تنافسه على اللقب،
فلماذا إذًا كل هذا التوتر المفرط حول كلمة “الوريث”؟
‘لو كان الأمر يهمك إلى هذا الحد، فلتُغيّر اسمك إلى “الوريث بيلمونت” رسميًا!’
لم أكن أرغب في البقاء متخفية أكثر، فسيطول الأمر إن لم أتدخل.
لذا خرجت من خلف العمود متعمدة إصدار ضجة خفيفة بخطواتي،
ثم تظاهرت بأني فوجئت برؤيتهما.
قلت بابتسامةٍ لطيفة وانحناءةٍ بسيطة:
“تحية طيبة، يا وريث بيلمونت!”
ارتبك الصبي قليلًا ثم التفت نحوي.
وبعد أن لمح زيّي العسكري الإمبراطوري، تنفّس الصعداء وعاد إلى هدوئه.
قال متصنعًا الودّ:
“أه، أنتم من فرسان الإمبراطورية إذًا.”
أجبته بابتسامةٍ مهذبة:
“نعم، أنا كلوي إيفرغرين من الفرقة العاشرة.”
قال:
“أنا فريدريك بيلمونت. لكن قاعة المأدبة ليست في هذا الممر، أليس كذلك؟”
أوه؟ لقد أخطأت الطريق فعلاً.
ابتسمت محاوِلةً التخفيف من الموقف:
“يبدو أنني سلكت الممر الخطأ.”
قال بلا مبالاة وهو يشير إلى خادمه:
“نيك، أرشد الآنسة إلى قاعة المأدبة.”
انحنى الخادم ليقودني،
وكانت ملامحه تُظهر شيئًا من الارتباك — كأنه يخشى أن أسيء الظن بوليّ نعمته الصغير.
بدأ يتحدث بلطفٍ مبالغ فيه، يحاول الدفاع عن فريدريك،
ويحكي لي كيف كان فتى لطيفًا وحنونًا حين كان صغيرًا.
‘في أماكن كثيرة من العالم، من النادر أن تجد خادمًا يبقى مخلصًا حتى حين لا يراه سيده… لكنك لا تستحق هذا يا فر
يدريك.’
كنت آنذاك أظن أن وريث بيلمونت مجرد فتى مراهق متعجرف،لكن ما لم أكن أعلمه بعد، هو أن هذا الصبي المتغطرس
سيصبح لاحقًا أحد أكثر مصادر المتاعب في حياتي.
التعليقات لهذا الفصل " 31"