الفصل 25
عندما بدأ إلياس يتحدث بودٍّ لفترة طويلة مع الزوجين البارونيين، بدأت أنظار الحاضرين في حفلة النصر تتجه نحوه بخفية.
لكن الدائرة الفارغة التي كان يقف في وسطها لم تضق قيد أنملة.
وبعد أن غادر البارون أردنس، جاء بعض النبلاء الذين يعرفهم إلياس معرفة سطحية، حيّوه بلطف، ثم غادروا واحدًا تلو الآخر.
وبينما كانت شبكة علاقاته الاجتماعية الضئيلة توشك أن تصل إلى نهايتها، أعلن أحد الخدم عن دخول أكثر الحاضرين مقامًا رفيعًا في الحفل.
> “صاحب السمو ولي العهد إستيان ليوندروس ألثير، وصاحبة السمو الأميرة كلوديا شارين ألثير، ووصيفتاها من بيت فالتاريون، قد دخلوا القاعة.”
كان نصف الحاضرين في القاعة قد جاءوا أساسًا ليحظوا بلقاء ولو عابر مع هؤلاء.
مئات العيون المترقبة توجهت نحو المدخل، آملةً بنظرة واحدة منهم.
لكن ولي العهد إستيان، ما إن وطئت قدماه القاعة حتى تجاهل الجميع وتوجه مباشرة إلى إلياس.
وبذلك، تبعته الأميرة الأولى كلوديا ووصيفتاها من آل فالتاريون.
بدأت الدائرة التي أحاطت بإلياس تضيق تدريجيًا.
ابتسم إستيان ابتسامة عريضة وهو يربّت على كتف إلياس وقال بصوتٍ سمعه كل من في القاعة:
> “مبروك لك، يا كونت بلايك. ستحتاج إلى إجازة قريبًا للذهاب إلى إقطاعية كريست.”
إقطاعية كريست كانت من أثمن الأراضي التابعة مباشرة للتاج الإمبراطوري.
صحيحٌ أن المكافأة جاءت لقاء طرد القبائل الغازية خارج حدود الإمبراطورية بعد عقودٍ من النزاع، لكنها بدت مفرطة السخاء.
أولئك الذين كانوا يصغون بأنفاسٍ محبوسة تنفسوا أخيرًا: بعضهم بحسدٍ صريح، وبعضهم بحقدٍ دفين.
ثم أضاف إستيان مبتسمًا وهو يتفقد وجوه النبلاء:
> “وأيضًا… أرغب في أن أقدم لك منجماً للملح في منطقة سيدس. اعتبرها هدية شخصية من صديقك ومن سيدك في الوقت نفسه.”
كان وقع كلماته أشبه بزلزال.
إستيان، ولي العهد نفسه، يعلن أمام الجميع أن إلياس “صديقه” ويمنحه أغلى مناجم الملح في البلاد.
فتبدّلت نظرات النبلاء سريعًا، إذ لم يعد من الحكمة معاداة الرجل الذي يحظى بمودة ولي العهد.
ولما رأى إستيان تأثير كلماته، مال نحو إلياس وهمس بصوتٍ لا يسمعه سواه:
> “عندما ترى فيفي، أخبرها أن منجم الملح كان هديتي لك. لقد وبختني لأنها ظنت أنني كنت قاسيًا معك.”
تجمد إلياس لوهلة، غير مستوعبٍ لما يقصده.
لكن إستيان لم يشرح أكثر، بل ذهب ليدعو ابنة آل فالتاريون الكبرى — خطيبته — إلى الرقصة الأولى.
وبقي إلياس وحده، يتساءل في حيرةٍ عن سبب طلب فيوليتا، التي غادرت القصر قبل عام لأداء طقوس بلوغها، أن يبلغه ولي العهد بتلك الرسالة.
****
بعد أيام…
اقترب موعد التدريب الميداني الكبير.
وكانت كاميلا، كلما رأتني، تكرر قلقها نفسه:
> “هل أنتِ واثقة يا مولاتي؟”
كنت أجيبها بنبرة مرحة في كل مرة:
> “طبعًا! أكيد سأتدبر الأمر!”
في البداية كنتُ قلقة فعلًا: هل أستطيع تحمل ركوب الخيل يوميًا والنوم في العراء لأسبوعين كاملين؟
مهما كنتُ متحملة، في النهاية أنا أميرة…
لكن كثرة قلق كاميلا جعلتني أعاند وأصرّ بثقة مصطنعة.
> “ألم ترَيني كم كنتُ بخير في مقر فرسان الحرس؟”
صرت أنا من يطمئنها بدلًا من العكس.
لكنها هزّت رأسها بجدية:
> “المعسكرات شيء مختلف تمامًا، يا مولاتي. سنسلك طرق الغابات بعيدًا عن القرى، والرحلة ستكون وعرة أكثر مما تتخيلين.”
لم يفلح كلامها في إخماد حماسي، بل جعلني أخرج الورقة الأخيرة التي ادخرتها ليومٍ كهذا:
> “كاميلا… هل تشكين في قدرتي؟”
أرخيت كتفي وقطبت حاجبي بملامح جريحة.
ارتبكت كاميلا فورًا وقالت متلعثمة:
> “بالطبع لا، يا مولاتي! أبدًا!”
ابتسمتُ بانتصارٍ خفي.
وسرعان ما استعادت كاميلا حماسها قائلةً بعزمٍ متألق في عينيها:
> “سأفعل كل ما بوسعي لتسهيل الأمر!”
لم أفهم تمامًا ما الذي تعنيه بـ “كل ما بوسعي”، لكن فضولي لم يدم طويلًا.
> “القائد قادم.”
سمعت بدوري وقع خطواتٍ مألوفة خلف الباب.
تبادلنا نظرة سريعة ثم تظاهرنا بالانشغال في العمل.
دخل إلياس الغرفة وسألنا بنبرةٍ هادئة:
> “ما الذي يبقيكما حتى هذا الوقت؟”
أجابت كاميلا:
> “بعض الأعمال يجب إنهاؤها قبل بدء التدريب، يا سيدي.”
لم تجرؤ أن تذكر أنها كانت مشغولة بالقلق عليّ.
قال إلياس أخيرًا وهو يتفقد الأوراق:
> “لقد تأخر الوقت، أكملا الباقي غدًا.”
لم يكن أمامنا ما نناقشه، فاستعددنا للمغادرة.
لكن قبل أن أخرج تمامًا، استوقف إلياس كاميلا:
> “لحظة يا كاميلا.”
توقفتُ دون قصد، وتهيّأت أذناي تلقائيًا للاستماع.
> “هل جلالتها الأميرة فيوليتا بخير؟”
تجمدت مكاني.
هل… اكتشف شيئًا؟
كاميلا أيضًا شُلت للحظة، وكادت تنظر نحوي، لكنها تماسكت.
تابع إلياس ببرودٍ طبيعي:
> “لقد أرسلت لي بطاقات تهنئة في كل عام من أعوامي الثلاثة على الحدود، ولم أجد الفرصة بعد لأشكرها.”
تنفسنا كلتانا بارتياحٍ خفي.
فقط… بطاقات المعايدة، لا أكثر.
تملكتني رغبة في الضحك.
تسأل إن كانت بخير؟ لقد جعلتها تصاب بآلامٍ عضلية مزمنة!
أشارت كاميلا بعينيها بخفة لتقول “كل شيء تحت السيطرة”، بينما رفعتُ إصبعيّ على شكل × خلف ظهر إلياس في سخريةٍ طفولية.
> “إنها بخير تمامًا، يا سيدي.”
أجابت كاميلا بابتسامةٍ خفيفة، وقد بدا أنها تستمتع بالموقف أكثر مما تخافه.
غادرت الغرفة بخطواتٍ هادئة كي لا يسمعاني.
لكنني لم أستطع منع نفسي من الإصغاء أكثر، بينما كانت أصواتهما تخفت خلفي.
> “هذا ليس تجسسًا، إنها مجرد صدفة…”
ومع ذلك، لم أسمع سوى كلما
تٍ بسيطة:
إلياس يسأل عن حال “صاحبة السمو الصغرى” ويعبّر عن قلقه عليها.
تسرب دفءٌ غريب إلى صدري، وتملكني إحساس مزعج بالخفة والارتباك في آنٍ واحد…
كأن قدميّ تدغدغهما الأرض نفسها.
التعليقات لهذا الفصل " 25"