لم يزل الاستسلام الذي تعلمه إلياس في أيّام أَسره على يد تُجّار العبيد يلازمه حتى الآن.
ابتسم بسخرية مُرّة، وفي تلك اللحظة كان الأمير الشاب إستيان، الذي أنهى توديعه الطويل لأخته فيوليتا، يتفقده قائلاً:
“هيا نذهب.”
كان من الطبيعي أن يغادرا معًا، لكن لسببٍ ما لم تستطع قدماه الحراك.
وفي تلك اللحظة، أمسكَتْ يدٌ صغيرةٌ دافئة بطرف كُمِّه.
“لماذا تأخذه معك؟ إلياس ليس مشغولاً!”
وكانت مُحقّة.
فوظيفة إلياس الحالية لم تتعدَّ أن يكون رفيق ألعابٍ أو خصمًا لتدريبات الأمير في السيف.
وبما أن إستيان لم يكن يلعب الآن ولا يتدرّب، فلم يكن لإلياس ما يفعله.
“هذا صحيح، ولكن…”
رغم ذلك، بدا أن إستيان لا يرتاح لفكرة ترك فيوليتا وإلياس يلعبان معًا بينما هو منشغل بأعماله.
“قل له أن يبقى ليلعب معي!”
“حسنًا، إلياس، ابقَ قليلاً والعب مع بيبي.”
تغيّر رأيه بسرعة أمام كلمة واحدة من أخته.
“وداعًا، بيبي.”
هكذا غادر إستيان مع خادمه، تاركًا المكان.
أما فيوليتا فلم تُبدِ حزنًا طويلًا على رحيله.
“الحمد لله أنني لست الأخت الكبرى.”
قالت ذلك وهي تُطلق تنهيدة طويلة لا تليق بطفلة في السادسة من عمرها، وكأنها راضية تمامًا عن كونها الأصغر.
ابتسم إلياس ابتسامة صغيرة دون قصد، لكنه كُشف هذه المرة.
“أوه، لقد ابتسمت!”
قالت فيوليتا بعدما لمحته، فأردفت بصدق طفولي:
“أنت أجمل حين تبتسم!”
ثم نظرت إليه مليًّا وسألت بفضول صافٍ:
“هل أنت من الإلف؟”
كان ذا شعرٍ بلاتينيٍّ وعيونٍ زرقاء صافية، وهي صفات أرستقراطية لا تشبه أبدًا مَن وُلد في أدنى مرتبة من المجتمع، ناهيك عن أن مظهره كان نظيفًا ومهذبًا على غير عادة العبيد.
ومنذ صغره، كان يُقال إن في نظرته وملامحه نُضجًا لا يناسب عمره، ولهذا بدا لها غريبًا ومميزًا.
كانت مجرد خيالات بريئة من طفلة، لكنها لو سمعها أحد لظنها مدحًا مبالغًا فيه.
أما إلياس، فلم يكن يعرف أصلًا ما المقصود بـ”الإلف”، فتجمد وجهه متوترًا.
لكن فيوليتا، التي كبرت في كنف عائلةٍ تُسامح كل خطأ، لم تغضب من جهله، بل شرحت له برقة:
“الإلف هم الجان الذين يعيشون في الغابة، كلهم جميلون جدًا، وآذانهم هكذا مدببة! هممم، لحظة!”
توقفت فجأة عن الكلام ومدّت يدها نحوه بحماس:
“عندي في أحد كتبي الخرافية صورٌ لهم! تعال نراها معًا!”
تردد إلياس، مترددًا في أن يمد يده الخشنة إلى يدها الصغيرة.
فبرغم أن تاجر العبيد لم يُرهقه كثيرًا نظرًا لمظهره الثمين، إلا أن حياته السابقة تركت أثرها على كفيه، ثم جاءت تدريبات السيف لتملأهما بالندوب والبثور.
سيبدو منظرها قبيحًا…
لكنه، بعد لحظةٍ قصيرة من التردد، وضع يده في يدها الصغيرة.
قبضت فيوليتا عليها بلا تردد، وقادته نحو الحديقة بخطواتٍ مفعمة بالحيوية.
ظن إلياس أنهما سيتوجهان إلى قاعة الجلوس، فاستغرب حين سلكت طريقًا مختلفًا، لكنه تبعها صامتًا.
خلفهما كانت وصيفتها الخاصة تسير مبتسمة بهدوء، تنظر إليهما بعينٍ راضية.
وبينما كان يسير خلف فيوليتا ذات الخطوات القصيرة، ظهرت أمامهما حديقةٌ صغيرة وقصرٌ أنيق بدا كأنه صُنع خصيصًا على قياسها.
توقفت الفتاة، وما زالت ممسكة بيده، ثم استدارت بفخر لتقول:
“هذا هو قصري الصغير للّعب!”
بالنسبة لإلياس، الذي لم يمتلك يومًا لعبةً بسيطة، كانت فكرة وجود “قصرٍ للّعب” شيئًا يفوق الخيال.
لكنه مع ذلك، قال بإخلاص:
“إنه جميل جدًا.”
ابتسمت فيوليتا برضاٍ طفوليٍّ مضيء.
“أليس كذلك؟ إنه أفضل هديةٍ حصلت عليها في حياتي!”
وانطلقت تتحدث بحماسٍ عن قصتها مع هذا القصر.
“أُهديتُ إياه وأنا في الرابعة. كان حجمه مناسبًا تمامًا حينها، لكنني الآن كبرت قليلًا وصار صغيرًا عليّ.”
قالت ذلك بشيءٍ من الحنين، ثم تابعت بنبرةٍ قوية:
“لكنني ما زلت أستطيع اللعب فيه!”
كان ذلك صحيحًا… وفقًا لمعاييرها هي فقط.
أما إلياس، الذي كان أطول منها برأسٍ كامل، فتساءل إن كان عليه أن ينحني أم يجثو ليدخل.
“هيا بنا!”
قالت بمرح، وسحبته نحو القصر الصغير دون انتظار.
ما زالت تمسك بيده، فاستسلم وتبعها بخطواتٍ محسوبة تتناسب مع قصرٍ مُزين بأبوابٍ مذهبة محفور عليها حيوانات لطيفة بدلًا من شعارات العائلات النبيلة.
أشار نحو الباب الثقيل قليلًا وقال باحترام:
“اسمحي لي أن أفتحه لكِ.”
“حسنًا!”
ودفع الباب الذي بدا صغيرًا وجميلًا في آن، لتدخل فيوليتا بخطواتٍ خفيفة أنيقة وهي تبتسم قائلةً:
“مرحبًا بك يا إلياس.”
غطّت فمها بيديها الصغيرة وهي تضحك بخفة، كأنها سيدة حفلٍ تستقبل ضيوفها.
تذكر إلياس ما تعلمه في دروس الآداب، وحاول أن يجيبها بعبارات الامتنان التي يحفظها من الكتاب حرفيًا، فبدت ككلماتٍ منسوخة لكنها صادقة.
ويبدو أن ذلك راق لها، إذ ابتسمت برضاٍ كبير.
“المكتبة من هنا!”
جذبته من يده مجددًا، تقوده في أرجاء القصر.
لحسن الحظ كان السقف مرتفعًا بما يكفي كي لا يضطر إلى الانحناء كثيرًا.
وصل الاثنان إلى المكتبة، وكانت تقع في أكثر الأماكن إشراقًا من القصر الصغير.
جدرانها الثلاث كانت مغطاة برفوفٍ من خشبٍ عاجي فخم، بارتفاعٍ لا يتجاوز مدى ذراعي فيوليتا.
كل الرفوف امتلأت بكتبٍ للأطفال مزينة برسومٍ ملوّنة وجواهر صغيرة لامعة.
لم يكن هناك مكتب، لكن الأرض مفروشة بسجادٍ ناعم، وُضعت فوقه وسائدٌ وحقائب جلوسٍ مريحة.
كان واضحًا أن المكان أُعد بعنايةٍ لتجلس الصغيرة وتقرأ كيفما تشاء، محاطة بالراحة والدفء.
قالت وهي تتلفت بين الرفوف:
“الكتاب الذي فيه الإلف…”
ثم عادت بعد لحظات وهي تحمل كتابًا بيدين صغيرتين، تعرف مكانه تمامًا.
اقتربت منه بخطواتٍ خفيفة وفتحت الكتاب أمامه قائلةً بفخر:
“ها هو الإلف!”
كانت الصفحة تُظهر صبيًّا ذا شعرٍ بلاتينيٍّ كالثلج وعينين خضراوين كالغابة، مع أذنين طويلتين مدببتين.
تشابه بسيط في الشعر، لكن غير ذلك لا شيء يجمع بينه وبين إلياس، لا سيما أن أذنيه كانتا دائريتين تمامًا منذ أن يَذكر نفسه.
“إن كان هذا هو الإلف، فإذن أنا لست منهم.”
قال ذلك بهدوء، آملًا ألا تُصاب بخيبة أمل.
لكن فيوليتا لم تُعر الأمر اهتمامًا طويلًا، وفقدت اهتمامها السريع بفكرة “إلياس الإلف”.
“آه، فهمت.”
قالت وهي تهز رأسها بخفة، ثم جلست على الأرض وبدأت تقرأ بصوتٍ خافتٍ متردد:
“في قديم الزمان… في غابةٍ يسكنها الإلف… عاش صبيٌّ يُدعى باران…”
بعد أن أنهت قراءة صفحةٍ واحدة بشق الأنفس، مسحت عرقها من جبينها وقدّمت الكتاب لإلياس قائلة:
“اقرأ أنت الباقي.”
كان إلياس قد بدأ تعلّم القراءة منذ قدومه إلى القصر، ولحسن الحظ بات بإمكانه قراءة قصص الأطفال.
فتح الصفحة التالية وبدأ يتأملها، لكنّه تجمّد فجأة.
فالكتاب لم يكن مكتوبًا بلغة الإمبراطورية، بل بلغةٍ قديمة.
قالت فيوليتا، دون أن تلاحظ حيرته، وهي ترفع ذقنها بفخرٍ ساخرٍ طفولي:
“كل قصصي مكتوبة باللغات القديمة فقط! يظن الكبار أن جعل القصص بلغةٍ صعبة يجعل تعلّمها ممتعًا… يا له
م من واهمين.”
فيوليتا عبست شفتيها بتدلّل.
كان منظرها لطيفًا إلى حدٍّ لا يُقاوَم.
لكن في عيني إلياس، لم يكن في ذلك أي مظهرٍ من الجمال أو اللطافة يُمكن أن يراه.
التعليقات لهذا الفصل " 23"