الفصل 10
ظللتُ أتابع ظهر إلياس طويلاً.
حتى صَغُرَت هيئته من حجم الكف إلى حجم ظفر الإصبع، ولم يَعُد يبدو سوى نقطة بعيدة. عندها فقط التفتُّ حولي أتفقد المكان.
حتى إلياس نفسه لن يستطيع سماع أي حديث من هذه المسافة.
وفوق ذلك لم يكن أحد بالجوار.
تشبثتُ بيد كاميلا التي تركها إلياس معي، ووقفتُ ملتصقة بها أكثر.
“كاميلا.”
ناديتُها باسمي الحقيقي، بصفتي الأميرة فيوليتا، وهي حارستي الخاصة.
“نعم، جلالتكم.”
أجابت وهي تنحني بخفة.
“ذاك الشخص قبل قليل… إنه ديميتري من الفيلق التاسع.”
بما أنّها رافقتني لسنوات طويلة، فهمت كاميلا مقصدي مباشرة.
“سأتولى الأمر.”
“جيّد.”
لم يمر وقت طويل حتى يلقى ديميتري العقاب العادل.
ابتسمتُ لكاميلا بوجه أشبه بمن غَسَلَ عن نفسه عرق القيظ بماء بارد منعش.
***
أول لقاء لي مع إلياس كان حين كنت في السادسة من عمري.
“جلالتك الأميرة فيوليتا. ولي العهد قد حضر.”
كنتُ لتوي أستيقظ من قيلولة، أحدّق بعينين نصف نائمتين، حين حثّتني مرضعتي بابتسامة.
“أخي الأكبر؟”
في ذلك الوقت كان أخي قد صار ولي العهد بالفعل، وكان طفلاً مشغولًا على نحو يليق بوريث العرش.
حتى لزيارته أخته الصغيرة كان عليه أن يقتطع وقتًا من جدوله.
لم أكن أستقبله عادةً بحفاوة كبيرة بسبب مزاحه الدائم، لكن ذلك اليوم بالذات شعرت بشيء غريب… فقد كنت سعيدة بقدومه.
“ما الأمر يا ترى؟”
ابتسمتُ بخجل ومددت ذراعي نحو مرضعتي.
“سأُنزل جلالتك.”
كان السرير مرتفعًا قليلاً، لكن ليس لدرجة أعجز عن النزول وحدي.
ومع ذلك لبّت مرضعتي دلعي، فحملتني وأنزلتني برفق.
ثم بدأت أتهيأ بوقار لاستقبال الضيف.
“أخبريه أني أود أن نأكل معًا… بعض الكعك، ومعه الحليب أيضًا.”
كنت أقلد أمي وأختي بطريقتي الخاصة.
فهمت المرضعة لعبتي بسرعة، وأجابت بلهجة رسمية تشبه لهجة البلاط:
“سيُحضَّر ما أمرتِ به.”
أومأتُ برضا.
“جيّد!”
مجرد التفكير أني سأتناول الكعك مرة أخرى بعد وجبة الصباح جعلني أقفز من الفرح.
رافقتني مرضعتي إلى غرفة الملابس، حيث اختارت لي بعض الفساتين المناسبة للطقس والوقت.
وبعد تردّد طويل اخترت الفستان الأزرق الفاتح.
كنت أحب الأصفر أكثر، لكن في آخر مرة ارتديتُه سخر مني أخي وقال إنني أشبه الكتكوت.
فقررتُ أن أرتديه فقط في غيابه.
وبينما كنت أبدّل ملابسي، دخلت إحدى الوصيفات وهمست للمرضعة بشيء.
ابتسمت مرضعتي بخفة وردّت كأن الأمر لا يستحق الاهتمام.
ثم التفتت نحوي وقالت بلطف:
“جلالتك تبدين رائعة. فلنذهب لاستقبال الضيف.”
أمسكت بيدها وأنا أجيبها بإيماءة واثقة.
وفي الطريق، أخبرتني كأنها تثرثر:
“على فكرة… ولي العهد جاء بصديق معه.”
توقفتُ بدهشة كبيرة.
“لأخي أصدقاء؟”
كان تعليقي عفوياً وصادماً بعض الشيء، جعل المرضعة تبتسم بحرج.
“بالطبع. كما أن جلالتك صديقة لابنة دوق فالتاريون الصغرى، والأميرة كلوديا صديقة للكبرى.”
لكني لم أقتنع.
“لكن كاميلا ليست لها أخت!”
ضحكت مرضعتي من جوابي الطفولي، ثم فتحت لي باب قاعة الاستقبال.
دخلتُ بخطوات حاولت أن أجعلها أنيقة.
“بيبي، هل استيقظتِ جيدًا؟”
كان أخي يتحدث مع صبي غريب، وما إن رآني حتى حياني بابتسامة.
“هممم.”
أجبته بفتور، لكن بصري كان منصبًا على الصبي ذي الشعر البلاتيني.
قدّم أخي صاحبه قائلًا:
“هذا إلياس. اتفقنا أن نصبح صديقين، فجئت به ليقابلك أيضًا.”
لم أستوعب في البداية أن أخي يملك صديقًا حقيقيًا.
أما إلياس، فما إن سمع اسمه يُذكر حتى وقف فجأة باحترام.
حذّره أخي:
“أختي تخجل من الغرباء، فكن حذرًا.”
هزّ إلياس رأسه بجدية وأجاب ببطء شديد:
“سـ… أفعل.”
كان صوته الفتيّ ما يزال رقيقًا، وكلماته واضحة كأنه يتعلم النطق.
وبين ملامحه النحيلة ووجهه الشاحب برز جمال لا يمكن إنكاره.
لقد كنت دائمًا مولعة بالأشياء الجميلة، فاستسلمت للتأمل في ملامحه.
ابتسم بخجل، ثم اقترب مني وانحنى على ركبة واحدة كما يفعل الفارس أمام سيدته.
مددت يدي وأنا أكتم خفقان قلبي، فقبّل ظهر كفي برفق.
ذلك الشعور لم يكن كقبلة أمي أو أختي، لكنه جعلني أرتجف سعادة.
فهو أول من عاملني كـ”ليدي” حقيقية، لا مجرد طفلة مدللة.
عندها قفز مستوى إعجابي بـ”صديق أخي” إلى أعلى.
ابتسمتُ وقدمت له اسمي:
“أنا فيوليتا.”
وكان ذلك لقائي الثاني مع إلياس.
***
بعد أن غادرت كاميلا لمعاقبة ديميتري، توجهتُ متأخرة قليلًا إلى قاعة الطعام.
جلستُ على طاولة فارغة بعد أن أخذت حصتي من الطعام.
فجأة اقترب بعض فرسان الفيلق العاشر وألقوا عليّ تحياتهم:
“هل وبّخك القائد كثيرًا؟”
“أأنت بخير؟”
“لم تبكي، صحيح؟”
كما يُقال: العدو المشترك يوحّد الصفوف.
حتى الذين كانوا يرونني مجرد مصدر متاعب، بدت في أصواتهم لمسة قلق ودفء.
“لا! أنا بخير تمامًا!”
أجبت بثبات، لكن ملامحهم أوحت بأنهم لا يصدقونني كليًا.
ربّتوا على كتفي كمن يشجعني، وأخذوا ينصحون:
“يبدو أنك سريعة الغضب. إن أردت العيش طويلًا، فعليك إصلاح ذلك.”
“ولا تتجولي وحدك لفترة. أولئك الحثالة لا ينسون بسهولة.”
“لكن يعجبني أنك صامدة رغم كل شيء.”
ابتسمتُ وأخذت بنصائحهم كأنها أطباق إضافية إلى طعامي.
ورحت ألتهم الطعام بشهية.
طعام مقصف الفرسان كان بسيطًا وخاليًا من الترف، لكنه ألذ مما توقعت.
“أليست شريحة السلمون مالحة بعض الشيء؟”
“ربما صيدوها من البحر المالح!”
“آه!”
ضحكت معهم، وغرقت في أحاديثهم العفوية بينما كنت أُنهي وجبتي على مهل.
من الجهة المقابلة لقاعة الطعام، ظهر ديم
يتري وهو يتناول طعامه، يتقدمه بعض من رفاقه.
كان يسير بخطوات واثقة، ملامحه متعجرفة، غير مدرك أن التعاسة الكبرى بانتظاره.
«أوه؟ حتى وهو مع جماعة لا يتردد في إثارة المشاكل معي؟»
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"