جثمت كارتيا أمام حوض الزهور في الدفيئة، تحدق في الأزهار بفراغ، ثم شدّت ببطء زوايا فمها بأصابعها.“يا إلهي، يا كارتيا. هل تساعدين أمك؟”الصوت، والذكرى التي برزت فجأة، شعرت بهما غريبين.هل يمكن لشيء لم تعيشه بنفسها أن يبقى حيًا في ذاكرتها بهذه الوضوح؟“!نعم! كارتيا ستساعد أمي”“أمي سعيدة جدًا جدًا بسبب كارتيا”ماذا قال الآخرون حينها؟ خادمة واحدة، مذعورة، حاولت إيقافها قائلة إن كلمة “أمي” يستخدمها العامة فقط.ومع ذلك، في تلك اللحظة، كانت الإمبراطورة التي ابتسمت بإشراق تناسب الزهور تمامًا. شعرها الذهبي اللامع كأشعة الشمس، وعيناها الزمرديتان التي تذكران باخضرار الصيف، كانتا تتوهجان.أما كارتيا، فشعرها فضي مائل إلى الوردي، وعيناها حمراوان كالدم، تمامًا مثل الإمبراطور.ومع ذلك، لو ابتسمت مثل الإمبراطورة، ربما تشبه أمها قليلاً؟مدّت كارتيا شفتيها يمنة ويسرة بأصابعها، ثم وقفت ببطء حين سمعت الخادمات يلهثن مذهولات ويصمتن.“متسللة”رن صوت منخفض، فالتفتت كارتيا نحو الإمبراطور.ربما بسبب الزحام المفاجئ في الدفيئة، كان قد سل سيفه بالفعل ويحدق فيها.هل كان مستعدًا لقتل متسلل؟إذن… هل هي متسللة؟“جئتُ فقط لأرى المكان الذي أحبته أمي”تجاهل كلماتها، واستدار الإمبراطور برأسه.انحنى قائد الحرس الملكي الواقف خلفه بعمق، منتظرًا أوامره.“أخلوا المكان. تأكدوا من أنها لا تضع قدمها هنا مرة أخرى”لم يمر سوى عام واحد.عام واحد فقط منذ وفاة الإمبراطورة. هل يعجز الإمبراطور عن فهم كم يطول هذا العام بالنسبة لطفلة في السابعة فقدت أمها؟“جئتُ فقط إلى المكان الذي أحبته أمي، تمامًا مثلك. إن لم أستطع القدوم، فأنت أيضًا لا يجب أن تأتي”قبل أن يتحرك الحارس، استدارت كارتيا وسارت بعيدًا.إن كانوا سيجرونها خارجًا، فالأفضل أن تخرج بنفسها.“…آه”توقفت كارتيا فجأة إذ خطرت لها فكرة، ثم التفتت نحو الإمبراطور.“أنا لا أخاف منك، يا أبي”بعد أن مرت بالموت عدة مرات عبر حيواتها، لم تعد تخشى الموت.تريد العيش، لكن ليس إلى درجة الارتجاف أمام الإمبراطور كما كانت سابقًا.استدارت كارتيا فجأة وغادرت الدفيئة.تبعتها الخادمات، متوترات بوضوح، مسرعات.“أنا لا أخاف منك”بينما ابتعد الجسم الصغير، برزت أمام عيني الإمبراطور ذكرى الإمبراطورة وهي تبتسم بإشراق.“كان الأفضل لو كانت تشبه الإمبراطورة…”لكن كارتيا لا تشبه أمها بأي شكل.العينان اللتان تحدقان فيه مباشرة دون خوف، والتعبير على وجهها، كل ذلك يعكس هو نفسه.“لا بد أنها وُلدت بنفس دمي”عبس الإمبراطور كأن متسللاً دخل ممتلكاته، وتفحص الدفيئة حوله.“إن كانت تشاركني مصيري، فالأفضل أن تموت وحدها مبكرًا، بدلاً من تحمل ألم فقدان شخص عزيز. تش.”“…جلالة الإمبراطور…”حاول قائد الحرس قول شيء، ثم أغلق فمه.لم يسأل الإمبراطور عما كان. لم يكن مهتمًا. استمر في السير داخل الدفيئة.نظر إلى الزهور، لكنه في الحقيقة كان يرى المرأة التي أحبتها يومًا فوق الذاكرة.“فشل ذريع.”عبست كارتيا وأصدرت صوت استياء، تمتمت، بينما كانت فابيا ترتجف بجانبها قائلة إنها كانت مرعوبة.“من أين أتيتِ بشجاعة قول تلك الكلمات؟ جلالته مرعب حقًا”ردة فعل فابيا مفهومه.في حياتها الثانية، كانت كارتيا نفسها ترتجف كلما رأت الإمبراطور، وحتى في الثالثة، بعد أن طلبت شيئًا بجرأة، كانت تمسك صدرها خوفًا بعد ذلك.الإمبراطور لا يحتاج لتهديد بدني، عيناه وحدهما، التي لا ترى الناس كبشر، كافية للرعب.“دعينا نفكر في أبي لاحقًا. أولاً، عليّ الاهتمام بشيء ما”“يا صاحبة السمو، هل تسمعينني؟ من فضلك، كوني حذرة أمام جلالته”“ما أسوأ ما يمكن أن يحدث؟ الموت؟”تركت فابيا المتجمدة خلفها، وبدأت كارتيا في تفتيش الغرفة.فحصت بعض الشمعدانات والمصابيح، حتى اقتربت فابيا أخيرًا بعد أن استعادت وعيها.“ماذا تبحثين عنه؟”“هل لدينا شموع خافتة؟”“لماذا تحتاجينها؟”“سأخرج عند الفجر. أحتاج شيئًا خافتًا حتى لا يلاحظني أحد.”“ماذا؟! إلى أين هذه المرة؟”لم تجب كارتيا، واستمرت في البحث في الأدراج، مما جعل فابيا تقفز من الإحباط حتى خفضت صوتها أخيرًا.“سأجد لكِ فانوسًا بغطاء شفاف. لكن… إلى أين بالضبط ستذهبين؟”“إن أخبرتِ أحدًا أنني سأخرج لاحقًا، لن أثق بكِ أبدًا”كانت تعرف أن ذلك قاسٍ.حتى لو لم يهتم الإمبراطور، فإن رئيسة الخادمات أو المدبر الأعلى الذي يخدم العائلة الإمبراطورية سيبلغان عن كل صغيرة.إن تسللت كارتيا وأُمسكت بفانوس قدمته فابيا، فقد تُعاقب الفتاة بشدة، أو حتى تُقتل.لذا، لا بأس إن تكلمت. كارتيا تريد فقط معرفة نوع الشخص الذي هي فابيا.“أ، أنا لن أقول شيئًا”ارتجفت فابيا خوفًا، وأومأت برأسها، بل رفعت إصبعها الخنصر.تذكرت كارتيا سماعها أن أصغر إخوة فابيا في سنها تقريبًا.“حسنًا. سأثق بكِ”ربطت كارتيا خنصرها بخنصر فابيا.هل ابتسمت دون أن تشعر؟اتسعت عينا فابيا، وفتحت فمها مذهولة.“هل تعلمين؟ عندما تبتسمين، يا صاحبة السمو، تكونين جميلة جدً”حقًا؟ مهما ابتسمت أمام المرآة مرات عديدة، لم تعتقد نفسها جميلة أبدًا.آه، ربما فقط لأنها تشبه الإمبراطور، الذي يُعرف بوسامته.“حقًا؟ هل وقعتِ في غرامي؟”“أم… ماذا تقصدين بذلك؟”“غبية. لا تقعي في غرامي. قد أموت في أي يوم”أطلقت كارتيا ضحكة خفيفة، وبرزت ذكرى قديمة.“كارتيا. عندما تبتسمين، يضيء العالم كلهد”الصوت مألوف، لكنها لا تستطيع تذكر الوجه.لكن هل يهم ذلك؟“جهزي الفانوس، وأعدي ملابس أستطيع ارتداءها عند الفجر. شيئًا هادئً”حين استدارت دون تفكير، احتضنتها فابيا فجأة.دفنت وجهها في كتف كارتيا الصغير، وتحدثت من خلال دموعها.“من فضلك لا تقولي أشياء كهذه، يا صاحبة السمو. أنتِ في السابعة فقط”“…همم. لا يبدو أن أحدًا يراني في السابعة، مع ذلك؟”“!يا صاحبة السمو”وااو، مفزوعة.صرخت فابيا مباشرة في أذنها، مما جعل كارتيا ترتجف.عندما رفعت نظرها، كانت الدموع تسيل على وجه فابيا.“سأحميكِ. لذا، من فضلك، عيشي فقط كطفلة في السابعة. حسناً؟”لا يجب أن تعِدي بوعود لا تستطيعين الوفاء بها.لكن لو قالت ذلك، قد تبكي فابيا أكثر، فاكتفت كارتيا بربت على ظهرها.“…ليس سيئًا”“المفروض أن تقولي ‘شكرًا’ في مثل هذه الأوقات”“همم… حقًا ليس سيئًا”“!يا صاحبة السمو”ابتسمت كارتيا بابتسامة عريضة، وزفرت فابيا، تمتمت أنها مستحيلة.لو رأتها رئيسة الخادمات هكذا، لأغمي عليها.لكن كارتيا، التي قضت سنوات أكثر دون عيش كأميرة، اعتقدت أنه ليس سيئًا إلى هذا الحد.عندما حل الفجر، انفتحت عينا كارتيا فجأة.بجانب سريرها، جلست فابيا تنعس، بعد أن أصرت على البقاء مستيقظة والذهاب معها.لم يعرفا بعضهما طويلاً، لكن هذا الإخلاص مؤثر.انزلقت كارتيا بهدوء من السرير، وأشعلت الشمعة في الفانوس الذي أعدته فابيا.فتحت الباب قليلاً، ونظرت إلى فابيا النائمة بعد، ثم تسللت خارج الغرفة.كان هناك حارسان خارجًا.“إلى أين أنتِ ذاهبة؟”سألا بهدوء، فأجابت كارتيا أنها ستذهب إلى الحديقة فقط.“سنرافقكِ. من الخطر الذهاب وحدها”“ما الخطر في القصر؟ لا أحد يهتم بي أصلا”“مع ذلك، يجب أن نرافقكِ”“دعوني وشأني”مُصرّان.عبست كارتيا قليلاً، وتوجهت نحو الحديقة.“سأعود فورًا. انتظرا هنا”“لكن”“ماذا؟ لستم مضطرين للاستماع إلى شخص هجره الإمبراطور؟”عندئذٍ توقف الحارسان وبقيا في مكانهما.لم تهتم كارتيا بكيفية رؤيتهما لها.هل يشفقان عليها؟ أم أنهما مضطربان من طفلة تستطيع مواجهة الإمبراطور بعينين ثابتتين؟في أعماق الحديقة، وجدت كارتيا ثقبًا صغيرًا وتسللت خارج أراضي القصر.رفعت نظرها إلى القمر، وحسبت المسافة إلى القصر الرئيسي.لم يكن لديها وقت كثير.وجهتها كانت قصر الإمبراطورة، نفس المكان الذي زارته في وقت سابق من ذلك اليوم.
التعليقات لهذا الفصل " 3"