.:
الفصل 56
قام كايل بإلصاق نقش الجلد في التجويف الموجود بالطريق المسدود، ففكّ آليّة القفل، ثم أوقف الذين كانوا يهمّون بالاندفاع فرحًا نحو فريق الإنقاذ.
“لن تذهبوا.”
“ماذا؟”
“الجميع يخرج، باستثنائي.”
“لكن أهل قريتنا كلّهم هناك الآن! ألا يجب أن نساعدهم؟”
أجاب الدوق الأكبر وهو يكتم انزعاجه من الاضطرار إلى إدارة أشخاصٍ ليسوا جنودًا:
“هناك أيضًا فخّ. إن لم ترغبوا في إقامة جنازة جماعيّة لأهل القرية في اليوم نفسه، فاخرجوا بهدوء وأنا أطلب ذلك بلطف.”
اعتقد كايل أنّه شرح الأمر بما فيه الكفاية، وبأسلوبٍ واضح ولطيف.
تردّدوا قليلًا، ثم أومأوا برؤوسهم موافقين. لحسن الحظّ، كانوا يفهمون الكلام.
“نثق بكَ، سنخرج.”
“حسنًا.”
“هيّا، هيّا! لننطلق!”
وعند مفترق الطرق، ركض كايل وحده في الاتجاه المعاكس لهم.
* * *
“غرين! علينا الخروج الآن فعلًا! ألم يقل ذلك الرجل إنّ الكهف قد ينهار، وإنّ علينا الإسراع؟!”
“تانيا، تانيا غير موجودة. لا أرى زوجتي!”
وكان الابن توم قد أُخرج بالفعل على ظهور الآخرين.
ظلّ غرين يتفحّص الأقفاص الحديديّة الفارغة مرارًا، وذهب أعمق إلى الداخل ليتأكّد أنّه لم يُفوّت مكانًا ما.
“يا هذا.”
في تلك اللحظة، سمع غرين صوتًا بات مألوفًا الآن. كان صوت الرجل الغريب.
“يجب أن تخرج.”
“لن أخرج قبل أن أجد تانيا. يمكنك أن تتركني هنا.”
“هذا مُحرِج.”
أخرج الرجل بقيّة أهل القرية الذين كانوا لا يزالون هناك ليُقنعه. لم يبقَ في المكان سوى غرين والرجل. تفحّص الأقفاص واحدًا واحدًا ثم سأل:
“زوجتك لم تجدها، لكن ماذا عن طفلكَ ؟”
“…..”
“إذًا سأخرج الآن. وستُدفن حيًّا هنا في كهفٍ ينهار، تاركًا ذلك الابن الصغير خلفك.”
عضّ غرين على أسنانه.
إحساسه بوجوب النجاة لرعاية توم، وتصميمه على العثور على تانيا، تصادما بعنف.
ماذا لو خرج معتقدًا أنّ تانيا ليست هنا، وتبيّن العكس؟
تردّد في اتخاذ القرار، وفي تلك اللحظة—
“آوووو.”
جاء صوت تانيا من جهة المخرج.
عواء تانيا في هيئة الذئب.
لغةٌ خاصّة تقول: ‘أنا هنا.’
حتّى من مسافةٍ بعيدة.
الذئاب ينادين بعضهنّ هكذا، وينتظرن بثقة.
بكى غرين وهو يبتسم.
قال الرجل، وكأنّه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن:
“اذهب.”
لم يستغرقَ الأمرُ وقتً طويلاً حتى..
“عزيزي!”
“تانيا! هل أنتِ بخير؟ هل أُصبتِ؟”
“وأنت؟ أنا بخير. إيرين عالجتني.”
“الحمد لله… حقًّا… الحمد لله…”
تعانقت عائلة الذئاب وبكوا معًا.
وأنا أراقب هذا المشهد الدافئ، سألتُ الدوق الأكبر:
“هل أُصبتَ في أيّ مكان؟”
“أبدًا.”
لم يكن في قفّازه أيّ تمزّق أو ضرر، فبدا أنّه لا يكذب.
“هل قرّروا الذهاب معًا إلى القرية؟”
“نعم. بعد أن سمعوا أنّ المتحولين يعيشون كمجتمعٍ واحد، قالوا إنّهم يرغبون في الذهاب أيضًا.”
“خيارٌ لا بأس به. وعلى أيّ حال، لن تظهر وحوش عليا لفترة.”
أومأتُ برأسي، ثم سألتُه بعد أن تفحّصتُ من ليسوا من أهل القرية:
“ألم تكن أمّ مير هناك؟”
“للأسف، لا.”
“سيحزن مير.”
آمل ألّا يحزن كثيرًا.
لكنّ مير قوي، وسيستعيد نشاطه سريعًا.
“لكن، سموّ الدوق… لديّ اعتراف.”
“يتعلّق بهم؟”
“نعم. كنت أنوي إبقاءهم أحياء كرهائن، لكن…”
ظننتُ أنّهم قد يكونون دليلًا مهمًّا، فأردتُ أسر الجميع مهما كلّف الأمر، أو على الأقلّ الإبقاء على واحدٍ منهم حيًّا.
لكنّ عزمي ذهب هباءً حين كسر السمّ المخفيّ في فمه وانتحر.
“كان من إلنورت. بات اسم هذه الدولة الصغيرة مألوفًا على نحوٍ مزعج.”
“يكفي أنّكِ لم تُصابي. بل وقدّمتِ مساعدةً كبيرة في الوقت المناسب.”
كلّ هذا كان بفضل الحظّ.
أخرجتُ بعض الأدوية الطارئة من حقيبتي ووزّعتها على من احتاجها.
ومضى قليلٌ من الوقت.
“يمكننا التحرّك إلى القرية الآن!”
“لننطلق!”
“الأطفال مُرهقون، من لديه القوّة فليحملهم!”
وأخيرًا، أصبح بإمكاننا العودة إلى القرية.
وبعد عودتنا قدّم أهل القرية لنا طعامًا وهدايا مصنوعة من الخشب تعبيرًا عن امتنانهم.
“يا إلهي، ما هذا؟”
كانت قطعة خشبيّة دائريّة منقوشة، تُشبه بطاقةً صغيرة، ويتدلّى منها عقدةٌ من خيوطٍ ملوّنة منسوجة بإتقان.
“هذا زينة يحملها المتحولين منذ القدم كرمزٍ للحظّ. كنّا نودّ تقديم شيءٍ أفضل، نعتذر.”
“لا، بالعكس. أعجبني كثيرًا.”
ابتسمتُ لتانيا شاكرةً.
سيبدو جميلًا إن عُلّق في الحقيبة.
وبجواري، صافح رئيس القرية الدوق الأكبر.
“متى احتجتم إلى المساعدة، سنلبّي دون تردّد.”
كان مير قد التقى بتوم العائد إلى القرية، وسرعان ما أصبحا صديقين، وبحلول وقت الاستعداد للمغادرة، كانا يتبادلان الودّ.
“لنلتقَ مرّةً أخرى ونلعب.”
“نعم، أحبّ ذلك.”
“أتمنّى أن تجد أمّك!”
* * *
رافقنا ليمن في الطريق.
قال إنّ الأمر لا بأس به، لكنّه توسّل أن يرافقنا حتّى الطريق الممهّد بسبب وعورة التضاريس وكثرة المنحدرات.
وفي النهاية، وافقنا.
“وصلنا. شكرًا لإرشادك.”
وعند نهاية الطريق، وبينما كنّا نودّعه، تردّد ليمن ثم سأل:
“أم… هل يمكنني لاحقًا أن أزوركِ في وسط مدينة الشمال؟!”
أوه، تلعثمَ، ضحكتُ وأومأتُ برأسي.
“إن كنتَ أنتَ، فأنت مرحّب بك دائمًا.”
“إذًا… العنوان…”
“نوروند، شارع 71، رقم 1-1.”
تدخّل الدوق الأكبر فجأة وأجاب.
مهلًا، هذا عنوان قصر دوق ديهارت!
“إذا جئتَ إلى هنا، سترى الوجه الذي ترغب برؤيته.”
“آه…….”
نظر ليمن إلى الدوق الأكبر بنظرة غير راضية، لكنّه ارتعد قليلًا تحت نظرته الباردة، ثم عاد لينظر إليّ.
“و… لديّ شيء أودّ قوله!”
“ما هو؟”
“اسم… ليمن… ليس صحيحًا.”
“هاه؟!”
أيعقل أنّني كنت أنادي صديقي باسمٍ خاطئ طوال هذا الوقت؟!
“إذًا ما اسمك؟!”
“أنا… لـ—”
“بطيء في الكلام.”
“هيك— ليرمين!”
رغم تدخّل الدوق في المنتصف، هذه المرّة سمعت الاسم بوضوح.
أجبتُ بوجهٍ مشرق:
“حسنًا! ليرمين! سأتذكّره جيّدًا!”
“لا… آه… لا. شكرًا لكِ، إيرين.”
ضحك مير، الذي كان في هيئة قطّ بين ذراعي بحجّة ألم ساقيه، ضحكةً مكتومة.
وحتى الدوق الأكبر، لسببٍ ما، ابتسم بخفّة.
“حسنًا، ليرمين، علينا أن نذهب الآن فعلًا. إلى اللقاء!”
“نعم…….”
انحنى ليرمين مودّعًا، ثم عاد أدراجه بخطواتٍ واهنة وكتفين متدلّيتين.
قال إنّه لا يوجد من هم في مثل عمره في قرية المتحولين.
ولو لم يكن أحدٌ، لكانت حياتي في الشمال موحشةً أنا أيضًا.
حينها توقّف ليرمين فجأة، واستدار، ثم جمع يديه عند فمه ونادى بعزم:
“إيرين……! في الحقيقة، أنا منذ أوّل مرّة رأيتكِ، أ، أ!”
غطّى الدوق الأكبر أذنيّ بكلتا يديه.
لم أرَ سوى حركة شفتي ليرمين.
وبعد أن انتهى من الصراخ، رفع الدوق يديه أخيرًا.
كان ليرمين قد احمرّ وجهه بشدّة، ثم ركض مبتعدًا مسرعًا.
نظرتُ إلى الدوق الأكبر بوجهٍ متجهّم.
“ما هذا فجأة؟ لم أسمع شيئًا ممّا قاله.”
“بدوتِ وكأنّ أذنيكِ باردتان، فأردتُ تدفئتهما.”
“ماذا قال ليرمين؟”
“قال: اعتني بنفسكِ في الطريق.”
آه. يا له من صديقٍ لطيف.
“من أين لكِ صديقٌ كهذا.”
“ولِمَ لا؟”
“لا يعجبني.”
تجاهلتُ تقلّباته الغريبة، وهززتُ كتفيّ ومضيت.
لقد انتهى سبب زيارته إلى هنا، ولم يبقَ سوى هدفي أنا.
لم يكن من المفترض أن تطول الرحلة إلى هذا الحدّ.
لكنّ الحياة، فعلًا، لا تسير أبدًا كما نخطّط لها.
التعليقات لهذا الفصل " 56"