كانت ليفي الشخصَ الوحيد الذي يعرف مواقعَ الوحوش بدقّة.
بالطبع، بدا أنّ الدوقَ الأكبر كان ينوي استخدامَ طريقته الخاصّة في التتبّع، لكن كما قال، كان التوقيت مناسبًا فعلًا.
“من الجيّد أنّنا نستطيع معرفة الموقع بدقّة.”
عندما توجّهنا إلى منزل رئيس القرية، كانت ليفي قد فتحت عينيها للتوّ، ورفعت جسدها العلوي لتجلس.
تحدّث أهلُ القرية إليها بأصواتٍ مفعمة بالفرح.
“ليفي! هل عدتِ إلى وعيكِ؟”
“كيف حالكِ؟ هل تتعرّفين علينا؟”
أومأت ليفي برأسها ببطء.
كانت عينا العجوز تلمعان بدموع الفرح.
وحين وقع نظرُ ليفي علينا، نحن الغرباء، قام الشيخ بتقديمنا لها.
“هؤلاء هم الأشخاص الطيّبون الذين ساعدوا في علاجكِ.”
“هل تتذكّرين موقعَ مقرّهم؟”
كان سؤالُ الدوق الأكبر مباشرًا، أطلقه بلا أيّ مجاملات، فشهق الناس لا إراديًّا.
شدّت ليفي الغطاء بيدها، وقد ارتسم على وجهها حزنٌ كأنّ ذكرى سيّئة عادت إليها.
لكنّها سرعان ما فتحت فمها وتكلّمت.
“سنذهب للعثور عليهم. الآن فورًا.”
“……أتذكّر. لحظة واحدة فقط.”
حرّكت ليفي يدها المرتجفة قليلًا، وابتلعت ريقها مرّة أخرى.
كانت ليفي صغيرةَ السنّ، لكنّها قويّة.
أخذت الفتاة أنفاسًا عميقة عدّة، ثمّ بدأت تسترجع ذكرياتها وتتحدّث ببطء.
“ليس المكان بعيدًا جدًّا كما تظنّون. لكن من الصعب شرحه بالكلام…….”
أخرج أحدهم بسرعة خريطةَ تضاريس وبسطها أمام ليفي.
أشارت ليفي بإصبعها إلى الخريطة.
“هنا، إذا سرتم على طول الوادي، ثمّ انعطفتم يمينًا بمحاذاة الغابة، ستجدون كهفًا بين صخرتين كبيرتين.”
“لم أكن أعلم أنّ هناك طريقًا هنا.”
تابعت ليفي حديثها وهي تستعيد ذكرياتها.
“لكنّه لم يكن كهفًا عاديًّا.”
“ليس كهفًا عاديًّا؟”
“لقد أُمسك بنا فعلًا من قِبَل الوحوش…… لكن عندما أفقنا، كنّا محتجزين في مكان يشبه الأقفاص الحديديّة. وكانت هناك أشياء لامعة أيضًا.”
“منجم.”
خرجت الكلمة من فمي دون وعي.
هذا ليس كهفًا عاديًّا. إنّه منجم.
تذكّرتُ الرموز المنقوشة سابقًا في المنجم.
المثلّث كان يرمز إلى المعادن، والخطّ إلى التجارة غير الشرعيّة، أمّا الدائرة فكانت تعني…….
“الاتّجار بالبشر.”
أومأ الدوق الأكبر برأسه موافقًا على كلامي.
هذا يعني أنّ وراء الحادثة أشخاصًا.
لم تكن مجرّد فوضى تسبّبت بها الوحوش، بل حادثة اختطاف بتدخّل بشريّ.
“كان هناك متحولون آخرون غيرنا. وحين علموا أنّني متحولة متخطفة حديثًا، ساعدوني على الهرب.”
زاد كلامُ ليفي من مصداقيّة احتمال الاتّجار بالبشر.
رفعت ليفي نظرها إلى الدوق الأكبر بعينين متوسّلتين.
“أرجوك، أنقذوهم أيضًا.”
“سنبذل جهدنا.”
حدّق الدوق الأكبر في خريطة التضاريس التي أشارت إليها ليفي.
ثمّ بحث عن قلم، ووضع علاماتٍ على عدّة نقاط قريبة، ولفّ الخريطة وحملها.
“ليستعدّ من سيذهبون معنا. سننطلق فور اكتمال الاستعداد.”
—
“أنا! أنا أيضًا سأذهب!”
صرخ مير وهو يتبع كايل.
“كلام فارغ.”
“حتى الآن لم أكن عائقًا، أليس كذلك؟”
“هذا مختلف.”
توقّف كايل فجأة.
فاصطدم مير بظهره ارتطامًا خفيفًا.
“إن كانت أمّكِ هناك، فسأتولّى الأمر بنفسي وأُعيدها، فلا تلحّ.”
فرك مير أنفه المحمرّ وسأل.
“حقًّا؟”
“نعم.”
“لا تنسَ!”
لوّح كايل بيده بلا مبالاة، ثمّ واصل السير.
كان ذاهبًا للاستعداد لحملة الاستطلاع.
رفع كايل رأسه ونظر إلى السماء.
انتهى الفجر الطويل، وبدأت شمسٌ باهتة تشرق في سماءٍ ما تزال تتساقط منها الثلوج.
—
بدأت العاصفة الثلجيّة التي استمرّت طوال الليل تهدأ تدريجيًّا، ولم يعد هناك ما يعيق الرؤية أو الحركة.
وعلى الرغم من أنّه طريقٌ نمرّ به للمرّة الأولى، فإنّ الدوق الأكبر كان يجد المسار دون صعوبة.
كان يزيح العوائق بنفسه إن وُجدت، ويختار الطريق الأقلّ استنزافًا للطاقة حتّى لو كان الاتجاه واحدًا.
وحين رأى دهشتي، أشار إلى آثارٍ صغيرة على الأرض.
“إذا دقّقتِ النظر، سترين آثار أقدام الحيوانات الصغيرة.”
“صحيح فعلًا.”
“لا أحد يعرف الجبال أفضل منها، فنحن نستعير معرفتها.”
قرّرتُ الانتظار مع الدوق الأكبر وأهل القرية في مكانٍ آمن، على مسافةٍ من الموقع الذي وصفته ليفي.
قالت ليفي إنّه لا يوجد مصابون بجروحٍ خطيرة، لكن لا أحد يعلم ما الذي قد يكون حدث في هذه الأثناء.
وبما أنّ القرية تقع في مكانٍ مخفيّ أسفل الوادي، فلم تكن لديهم سوى بعض الأعشاب والمراهم الأساسيّة، وكان نقل المصابين من مقرّ الوحوش إلى القرية دون إسعافٍ أمرًا صعبًا.
لهذا قرّرتُ الذهاب معهم لأنّني أحمل الأدوية.
“سننصب خيمة هنا، انتظري فقط.”
“نعم.”
نصب الدوق الأكبر خيمةً غير ملفتة في نقطةٍ كان قد راقبها مسبقًا.
بقيتُ هناك مع شابٍّ من المتحولين.
التفت الدوق الأكبر إليه، وحذّره بصوتٍ بارد.
“إن حدث شيء لإيرين، انسحب فورًا إلى القرية ودع الإنقاذ و—”
“اذهب بسرعة. أسرع. هذا الشاب سيحميني جيّدًا، أليس كذلك؟”
“نعم؟ آه، نعم!”
من المؤكّد أنّه كان على وشك قول تهديدٍ من نوع ‘سأبيد القرية’.
طمأنته بأنّ الأمر على ما يرام، ودفعته من ظهره ليتحرّك.
ولم أنسَ أن أضع في يده قارورةَ تعافٍ واحدة.
* * *
“شِشّ.”
أشار كايل إلى من خلفه.
المقصود: انتبهوا حتّى لأنفاسكم.
كانت الوحوش على مقربةٍ شديدة.
كان الوصول إلى الكهف أمرًا جيّدًا، لكن الطريق انقسم إلى فرعين، فاضطرّ كايل وغرين إلى تقسيم الفريق.
رغم إصابة كتفه، فهو قائد الحرس، ولا بدّ أنّه يعرف كيف يقود الناس.
“انتظروا الإشارة.”
وصل كايل إلى المكان الذي توجد فيه الوحوش.
هذا يعني أنّ غرين توجّه إلى حيث المتحولين المحتجزون.
‘بل هذا أفضل.’
انقسام المكان بهذا الشكل دليلٌ واضح على وجود من يتحكّم بالوحوش من الخلف.
ألقى كايل خنجره بسرعة نحو سقف الكهف فوق رأس الوحش مباشرة.
طَقّ!
سقطت صخرة كلسيّة كبيرة بعد أن ارتطمت بالخنجر، وتحطّمت فوق الوحش.
غراااه.
كما توقّعت، هناك شيء غير طبيعي.
فالوحش العاديّ يهاجم فورًا ردًّا على أيّ اعتداء، لكن هذا الوحش اكتفى بهزّ رأسه، ثمّ نظر إلى السقف ليتحقّق ممّا هاجمه.
‘لديه ذكاء؟’
بل الأصحّ، أنّه جرى التلاعب به ليبدو كذلك.
ليس تحكّمًا كاملًا، لكن هناك ما يتصادم مع غريزته.
والأغرب أنّ الوحش المجاور، رغم أنّه لم يُهاجَم، نظر هو الآخر إلى سقف الكهف.
كاد كايل يضحك بسخرية، لكنّه كتمها.
فالوحوش، بطبيعتها، تنشأ من طاقة الأرض الشريرة، وهي كائنات خبيثة تحمل سمًّا غريبًا.
إنّها كائنات حيّة، لكن لا يمكن التواصل معها.
وليس هذا فقط.
فقد لاحظ نقشًا لامعًا خلف رقبة الوحش.
ذلك الذي ظهر على وحوش القرية كان باهتًا ورقيقًا، فظننّاه جرحًا، لكن الآن أصبح الأمر واضحًا.
‘إنّه نفس النقش الموجود داخل جوهرة السيّدة أوستر.’
تلك الجوهرة التي استُخدمت لفتح باب القبو في بيت أوستر.
وبذلك، لا يمكن إلّا أن يخطر في البال إقليم إلنورت الصغير.
أناسٌ يعيشون على الطمع، يرتكبون شتّى الجرائم بالاعتماد على اللعنات السحريّة.
لقد امتدّت أيديهم أعمق في كالديا ممّا توقّعت.
‘ثمّة قوّة كبيرة تدعمهم.’
من يكون؟
أيّ نبيلٍ قد يفعل هذا؟
مرّت في ذهن كايل عدّة وجوه.
هل تستطيع عائلة واحدة فعل هذا كلّه؟
وفجأة، خطر له عدوٌّ قديم.
‘العائلة الإمبراطوريّة؟’
قد لا يكون ذلك صحيحًا.
لكن الاحتمال موجود.
بل هو احتمالٌ كبير.
مجرّد تأكيد الشكوك التي راودته كان بحدّ ذاته مكسبًا.
حفظ كايل في ذهنه الكلمات التالية: إلنورت، اللعنات، العائلة الإمبراطوريّة.
قرّر أنّ القضاء على الوحوش الآن هو الخيار الأفضل.
فبعد إنقاذ المتحولين ، لا معنى لتركهم يُختطفون مرّة أخرى.
ثمّ إنّه، مهما كان الداعم من الخلف، لا يرغب في ترك هذا الأصل القيّم الذي ربّوه بعناية.
رفع كايل يده اليمنى، وأشار إلى من خلفه.
عدّ ثلاث ثوانٍ.
“الآن!”
* * *
في مكانٍ أخر
“أبي؟”
“توم!”
أمسك غرين بقضبان القفص، ومدّ يده من الفجوة ليمسك يد الطفل.
“هل أنت بخير؟ هل أُصبتَ في أيّ مكان؟”
“نعم…… أبي……”
“انتظر قليلًا. ابتعدوا جميعًا إلى الخلف.”
لاحظ غرين وجود متحولين آخرين داخل القفص، فأمرهم بالتراجع.
التعليقات لهذا الفصل " 54"