.:
الفصل 44
منذ الصباح الباكر، جاء بون بون يطير حاملًا أخبارًا سارة.
كنتُ مستلقية بتكاسل، أفتح الرسالة بلا اهتمام، لكنّني ما إن قرأتُ محتواها حتى انتصبتُ جالسةً دفعةً واحدة.
“هاه!”
“لماذا؟ ما الأمر؟”
ثم صرختُ بسعادةٌ غامرةٍ على أخيَ.
“المال…! المال…! المال عاد!”
كان مضمون الرسالة يُخبر بأنّ مزاد قصر وأسهم عائلة أوستر قد انتهى، وأنّ تعويضات الضحايا بدأت تُصرف.
وفوق ذلك، بفضل المستندات التي أعددتُها بعناية، تمّ إدراجي كإحدى المستفيدات ذات الأولوية القصوى.
[يبدو أنّ تعويضاتك ستُودَع في حسابك البنكي بعد ظهر اليوم. تهانينا.]
“لن أموت جوعًا بعد اليوم!”
“من يراكِ هكذا سيظنّ أنّكِ فقدتِ كل شيء ثمّ نَهضتِ من جديد.”
عادةً، عندما يستعيد المرء شيئًا فقده، تكون سعادته أعظم من سعادته حين كان يملكه أصلًا.
رفعتُ قبضتَيّ عاليًا في الهواء وصرختُ بفرحٍ شديد.
وداعًا للأيام العصيبة التي عانيتُ فيها!
[بما أنّ السيدة الصغيرة بذلت جهدًا كبيرًا، فقد أعددتُ مكافأة إضافية على شكل تعويض خاص. من الأفضل أن تأتي إلى القصر لتتسلّميها بنفسك.]
“يبدو أنّ دوق كايل ديهارت صاحب نوايا كبرى فعلًا.”
استعدتُ مالي، وحصلتُ على مكافأة إضافية أيضًا. ربما أشتري بعض الوجبات الخفيفة أو الألعاب للقطط في طريقي.
“كيف عرف أنّ قطّتي تحبّ المال حتى يُغويها به؟”
“أما زلتِ هنا يا إد؟”
“سأغادر الآن.”
عندما قال إدريان ذلك، نهضتُ عن الأريكة لأرافقها، وابتسامةٌ واسعة لا تفارق وجهي.
عند البوابة، أمسكتُ طرف فستاني ورفعته قليلًا وأنا أودّعهم بلطف.
“إخوتي الأعزاء، هيهي، انتبهوا في طريقكم الطويل. هيهي.”
“أخي، هل نأخذ إيرين معنا؟ في العاصمة أطباء مهرة كُثر.”
كانت قضية المنجم قد انتهت، والفوضى التي تلتها هدأت إلى حدٍّ ما، لذا كان عليهم العودة إلى العاصمة.
قال سيلفير إنّ جبالًا من التقارير تنتظره هناك.
‘لن أعيش حياةً مثل تلك أبدًا!’
ابتسمتُ له ابتسامةً مشرقة. تشجّع يا سيلفير!
ربّت سيلفير على كتفي بيده الكبيرة ثمّ قال لإدريان:
“لن يُشفى هذا الأمر في يومٍ أو يومين. الأفضل أن تستمرّ في النقاهة في الشمال.”
“معك حق.”
ضحك إدريان بخفّة وهو يعبث بشعري:
“لا تسبّبي المشاكل، ولا تمرضي.”
“متى سبّبتُ المشاكل أصلًا؟”
“الشتاء لم ينتهِ بعد، ستكون هناك موجة بردٍ جديدة. لا تهملي نفسك وارتدي جيدًا.”
كان في الشمال فصل ربيعٍ أيضًا، وإنْ كان بالنسبة لأهل العاصمة يبدو أقرب إلى بدايات الشتاء.
وطبعًا كانت هناك موجات بردٍ مفاجئة، حيث تشتدّ العواصف الثلجية ويهبط البرد فجأة كما في منتصف الشتاء.
“لقد عشتُ في الشمال طوال حياتي، لا تقلق.”
أصلحتُ شعري الذي بعثره إدريان، ولوّحتُ بيدي بلا مبالاة.
“يؤسفني أننا سنغادر دون أن نودّع والدنا. بلّغي له سلامي يا إيرين.”
“حسنًا.”
كان والدي في رحلة عمل إلى برج السحر، وقد طال غيابه أكثر من المتوقع بسبب مفاوضاتٍ متعثّرة تتعلّق بحجارة الحاجز السحري التفاعليّة.
لو علم بالتفصيل ما حدث لي، لترك عمله وعاد فورًا… لكنني اكتفيتُ بابتسامةٍ محرجة.
على أيّ حال، سأراه في الربيع القادم خلال حفلة ظهوري الرسمي ، لذلك لا بأس.
‘أوه! صحيح! الديبوتان!’
أمسكتُ باب العربة قبل أن يُغلق فجأة.
اتّسعت عينا إدريان دهشةً وهو يمسك بيدي سريعًا:
“احذري! كدتِ تؤذين نفسكِ. ألا يمكنكِ أن تكوني أكثر حذرًا؟”
“إد! سترافقني كوصيّ في ظهوري الرسمي، أليس كذلك؟”
خلال الحفلة السابقة، عندما رقصتُ قليلًا، أدركتُ أمرين مهمّين:
أولًا، يجب أن أصلح مستواي المريع في الرقص خلال المدة القليلة المتبقية.
ثانيًا، عليّ أن أتمرّن مع شخصٍ ماهرٍ في الرقص، يمكنني أن أدهس قدمه بلا تردّد.
ولا أحد يحقّق هذين الشرطين سوى إدريان.
نظر إليّ بتوجّسٍ وقال:
“ألا يوجد شخص آخر تذهبين معه؟”
“همم؟ لا، لا يوجد.”
ضمّ ذراعيه ونظر إليّ من أعلى إلى أسفل وكأنّه يشكّ في كلامي.
“وماذا ستفعلين بعد أن نغادر؟”
“سأزور قصر الدوق ديهارت لأرى القطط.”
“…أنتِ حقًا لغز.”
“ما الغريب في ذلك؟”
هزّ رأسه متنهّدًا ثمّ عبث بشعري من جديد.
“حسنًا، كما تشائين.”
“يا سلام!”
ثمّ نطق سيلفير، الذي كان يراقبنا بصمت، كما لو تذكّر شيئًا:
“هل بدأتِ في تجهيز فستانكِ؟”
“هاه؟”
ساد صمتٌ قصير.
“ربما أبدأ الآن…؟”
عندماَ يكون البيت خاليًا من النساء تقريبًا، كنا دائمًا متأخرين في أمورٍ كهذه. فابتسمتُ بخجلٍ وقلت:
“آه، أعتقد أنّ هانا تهتمّ بذلك…”
هل سأذهب إلى العاصمة وأنا أبدو كالمتشرّدة؟
* * *
“لقد حجزتُ موعدًا في أشهر متاجر العاصمة، يا آنستي!”
“هانا، أنتِ حقًا الأفضل!”
أطلقتُ تنهيدة ارتياح وأنا أربّت على صدري.
على الأقلّ لن تُلطَّخ سمعة عائلة فرومروز بسبب إهمالي.
لكن سرعان ما ارتسم القلق على عيني هانا اللامعتين.
“مع ذلك… رغم أنني سارعتُ في الحجز، قيل لي إننا تأخّرنا قليلًا. الجدول مزدحمٌ جدًا، ولن يكون لدينا متّسع كبير من الوقت…”
“لا بأس، يمكنني ارتداء أيّ شيء. لدينا متاجر في الشمال أيضًا.”
“مستحيل! الجوّ والعادات في الشمال تختلف تمامًا عن العاصمة. هل ستُرقصين بفستانٍ طويلٍ من المخمل الثقيل وتذوبين من الحرّ؟!”
قبضت هانا على قبضتيها بحزم، وصوتها امتلأ بالإصرار.
“الوقت! والمكان! والمناسبة! يجب أن يتناسب الفستان مع كلّ ذلك تمامًا!”
“حتى لو كان كلّ شيء مثاليًا، أنا نفسي لستُ مستعدة بعد…”
“نحن أبطأ فريقٍ في التقدّم أصلًا!”
أخفضت هانا كتفيها بحزن، لكنها سرعان ما استجمعت عزيمتها من جديد:
“لكن طالما لم يحدث أمرٌ طارئ، فسننتهي في الوقت المحدّد!”
“هذا مطمئن فعلًا.”
لقد انتهت قضية المنجم التي أتعبتني كثيرًا، ولن تكون هناك مشكلات أخرى.
ومع ذلك، رغبتُ في طمأنتها أكثر، فرفعتُ شعري الأيمن إلى الخلف برشاقة وقلت مبتسمةً بثقة:
“لكن يا هانا، لا تقلقي. أنتِ تعلمين أنني أبدو جميلة في أيّ شيء أرتديه.”
“إلاّ الألوان الباردة الشتوية. لا تليق بكِ إطلاقًا.”
“هاه، ما زلتِ تذكرين ذلك!”
تبادلنا ضحكةً خفيفة.
ثمّ جمعت هانا شعري برفقٍ إلى نصف كعكة وزيّنته بشريطٍ كبيرٍ من الحرير.
“كما قلتِ يا آنستي، تبدين جميلةً في أيّ حال.”
“أنتِ دائمًا تقولين إنني الأجمل يا هانا.”
“لأنها الحقيقة.”
أحيانًا أشعر وكأنني قنفذٌ صغير مدلّل داخل هذا القصر. ولهذا أحبّ البقاء فيه إلى الأبد.
“كلّ شيء سيكون بخير يا آنستي، طالما لا تقولّين أشياء غريبة! آه، لكن عليكِ التدرب قليلًا على الرقص. ماذا لو استعنتِ بأحدٍ ما؟”
“ربما أبحث عن معلّم رقص؟”
“ذلك جيّد، لكن سيكون من الأفضل أن تتدرّبي مع شريكٍ حقيقي أيضًا!”
لم يكن هناك سيلفير أو إدريان في القصر، فماذا أفعل؟
توقّفتُ لحظة أفكّر، ثمّ صِحتُ أنا وهانا في الوقت نفسه:
“مثل دوق ديهارت!”
“مثل دوق ديهارت!”
“أو يمكنني أن أطلب من أبي عندما يعود!”
سيعود قريبًا، لذا يمكنني طلب مساعدته. أومأتُ برأسي مقتنعة، فتنهدت هانا بعمق.
نعم، بدا أنّها استسلمت للأمر تمامًا.
“آنِسَتي، أَخشى ألّا أَعيشَ طَويلاً لِأَراكِ تتَزوَّجين.”
“هانا، دَعينا نَعيشُ مَعًا في هذِهِ المَنزِل سَعيدتَين إلى الأبد.”
إنْ لَمْ تُرِدْ هانا ذٰلِكَ فَلا حِيلةَ لي، وَلٰكِن…
بالرغم مِن كَلامي، لَمْ تَستَسلِم هانا، بَل سَألتْ بِعَينَين لامِعتَين:
“لَكِن آنِسَتي، أَلا يُوجد لَديكِ أَيُّ ميلٍ تُجاه الدوق ديهارت؟”
“هُمم، لَا أَعرِفُ.”
لَا أَفهَمُ لِماذا يُحاوِلونَ مُنذُ البِدايَة إقراني بِالدوق. أَنا بالنِّهايَة مِثلُ مُوظَّفٍ صَغيرٍ يَعمَلُ تَحتَ قائِده فَقَط.
“يا لَلْخُسارَة~ إِذًا عَلَى الأَقل شاهدي بِنَفسِك في حَفلِ تَقديمِك للمُجتَمَع. من يَدرِي، رُبَّما في العاصمة رَجُلٌ يُناسِبُ ذَوقَك!”
“أتُرَينَ ذٰلك؟”
“نَعم! وَلَكِن آنستي، ما نَوعُ الرَّجُل الَّذي يُناسبكِ؟”
الرَّجُلُ المُناسِب؟ حَسَنًا…
نَظرتُ إلى هانا ذاتِ العَينَينِ المُتلألئتين، وإلى الأخَرِينَ الَّذينَ يُحاوِلونَ التَّظاهُرَ بِأنَّهُم يُنظِّفونَ الغُرفَ وَلكنَّ آذانَهُم مُصغِيَةٌ لِكُلِّ كَلِمَة.
فَضحِكتُ بِصَوتٍ خافِت.
أَيعقَلُ أَنَّ هٰذا الأَمرَ يُثيرُ فُضولَهُم إلى هٰذه الدَّرجة؟
“هُمم… أَوَّلًا، عَلَيهِ أَن يَكونَ طيِّب القلب وَذو ابتِسامَةٍ جَميلَة.
بارِعًا في الرِّياضَةِ وَالعُلوم، لٰكِن لَيسَ لديه أَصدقاءُ كُثُر، لينظرَ إِليَّ أَنا فقط.
وَمَعَ ذٰلِك، عليه أَن يكون ذا لِباقةٍ اِجتماعيَّة. آه! وَأَيضًا، رائِحَتُهُ يَجِبُ أَن تَكونَ طَيِّبَة.”
“يا إِلهي، آنِسَتي… لا أَظُنُّكِ سَتَتَزَوَّجِينَ أَبدًا.”
“لَا! سَيَكونُ هُناكَ مِثلُهُ! مِثلاً—”
طَرقٌ خَفيف.
“آنِسَتي، إِنَّهُ أَلفريد.”
في التَّوقيتِ نَفسه طَرق البوابُ الباب، فَأَطلقت الخادماتُ الَّلاتي كُنَّ في الغُرفةِ أَنفاسًا مُتَذَمِّرَة.
يَبدو أَنهنَّ لَم يُعجِبهُنَّ تَدخله في هٰذا اللّحظة الحَرِجَة، فَصارت أَيديُهُنَّ تَنظُفُ بِقَسوةٍ أَكثَر.
لَا يُمكِنُ طَبعًا أَن أعنف البوابَ، فَقُلتُ بِهدوءٍ:
“تَفَضَّل بالدُّخول.”
“آنِسَتي، السيدُ قَد عاد.”
“أَبي؟! وَلَكِنَّهُ قالَ إِنَّهُ سيتَأَخَّرُ أَيامًا أُخرى!”
لِذٰلكَ عادَ أَخوَيَّ صَباحًا.
لَو عَلِمتُ بِأَمرِ عَودَتِه، لَرَغِبتُ في أَن يَنتَظِرا قَليلًا.
أَسرَعتُ أَنظُرُ مِنَ النافذة نحوَ عربة العائلَة، ثُمَّ نَزَلتُ مُسرِعَةً إلى الطّابِقِ الأَوَّل.
“أبي!”
“إيرين! يا فَتاتَي الجَميلَة!”
جَرَيتُ نَحوهُ وَعانقتُهُ فَورَ نُزولِه مِنَ العرية.
مَعَ أَنَّ وُجود أَخواي خفَّفا وَحدَتي، إِلّا أَنَّني كُنتُ أَشتاقُ لِحُضنِه الدّافِئ وَتَربيتِهُ الهادئه كُلَّما مَررتُ بِمكتَبِه.
“قُلتَ إِنَّكَ سَتَتَأَخَّرُ، فَما الَّذي جَعَلَكَ تَعودُ مُبَكِّرًا هٰكذا؟”
لَا تَكُنْ قُلتَ إِنَّكَ اشتَقتَ إِليَّ؟!
سَألتُهُ بِابتِسامَةٍ مرحة، وَلٰكِنَّ الوجه الَّذي رأيتهُ كَانَ يحمِلُ قَليلًا مِنَ الارتِباك.
غَريب، هٰذا لَيسَ ما تَوقَّعتُه.
“في الحَقيقَة، إيرين… هُناكَ أَمرٌ أُريدُ مُناقشتهُ معكِ.”
“نَعَم؟”
“عَلَيكِ أَن تَذهَبي إِلى بُرجِ السِّحرِ لفترة…”
“ماذا؟!”
التعليقات لهذا الفصل " 44"