عند طلب القاضي، رطّب البارون أوستر شفتيه بالماء الذي أمامه ثمّ تقدّم إلى المنصّة.
كانت يداه مشدودتين إلى قبضتين، لا يستطيع إخفاء توتّره.
“أيّها البارون، أنت متّهم بالتخابر مع دولةٍ أجنبيّة، وخداع أبناء الإمبراطورية لتحقيق مكاسب شخصيّة. هل تعترف بذلك؟”
“أنا مظلوم!”
صرخ البارون بصوتٍ عالٍ.
“كلّ ما فعلتُه كان من أجل الإمبراطورية! لقد خاطرتُ بنفسي وسرتُ في المقدّمة لإنقاذ اقتصاد الشمال، فكيف تُهينونني بهذا الشكل؟!”
“تكلّم بدقّة.”
قالت القاضية “إيفيت”، التي كانت جالسة في الجهة اليمنى، وهي ترفع نظّارتها ببرودٍ واضح.
“العاطفة ليست مقياسًا للحكم.”
تجمّد فم البارون للحظة، ثمّ مسح عرقه البارد من على جبينه وفتح فمه بصعوبة.
“لقد سعيتُ فقط إلى توسيع الاستثمار في موارد الشمال، لتقوية اقتصاده. أمّا الادّعاء بأنّني محتالٌ، فهذا باطل! فالأعمال التجاريّة دائمًا تسير على هذا النحو!”
“ها هي سجلاتك المزوّرة.”
ما إن أنهى كلامه حتى قدّم المسؤول أوراقًا جديدة إلى القضاة.
“إنّ تلك الوثائق حقيقيّة! لقد أجريتُ الصفقات رسميًّا وفق الإجراءات!”
“لكنّنا نملك تقريرًا من إدارة المناجم يثبت أنّ الحبر المستخدم في توقيعك لا يحتوي على الكلس، وأنّ السطح غير محفور كما في الأختام الأصلية، ولا توجد طبقة عازلة للماء كما يُفترض في الوثائق الموثّقة. أي إنّها ليست أوراقًا رسمية.”
مدّ القضاة أصابعهم ولمسوا مكان التوقيع.
“صحيح، لا يُحَسّ بأيِّ بروزٍ تحت الأصابع.”
ثمّ قارنوا بين ورقتين وقال أحدهم:
“انظروا، حتى اسم المنجم تغيّر في منتصف السطر.”
بدأت ملامح الارتباك ترتسم على وجه البارون.
لقد زوّر الوثائق، لكنه لم يكن يعلم بوجود تلك الطرق الدقيقة لكشف التزوير.
“ليس الاحتيال والاختلاس فقط، بل تُواجه أيضًا تهمة التآمر للتمرّد، أليس كذلك؟”
“تمرّد؟! كيف يُمكن أن يُفسَّر تعاوني مع تجّارٍ أجانب بهذه المبالغة؟!”
“تمّ العثور على متفجّراتٍ أجنبيّةٍ في المنجم الذي تمّ تفجيره.”
“لا علمَ لنا بذلك!”
ألقى المسؤول مجموعةً أخرى من الملفات على الطاولة.
كانت تحوي سجلاتٍ ماليّة تُظهر اختفاء كميّاتٍ من المعادن، وتطابقها مع مجوهراتٍ بيعت في مزاداتٍ سرّيةٍ نظّمتها عائلة أوستر.
“هذه السجلات وُجدت في مكتبة القصر وقبوِه، وقد تمّ التأكّد من أنّ خدم العائلة هم من رتّبوها.”
“انتظروا لحظة!”
التفت الجميع نحو مصدر الصوت.
كانت السيّدة أوستر قد وقفت بغضب.
“وجود أدلّة لا يعني أنّها الحقيقة المطلقة.”
رفعت رأسها بشموخٍ وادّعت بثقةٍ مصطنعة:
“كلّ تلك السجلات كان الخدم هم من يُديرونها، فربّما يكونون هم المسؤولين عمّا جرى!”
كان كلامها غير منطقيّ.
كيف يمكن لخدمٍ بسطاء أن يتواطؤوا مع دولةٍ أجنبيّةٍ لتفجير المناجم التي يملكونها؟
“أتقصدين أنّ زوجكِ لم يكن يعلم شيئًا من ذلك؟”
“نعم، هذا صحيح.”
تنفّس القاضي “ليام” بعمقٍ وهزّ رأسه متأفّفًا من وقاحتها.
وسألَتها القاضية “إيفيت”:
“مفتاح القبو الذي وُجدت فيه المجوهرات المفقودة كان متدلّيًا من أحد أحذيتكِ المرصّعة بالجواهر، أليس كذلك؟”
“هل تتوقّعون أن أتذكّر كلّ زوجٍ من الأحذية في غرفة ملابسي؟ ربّما استغلّه أحد الخدم!”
ضجّت القاعة بضحكاتٍ ساخرةٍ مكتومة، غير أنّ القاضي الشاب “مايسون” أمال رأسه قليلًا وقال بهدوء:
“في الواقع، هذا محتمل.”
سادَت لحظةُ دهشةٍ عامّة.
نظر القاضيان ليام وإيفيت إليه بقلق، بينما واصل هو كلامه بابتسامةٍ لطيفة:
“أعتقد أنّ في كلامها بعض المنطق.”
ابتسمت السيّدة أوستر بفخرٍ ورفعت ذقنها راضيةً عن كلامه.
لكنّ القاضي ليام رفع يده فجأةً لإسكات الحاضرين وقال بصرامة:
“حسنًا، كيف تفسّرون القبض على ابنكم ريمون أوستر متلبّسًا في المزاد غير القانوني؟”
“إنّه شابٌّ طيّب القلب، لقد خُدع من خدمٍ ماكرين.”
“هل لديكِ دليل؟”
أجابت بثقةٍ زائفة:
“أطلب استدعاء شاهدٍ لإثبات ذلك.”
وبمجرّد سماح القاضي، أُحضِرت خادمةٌ شابّة إلى المنصّة.
كانت ترتجف وهي تمسك بيديها أمام صدرها، وقد بان الخوف على وجهها اليافع.
“اذكري اسمكِ ووظيفتك.”
“أنا… أنا ليليا. أعمل خادمةً في بيت البارون أوستر.”
“وهل كنتِ متورّطةً في الأمر؟”
تردّدت قليلًا ثمّ أومأت وهي تبكي:
“نـ… نعم… أنا فعلتُ ذلك…”
“ولِمَ فعلتِه؟”
انهارت باكيةً وهي تقول:
“لديّ خمسة إخوةٍ صغارٍ يعتمدون عليّ! فطَمِعتُ في مال السيّد… أنا آسفة جدًّا!”
ساد الهمسُ في القاعة.
كانت كلماتها تبدو مرتّبةً بعناية كأنّها حُفِظت مسبقًا.
“بعد أن أُلقي القبض على سيّدي، أدركتُ ما اقترفتُه… لقد خُنتُ مَن أحسن إليّ… أنا نادمة!”
ابتسمت السيّدة أوستر برضا، وتبادلت نظرةً مع القاضي مايسون الذي بدا متفاهِمًا معها.
لكنّ صوتًا عميقًا قطع الصمت فجأة:
“شهادةٌ كاذبة.”
وقف كايل ديهارت، الدوق العظيم، وقال بهدوءٍ حادّ:
“هناك شاهدٌ آخر.”
فُتح الباب ودخلت امرأةٌ صغيرة القامة، خطواتها ثابتة وثقتها ظاهرة.
تقدّمت بلا تردّد ووقفت بجانب منصة الشهود.
“ماري!” صاحت ليليا وهي تتعرّف عليها.
قالت المرأة بصوتٍ قويّ:
“أنا الشاهدة الحقيقية.”
لقد كانت “ماري”، إحدى خادمات بيت أوستر.
“عملتُ هناك لسنواتٍ طويلة، خصوصًا تحت أوامر السيّدة أوستر.”
صرخت السيدة غاضبة:
“هذه خادمةٌ سرقت أموالًا من القصر وهربت! كيف تجرؤون على جعلها شاهدة؟!”
لكنّ ماري تجاهلتها تمامًا.
“لقد أجبرتني السيّدة على تنفيذ أوامرٍ خفيّةٍ طوال سنوات. وقد كنتُ مهدّدةً بعائلتي إن عصيتُ.”
حاول القاضي مايسون إيقافها قائلًا:
“توقّفي، الشهود غير المسجّلين لا يُسمح لهم بالمثول.”
لكنّ القاضي ليام قال بحزم:
“دعها تتحدّث، أسمح بذلك.”
واصلت ماري حديثها بثباتٍ لا يتزعزع.
“لقد استُبدلت ليليا بي بأمرٍ من العائلة بعد أن هربتُ. كانت مجرّد بديلة.”
ورغم نظرات الاحتقار التي تلقتها، فإنّها لم تخفض رأسها.
كانت تعلم أنّ الدوق ديهارت هو من وعدها بالحماية مقابل قول الحقيقة.
تذكّرت كلماته حين زار القصر ذات يوم:
“بيت أوستر سيسقط قريبًا. هل ستبقين معهم؟”
فقالت له:
“أنا خادمةٌ للبارون.”
فابتسم وقال:
“كنتِ كذلك، لا أكثر.”
أعطاها فرصة النجاة، ونقل عائلتها إلى مكانٍ آمنٍ خلال أيامٍ معدودة.
“لقد أرغمتني عائلة أوستر على البقاء معهم بتهديد عائلتي، واستغلّوني في أعمالٍ مشبوهة. لقد تبتُ عن ذلك.”
صرخت السيدة أوستر بغضب:
“ناكرةُ جميل! أطعمناكِ وأويناكِ!”
لكنّ ماري قالت بصرامة:
“لقد أُجبرتُ على التعاون معكم بسبب حاجتي للمال، لكنّي نادمة، وأقبلُ أيَّ عقوبة. غير أنّني أريد فضح الجرائم التي ارتكبها آل أوستر كي لا يعاني آخرون مثلنا.”
ثمّ نظرت إلى ليليا وقالت:
“ليليا، تلك العقود التي وقّعنا عليها كانت مزيّفة.”
“ماذا؟!”
“نحن لا نعرف القراءة، ولم يكن فيها أيّ بندٍ عن مساعدة عائلتنا كما وعدونا.”
شهقت ليليا وصرخت وهي تلتفت نحو سيّدتها:
“لقد قلتِ إنّكِ ستساعدين إخوتي إنْ قلتُ ما طلبتِه!”
كانت ترتجف من الغضب والخذلان.
تبادل القاضيان ليام وإيفيت النظرات.
“إذن استخدما مكانتهما النبيلة لابتزاز الخدم وإجبارهم على الشهادة زورًا.”
“بل وهدّدوهم بعائلاتهم. هذا جرمٌ آخر يُضاف إلى سجلّهما.”
أشار كايل إلى ماري، فأكملت بشجاعة:
“البارون أوستر لم يتعامل مع التجّار الأجانب فقط، بل تواطأ معهم لتحويل المناجم إلى ممرّاتٍ سريّةٍ لتهريب العبيد والنساء والأطفال. لقد كان يبيعهم مقابل المال.”
سادَ الصمت المروّع القاعة، وتردّد همسُ الفزع في كلّ زاوية.
“إنّ هذا الفعل لا يُهدّد الشمال فحسب، بل الإمبراطورية بأسرها.”
رغم ارتجاف أصابعها وجفاف شفتيها، تمكّنت ماري من إنهاء شهادتها بثبات.
ثمّ انحنت قليلًا وقالت:
“هذا كلّ ما لديّ.”
نهض القاضي ليام ببطء وقال بصوتٍ ثقيلٍ جليل:
“سنُصدر الحكم الآن.”
توقّف كلّ نفسٍ في القاعة.
“استنادًا إلى قانون العقوبات في إمبراطورية كالديا، المادة الثانية والأربعون، وقانون النبلاء، المادة السابعة، والقانون الجنائي، المادة التاسعة عشرة -“
“يُحكم على بيت البارون أوستر بتجريده من الشرف ومصادرة لقبه النبيل.”
“لاااااا!”
صرخت العائلة منهارةً على الأرض، والهلع يملأ وجوههم.
“كما تُصادَر خزائنهم لصالح الدولة، وتُباع ممتلكاتهم لتعويض الضحايا وفق البنود المعمول بها.”
“لا! هذا ظلم!”
“وتُحوَّل بقيّة أملاكهم إلى الدوقيّة الكبرى لتوزيع التعويضات على المتضرّرين.”
“الحمد لله…”
“سنستعيد أموالنا أخيرًا!”
انفجرت القاعة بالتصفيق والبكاء والفرح، بينما كان البارون وزوجته يصرخان في يأسٍ تام.
من المقاعد الخلفية، تبادلت إيرين وكايل نظراتٍ متبادلة.
ابتسمت إيرين له، وشكّلت بكلماتٍ صامتةٍ على شفتيها:
التعليقات لهذا الفصل " 43"