.:
الفصل 35
كانتِ الحفلة تقترب من نهايتها.
استمتع الناس بالطعام والشراب الجديد، وهم يتحدَّثون في مجموعاتٍ صغيرةٍ.
تغيَّر نوع الخمر من الخفيف والمنعش إلى النبيذ الثقيل والغنيِّ.
“هل تستمتعون بالحفلة، أيُّها السادة؟”
توقَّفتِ الموسيقى بإشارةٍ من ريمون أوستر الواقف في مقدِّمة القاعة.
تحوَّلتْ أنظار النبلاء الذين كانوا يتحدَّثون إليهِ.
“أردتُ استغلال هذهِ الفرصة لأعرِّفكم باختصارٍ عن مشروعٍ تُحضِّرهُ عائلة أوستر للربيع القادم، آمل ألَّا أكون قد أفسدتْ متعتكم.”
انحنى ريمون أوستر بزاوية تسعين درجةً بطريقةٍ مبالغٍ فيها.
ضحك النبلاء بخفَّةٍ.
“كما تعلمون، خلال العام الماضي، ابتعدتْ عائلة أوستر عن النقل التقليديِّ وافتتحتْ طريقًا بحريًّا جديدًا يعبر أقصى شمال القارَّة!
هذا إبداعٌ في تجارة المعادن.
الأرباح المتوقَّعة هي…”
كانَ يتحدَّث بطلاقةٍ كأنَّ لسانهُ مدهونٌ.
المحتالون دائمًا يتكلَّمون بلباقةٍ.
وقفَ البارون أوستر وزوجته خلف ريمون، ينظران إليهِ بفخرٍ وكأنَّهُ ابنهما المميَّز.
أظهر النبلاء اهتمامًا وهم يتهامسون.
“ظهور موهبةٍ كهذهِ من الشمال أمرٌ مفرحٌ.”
“ربَّما أستثمر قليلًا في مشروعهم الموسم القادم.”
لقد أمسكوا الزخم جيِّدًا.
لكن ذلك أستمر ، طالما أن إيرين لم تكشفهم.
“يقال إنَّهُ نال إعجاب سموِّ وليِّ العهد، أمرٌ رائعٌ!”
“أوه، هذا مفرحٌ، عائلة أوستر سـتنجحُ هكذا.”
هاجَ النبلاء عند ذكر اسم وليِّ العهد.
‘بالمناسبة، ذُكر الإمبراطوريَّة ووليِّ العهد سابقًا.’
تذكَّرتُ حديث البارونة مع النبلاء أثناء جمع الوثائق.
يجب أنْ أخبر الدوق بهذا في طريق العودة.
“أتمنَّى أنْ تستمتعوا بالوقت المتبقِّي، شكرًا.”
استمرَّ ريمون في التحدثِ و التباهي بإنجازاتهِ كمدير مدرسةٍ.
‘يبدو أنَّني الوحيدة التي تشعر بالملل.’
كانَ النبلاء الآخرون مهتمِّين، يُضيفون تعليقاتهم، لكنَّني لم أكن كذلك.
ربَّما لأنَّهُ قبيحٌ؟
شعرتُ بالغثيان وأنا أنظر إلى وجه ريمون أوستر، فاستخدمتُ مهارة التحديق في الفراغ بينهُ وبين البارونة.
سيبدو للآخرين أنَّني أنظر إليهِ.
‘ما؟’
فجأةً، اقتربَ خادمٌ من البارونة بهدوءٍ وهمس لها بشيءٍ.
بفضل تحديقي في الفراغ، لاحظتُ تصلُّب وجهها.
فتحتْ مروحتها، غطَّتْ فمها، وأمرتْ الخادم بشيءٍ.
أومأ الخادم واختفى إلى الخلف.
‘هل اكتشفتْ اختفاء الوثائق؟’
هذا سريعٌ جدًّا.
لكن الحفلة في نهايتها، لذا لو صمدتُ قليلًا، لن يحدث شيءٌ.
بينما كنتُ أفكِّر، تقاطعتْ عيناي مع عيني البارونة في الفراغ.
كانتْ نظرتها موجَّهةً إليَّ بوضوحٍ.
في الوقت المناسب، صاحَ ريمون بصوتٍ عالٍ:
“أخيرًا، من أجل تطوُّرٍ ومجدٍ عظيمٍ لشمال إمبراطوريَّة كاليديا، فلنرفع الكؤوس معًا.”
رفعتُ كأس نبيذٍ كنتُ أحملها بسرعةٍ، ياي، خمر!
لكن الدوق انتزعها منِّي فورًا.
“هناك عصيرٌ.”
أشارَ بذقنهِ إلى عصير التفَّاح.
آه…
تذمَّرتُ ومددتُ يدي نحو العصير.
فجأةً، تعثَّر خادمٌ يحمل صينيَّةً مليئةً بكؤوس النبيذ وهو يوزِّعها على النبلاء.
‘لكن، لمَ يبدو أنَّ اتِّجاههُ…’
لمَ لا تخيب توقُّعاتي السيِّئة؟
رأيتُ كؤوس النبيذ تتساقط نحوي كما في حركةٍ بطيئةٍ.
كانتْ قريبةً جدًّا لأتفاداها.
نظرتُ إلى النبيذ المسكوب وفكَّرتُ بحزنٍ:
‘هل أمسك واحدةً وأتظاهر بأنَّها خطأ وأشربها…؟’
بما أنَّني سأتبلَّل على أيِّ حال…
وصلتُ إلى هنا في تفكيري، عندما عاد العالم إلى سرعتهِ الطبيعيَّة.
طاخ، كلانغ.
سحبني الدوق بسرعةٍ من ذراعي، فتجنَّبتُ تبلُّل رأسي.
لكن لم أتمكَّن من تجنُّب تبلُّل مقدمة فستاني الأزرق.
انتشرتْ رائحة النبيذ الحلوةِ.
“آسف، آسف!”
تسارع الخادم المذعور، قدَّمَ قطعة قماشٍ كانتْ ملفوفةً حول ذراعهِ، لكنَّها لم تكفِ لمسح النبيذ المتساقط.
“أوه، آنسة فرومروز، ماذا نفعل؟”
نظرتُ إلى صوت البارونة، فرأيتها مع النبلاء ينظرون إليَّ بدهشةٍ.
…واو، فضيحةٌ أسطوريَّة.
اقتربتْ البارونة بوجهٍ قلقٍ، ثمَّ عبستْ ووبَّختْ الخادم:
“لمَ تقف هكذا؟ أسرع واصطحب الآنسة إلى غرفةٍ!”
“أنا بخير…”
“حدثَ هذا في قصرنا، فدعينا نصلحهُ، أنا آسفةٌ جدًّا، سنُحضِّر ثوبًا جديدًا فورًا.”
كلُّ شيءٍ تمَّ، أريد العودة إلى البيت…
أردتُ رفض العرض والعودة، لكن الجوُّ لم يسمح بذلك، فأومأتُ مرغمةً:
“حسنًا، أرجوكِ.”
“بهذا الاتِّجاه، تفضَّلي!”
كانَ الخادم، الذي تسبَّب بالحادث وتوبِّخ أمام النبلاء، يتعرَّق وهو يرشدني.
رفعتُ فستاني المبلَّل قليلًا وتبعتهُ.
‘التحضير سريعٌ.’
في غرفة الاستقبال التي أُرشدتُ إليها، كانتْ هناك غرفة صغيرة مُجهَّزة.
على الرغم من حداثة الضجَّة، كانتْ هناك مناشف ورداء جاهز.
هل هم بارعون في استقبال الضيوف، أم أنَّ هناك سببًا آخر؟
قالَ من جاءوا بالماء الدافئ للخادم الذي ينتظر:
“سنتولَّى مساعدة الآنسة من هنا، يمكنكَ العودة.”
“آه، نعم، نعم!”
أشرتُ للخادم الذي انحنى معتذرًا أنَّهُ لا بأس.
“سنساعدكِ على تغيير ملابسكِ.”
“حسنًا.”
اقتربَ عددٌ من الخدم، وأزالوا الفستان المبلَّل بحركاتٍ سريعةٍ.
مسحوا جسدي بمنشفةٍ دافئةٍ، فزال النبيذ اللزج وشعرتُ بالانتعاش.
بعدَ قليلٍ، ناولتني إحداهنَّ رداءً، وكانَ وجهها مألوفًا.
جسمٌ صغيرٌ، وموقفٌ مهذَّبٌ وهادئٌ.
“سنُحضِّر ثوبًا جديدًا فورًا.”
إنَّها هي، الخادمة التي كانتْ تحمل الوثائق في الممرِّ.
لم أُظهر أنَّني تعرَّفتُ عليها، وأومأتُ بطبيعيَّةٍ.
“هل يمكننا غسل ثوبكِ وإرسالهُ إلى قصر فرومروز؟”
“نعم.”
أومأتُ باختصارٍ، فانحنتْ بأدبٍ وقالت:
“شكرًا، انتظري قليلًا.”
أخذتْ ثوبي مع الخدم الآخرين وغادرتْ غرفة البودرة.
عادَتْ بعدَ وقتٍ قصيرٍ.
كانَ الفستان الذي أحضرتهُ، برباطٍ يضمُّ الخصر، وتحتهُ طبقاتٍ من الكشكش الأبيض كأوراق التوليب، نوعٌ شائعٌ بين النبلاء.
“سأساعدكِ على ارتدائهِ.”
كانَ ثوبي السابق بأكمامٍ طويلةٍ وعريضةٍ، أمَّا هذا فبأكمامٍ قصيرةٍ مجعَّدةٍ تنتهي عند الكتف.
“لا بأس، يمكنني التعامل معهُ.”
“سأنتظر، سأكون عند الباب، ناديني إذا احتجتِ.”
كانَ إزالة الثوب ضروريًّا بسبب تبلُّلهِ، لكن الآن لا حاجة لذلك.
لأنَّني…
‘لن أظلُّ الضحيَّة.’
أدركتُ منذ زمنٍ أنَّ هذا عرضٌ من تدبير البارونة أوستر.
‘هل تظنُّني حمقاءٌ؟’
كانَ هذا أحد التوقُّعات التي فكرتُ بها منذ لقائي بالبارونة في الممرِّ.
التعليقات لهذا الفصل " 35"