عندما تعمقت القبلة وأصبحت أكثر غواية، شعرتُ بصعوبة طفيفة في التنفس.
كنت أظن أنني قد اعتدتُ تماماً على الطريقة التي يكبّلني بها، لكن يبدو أن ذلك لم يكن سوى وهم. في كل مرة كان يسلبني فيها أنفاسي وينتشر زفيره الحار على وجنتيّ، كان يتملكني شعور غريب.
من المدهش حقاً ذلك التوتر الذي أشعر به في كل مرة يتلامس فيها جسدانا، رغم أنني لا أحبه. ربما لأنني امرأة في العشرين من عمرها، قد أشعر بالرغبة تجاه رجل يبدو في ظاهره مكتملاً وجذاباً.
بمجرد تفكيري في ذلك، بدأ رشدي يعود إليّ تدريجياً.
تقبيل كاليكس لم يكن بالأمر الجلل؛ فهي ليست قبلتي الأولى على أي حال، فقد سبق وقبلني في قاعة الزفاف. ما أهمية القبلة الآن ونحن قد تبادلنا قبلة القسم أمام الجميع؟
ستكون هذه مجرد واحدة من مئات أو آلاف القبلات التي سنتبادلها في المستقبل.
كلما راودني هذا التفكير، كنت أفتح عينيّ قليلاً. كانت الرؤية مشوشة بعض الشيء، ربما بسبب الدموع التي تجمعت في عينيّ، لكنها سرعان ما اتضحت. شعرت بقشعريرة طفيفة بسبب نظرة كاليكس التي بدت وكأنها تلتهم شيئاً ما.
كانت عيناه الحمراوان موجهتين نحوي وكأنها تفيض بالكره، وكان من المدهش أنني أستطيع رؤية حركة شفتيه الغليظتين بعينيّ.
بمجرد أن تلاقت أعيننا، أصبحت القبلة أكثر رقة قليلاً. فبعد أن كان يكتسح شفتي بقسوة، بدأ يداعبهما بنعومة. وحين لامس لسانه ما تحت شفتي، ارتبكت أنفاسي.
أدرك هو عمق أنفاسي فقبض على كتفي، فرفعتُ ذراعيّ وكأنني أستجيب له. وعندما حاولتُ لف ذراعيّ حول عنقه، أفلت يديه اللتين كانتا تمسكان بكتفي وعانق خصري بدلاً من ذلك.
كان الشعور جيداً. رغم أن قلبي كان مجروحاً، إلا أن تلامس الشفاه لم يكن سيئاً على الإطلاق.
إذا كان عليّ الاستمرار في مثل هذه القبلات مستقبلاً، فليكن. سأنفصل عنه في النهاية وأذهب إلى لوانتير على أي حال.
أردتُ أن أصدق ما قاله لوانتير؛ أنه حتى لو لم تكن ليلتي الأولى معه، وحتى لو قضيتُ ليلتي الأولى مع كاليكس، فإنه يريد أن يكون معي.
وحتى لو قال إنه لا يطيق امرأة غيري، لم يكن يهمني إن كنت الثانية أو الثالثة في حياته. فمنذ اللحظة التي أحببته فيها وهو ولي للعهد، كنت أتوقع أمراً كهذا.
لهذا السبب، لم أشعر أن هذه القبلة مهمة جداً. جلّ ما في الأمر أنها لم تكن مزعجة، وكانت حركته الخشنة وهي تنزلق فوق شفتيّ تمنحني شعوراً مثيراً للغاية.
“أمم، آه…”
خرجت مني تنهيدة لا إرادية. كنت أشعر بالاختناق والدغدغة في آن واحد، وبينما كنت أرتجف، لم يكن ذلك ارتعاش الحب، بل كان ارتعاشاً يسري في أسفل بطني.
كان كاليكس بلا شك رجلاً جذاباً. جسده الضخم كان يتباهى بكونه ذكراً مهيمناً، وعضلات صدره العريضة كانت تثير ارتباكي في كل مرة أستند إليها برحابتها. أما عضلات بطنه الصلبة، فكانت قوية وكأنها صخرة مغطاة بجلد بشري.
كانت فخذه تتغلغل بين ساقيّ، مما جعلني أشعر وكأنني أمتطي خيلاً. كانت فخذه صلبة لدرجة أنني شعرت بأنني “أنثى” أمام فخذه القاسية المستقرة بين ساقيّ اللتين كانتا تنقبضان رغماً عني.
مسحتُ على شعره، فحدق بي بشراسة مرة أخرى.
“أمم…”
كانت أنيابه التي تعض شفتي قاسية، لكن عندما بقيتُ ساكنة بينما كان يعضني، حاول الابتعاد.
“هل ستتوقف؟”
سألته هكذا. سألته إن كان سيتوقف.
بدت كلماتي مشبعة بالرغبة لسبب ما، وفي الوقت نفسه كانت كلمات استفزازية له.
“هل تريدين المزيد؟ وأنتِ التي لا تستطيعين حتى التنفس بشكل صحيح.”
“ربما لأنني أحببت الأمر لدرجة أنني عجزت عن التنفس.”
“ابتعدي.”
عندما حذرني هكذا، اقتربتُ منه أكثر وعضضتُ شفتيه. رغم أنه قطب حاجبيه من فعلتي، إلا أنه لم يدفعني بعيداً. فقبلته مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت القبلة أرق بكثير من ذي قبل، وكأنه ينتظر ليرى إلى أي مدى سأصل.
لذا قررتُ أن أتحرك كما كان يفعل هو.
حاولتُ أن أشبك لساني بلسانه كما فعل، لكنني لم أكن بمرونته فبدا الأمر صعباً. ثم حاولتُ مسح سقف حلقه كما فعل بي.
“آه…”
عندها، وكأنه لم يعد يحتمل أكثر، ضغط على شفتي واقتحم فمي بعنف وكأنه يريد غزو حنجرتي، مسيطراً على كل شبر في فمي.
كان صدري يشعر بغرابة؛ فبينما كان قلبي ينبض بهدوء، كنت أشعر بدغدغة في أعماقي.
كان جسدي حساساً للغاية؛ ففي كل مرة كانت أطراف صدري تحتك بملابسي، كانت تخرج مني تنهيدة، ومع احتكاكها بصدره الصلب، كانت تزداد صلابة وحساسية.
“توقفي عند هذا الحد.”
كان صوته مختلفاً تماماً عن المعتاد.
“حقاً؟”
كان فكي يؤلمني، حتى أنني بدأت أسمع صوت صرير فيه.
تنهد بعمق ثم ابتعد عني. كنت أقف على أطراف أصابعي وأحيط عنقه بذراعيّ، فقام بفك ذراعيّ وقال:
“قواكِ السحرية لا تزال عكرة.”
في كل مرة كنا نتبادل فيها القبلات، كنت أقوم بتطهير قواه السحرية دون وعي مني. لهذا السبب، كنت أستطيع الشعور بمدى تلوث سحره حتى الآن.
“مهما كانت قدرتكِ على التطهير ممتازة، فإن تطهيرها دفعة واحدة سيقتلكِ.”
“آه…”
فهمتُ ما كان يعنيه. سحره كان شاسعاً كالمحيط، وقوة تطهيري الصغيرة كانت تشبه نبعاً يصب في ذلك المحيط؛ لذا لم يكن بإمكاني تطهيره بالكامل دفعة واحدة، ربما على المدى الطويل، لكن بالتأكيد ليس في وقت قصير.
“هل توقفتَ لهذا السبب؟”
“…ماذا؟”
“عزيزي، لقد تأثرتُ قليلاً. لقد توقفتَ من أجلي، يا إلهي؟”
قلتُ ذلك وأنا أراقب تعابير وجهه.
كانت ملامح كاليكس مزيجاً من الازدراء والارتباك، وكان منظره ممتعاً للغاية. يبدو أنني أشعر بالرضا في كل مرة يرتسم فيها هذا التعبير على وجهه.
“لماذا تظنين ذلك؟”
“لأنك تحدثت عن هذا الأمر مباشرة بعد القبلة. في الحقيقة، كنت أتوقع أكثر من ذلك بقليل.”
“انسِ أمر إنجاب طفل.”
“لماذا؟”
“هل هذا هو هدفكِ حقاً؟ هل لهذا السبب تفتعلين هذه الغواية؟”
بدأ الارتباك يتلاشى من وجهه تدريجياً.
“أليس كافياً أن نعتني بوسائل منع الحمل؟”
أردتُ أن يتحول وجهه المليء بالازدراء إلى دهشة. أردتُه أن يشعر بالتشتت كما أشعر أنا، حين أجد نفسي متناقضة؛ أخشاه ولكنني لا أشعر بالانزعاج من تقبيله.
ربما أردتُه أن يعاني من الحيرة بقدر ما أعاني.
“هل جننتِ؟ ألا تعرفين مدى أهمية الليلة الأولى بالنسبة للمرأة؟”
“أعلم أنها مهمة للرجل أيضاً. آه، هل تقلق عليّ لأنك قضيت ليلتك الأولى مع امرأة أخرى؟”
تصلبت ملامحه بشكل مرعب مرة أخرى عند سماع كلماتي. ففككتُ ذراعيّ من حول عنقه وعانقتُ خصره بدلاً من ذلك.
“شكراً على قلقك.”
إن كنت تكرهني، فاتركني.
اطلب مني الطلاق.
فكرتُ في ذلك وأنا أحكّ شعري بصدره.
خطر لي أنه ربما يخوض حرب كبرياء معي. عندما رفعتُ وجهي قليلاً، رأيتُ ملامحه تفيض بالازدراء وكأنه يريد دفعي بعيداً فوراً، لكنه من ناحية أخرى بدا مرتبكاً لدرجة أنه لم يستطع فعل ذلك.
“في الواقع، لقد أحببتُ وجودي هنا. كان الشمال مخيفاً قليلاً، وبارداً، وقاسياً، ولم تكن تزهر فيه الورود الحمراء، ولم أكن أعرف أحداً فكان الأمر صعباً.”
“……..”
“لكن الآن لديّ زوج، وابن، وخدم. وأنا أتطلع بشوق لرؤية الورود الزرقاء وهي تزهر قريباً.”
قلتُ ذلك وأنا أحاول التأكد من مدى سوء تعابير وجهه.
في تلك اللحظة، نظر إليّ بتعبير طغى فيه الارتباك على الازدراء.
“مثيرة للشفقة.”
“نعم، أنا كذلك.”
“غباء.”
“شكراً على قلقك.”
“هل أصاب عقلكِ خطب ما؟”
“ربما.”
بالطبع، لم تؤثر كلماته فيّ؛ فقد كان من الواضح أنه يفكر بهذه الطريقة من ملامح وجهه أصلاً.
وبعد ذلك.
بهذه الطريقة.
إن كنتَ لا تعجبك تصرفاتي…
فاتركني!
نظرتُ إليه بتعبير يتوسل ذلك، فقام بفك ذراعيّ وحدق بي بحدة.
“يمكنني أن أمنحكِ من القبلات قدر ما تشائين، لكن لا تحلمي بأكثر من ذلك أبداً.”
“ولماذا؟”
“لأن الطفل الذي ستحملين به لن يخرج إلى هذا العالم أبداً. لن أسمح بحدوث ذلك.”
كان ذلك كذباً. كنتُ أعرف من خلال قراءتي للرواية الأصلية أن “كاليكس” كان رجلاً يصعب عليه الإنجاب في المقام الأول بسبب تلوث طاقته السحرية بشكل مفرط، ليس إلا.
“أحقاً؟ في المستقبل الذي أحلم به، أرى نفسي وأنت ورافي سعداء، ولدينا خمسة أطفال آخرين.. لا، بل ربما عشرة؟”
وعندما امتلأ وجهه مرة أخرى بالازدراء المحض، أفلتت مني ضحكة خفيفة دون وعي.
“هل عشرة أطفال عدد كبير؟”
“……”
“إذاً تسعة؟ أو ثمانية؟ أعتقد أن خمسة أطفال هو عدد عادي جداً.”
لم يحر جواباً على كلماتي، بل استدار وخرج من الغرفة على الفور.
— طرأأأخ!
كان صوت انغلاق الباب مدوياً.
بمجرد خروجه، شعرت بغرابة في جسدي الذي اشتعلت فيه الحرارة. كنت أشعر باستنزاف طاقتي لأنني بذلت جهداً كبيراً في تطهير المانا الخاصة به. وفي الوقت نفسه، كنت أشعر بالارتباك من تلك الرغبة التي أحسست بها لأول مرة، وكان من الغريب أن قلبي لم يكن يخفق بتلك القوة.
أن تشعر بالرغبة دون أن تشعر بالحب.. كان أمراً مثيراً للدهشة.
تنهدتُ بارتياح وحاولتُ الالتفاف، وفي تلك اللحظة..
— طق، طق
“آيريس، هذا أنا. سأغادر قريباً.”
سمعتُ صوت “لوانتير” الذي جاء للبحث عني في النهاية، مخالفاً ما قلته له.
“أنا آسف. لكنني.. كنت أتوق لرؤيتكِ بشدة.. لستِ مضطرة لفتح الباب، لكن هل يمكنكِ الاستماع لما سأقوله؟”
حينها، بدأ قلبي ينبض بعنف. لدرجة أنني شعرت برغبة عارمة في فتح الباب فوراً والارتماء في أحضان لوانتير.
التعليقات لهذا الفصل " 31"