الفصل 6
—
بعد قليل.
استدعت بريسا الفرسان مجددًا إلى ساحة التدريب.
تجمّع الفرسان الذين لم يكونوا ضمن فرقة البطاطس ببطءٍ وتثاقل.
لم يكن لديهم خيار. فوصيّة ألفيرس كانت واضحة: “في غيابي، اتبعوا أوامر بريسا.”
وقفت بريسا مرةً أخرى على المنصّة وسألت:
“هل يوجد بينكم من يُجيد استخدام طاقة السيف؟”
ما إن ذُكرت طاقة السيف حتى استقامت وقفات الفرسان.
لا بدّ أن هناك قتالًا قادمًا.
‘هذا مختلف عن فرقة البطاطس!’
‘هذه المرّة مهمّة خطيرة فعلًا!’
بعد انتهاء الحرب، ظنّوا أنهم قد لا يضطرون للقتال مجددًا.
أيمكن أن تندلع حرب إقطاعيات، تلك التي لم يسمعوا عنها إلا في القصص؟
شدّ الجميع عضلاتهم بتوتّر.
“أنا الأفضل هنا.”
تقدّم فارسٌ ضخم الجثة بخطوات واسعة ورفع يده. كان وجهه حازمًا بالفعل.
“سأتقدّم الصفوف.”
وعندما بدا القلق على وجه الفتاة الصغيرة، اندفع الآخرون بدورهم.
كما كانوا يفعلون في ساحة المعركة حتى وقتٍ قريب، كانوا مستعدّين للمخاطرة بأرواحهم.
“أن تُتاح لنا فرصة لإشهار السيوف مجددًا! سأقود الهجوم في المقدّمة!”
عندها فقط بدت على وجه بريسا علامات ارتياح.
“بفضلكم، أظنّ أن الإقطاعية ستنجو من هذه الأزمة.”
وهكذا، تبعوها بوجوه متجهّمة ومصمّمة.
ومن خلف بريسا، كانت الخادمات يجهشن بالبكاء مجددًا.
وبإشارةٍ صارمة من عينيها، كتمت الخادمات أصواتهنّ، لكن الدموع التي كانت تنهمر بلا توقّف، كأن العالم ينهار، لم يستطعن إيقافها.
لا بدّ أن خطرًا عظيمًا قد حلّ.
وأيًّا كان العدو، لم يكن لديهنّ نيّة لتركه يمرّ بسلام.
لكن بعد أن سار الفرسان خلف خطوات بريسا السريعة مسافةً غير قصيرة—
لم يكن ما ظهر أمام أعينهم جيشًا معاديًا، بل أشجار زيتون.
“حسنًا.”
أعلنت بريسا بلهجة مهيبة:
“اقطعوها جميعًا. بأسرع ما يمكن.”
عندها، سقطت الخادمات أرضًا وبدأن في البكاء.
“لا، آنستي…….”
“هذا حقًا لا يجوز…….”
وقفت بريسا وسطهنّ، عاقدةً ذراعيها بصرامة.
قالت كبيرة الخادمات وهي تنتحب:
“إن الماركيز سيرس الأوّل غرس أشجار الزيتون في هذه الأرض تعبيرًا عن حبّه لزوجته. وكما تعلمين، كان اسم زوجته أوليف، أوليف سيرس…….”
“صحيح. ولهذا زُرعت أشجار الزيتون في السهل الأقرب إلى قصر الماركيز.”
أجابت بريسا بلا اكتراث.
“في المكان الذي كان مزروعًا بالجزر والذرة أصلًا.”
ثم التفتت إلى رئيس اتحاد التجّار الذي تبعها وقالت:
“إذا قدّمنا هذا القدر من الأخشاب، فهذا يكفي لسداد المتأخّرات، بل ودفع ثمن الحبوب لشهرين أيضًا، أليس كذلك؟”
أي إنها قرّرت قطع أشجار الزيتون لسداد الديون.
ومع ذلك، رفعت المدّة من “شهر واحد من الحبوب” إلى “شهرين”.
ومع ازدياد عدد الأفواه في الإقطاعية، حتى هذان الشهران لن يصمدا طويلًا.
كانت كبيرة الخادمات تواصل البكاء بلا انقطاع.
ولأنها لم تستطع معارضة سيّدتها صراحةً، أخذت تردّد عبارات لا تقول شيئًا عن الصواب أو الخطأ.
“إنه تعبير عن حبّ جميل فعلًا…….”
لكن السيّدة القاسية لم تمرّر ذلك.
“تعبير خاطئ.”
“مشاعر دافئة لا يمكن تعويضها بأيّ شيء…….”
“مشاعر مضلِّلة.”
“هذه الأشجار ترمز إلى طمأنينة بيت سيرس…….”
“رمزٌ خاطئ.”
لكن لانسي كان متردّدًا لسببٍ آخر.
‘أليس هذا كمن يسكب بولًا على قدمٍ متجمّدة؟’
الفكرة بحدّ ذاتها ليست سيّئة، لكن متى سيأتي الحصاد التالي للزيتون؟
“آنستي…….”
فتح لانسي فمه بحذر.
“ألا ينبغي لنا التفكير قليلًا؟ كم سيستغرق الأمر حتى تنمو أشجار الزيتون مجددًا إلى هذا الحجم…….”
أجابت بريسا فورًا:
“في المتوسّط، ثلاثمئة عام.”
قفز لانسي في مكانه، لكن بريسا تابعت:
“أصغر الأشجار عمرها نحو مئتي عام، أمّا تلك الكبيرة هناك، فتتجاوز الخمسمئة.”
أسرع لانسي ينصحها بأن قطع هذه الأشجار ليس سوى حلّ مؤقّت وخطير.
“إذًا لن نأكل زيتون سيرس القادم إلا بعد ثلاثمئة عام؟”
قالها وهو لا يتوقّع أن يُؤخذ رأيه بجدّية.
ففي كلّ أزمة، حين كان لانسي يعارض بشدّة، كان رأيه يُتجاهل.
غالبًا لم يكن يُجاب أصلًا.
لكن بريسا أجابت بجدّية:
“ليس تمامًا. استقرار الإنتاج يحتاج إلى نحو عشرين عامًا، أمّا ذروة الإثمار فتكون ما بين خمسين ومئة وخمسين عامًا. وبحساب ذلك، فإننا تجاوزنا ذروة هذه الأشجار بالفعل.”
هاه؟
أمام هذا السيل من المعلومات، عجز لانسي ورئيس الاتحاد عن الكلام.
“لذلك، من الأفضل قطعها وزراعة محاصيل أنسب لهذه الأرض.”
“أنسَب…… محاصيل؟”
تمتم لانسي بسذاجة، ثم أدرك شيئًا مهمًا.
لقد توقّف، دون أن يشعر، عن اعتبار بريسا “زعيمة الخادمات اللواتي لا يقلن سوى الهراء”.
ويبدو أن رئيس الاتحاد شعر بالأمر نفسه.
“عادةً، لا يعرف الإقطاعيون الكثير عن محاصيل أراضيهم. أقصى ما يعرفونه هو الأسعار.”
همس رئيس الاتحاد.
“لكن هذه الآنسة مذهلة. حتى بحسب معرفتي، أعمار أشجار الزيتون هذه قريبة من الحقيقة.”
تابعت بريسا بنبرة باردة:
“اختيار المحاصيل لا يكون بالعاطفة، بل بالمعرفة. لماذا كان زيتون سيرس رديئ الجودة؟ على الأرجح لأن المزارعين القدماء زرعوا ما يناسب هذه الأرض بالتجربة.”
ثم أخرجت من جيبها عصًا صغيرة.
“أشجار الزيتون تنمو جيّدًا في تربة متعادلة إلى قلوية خفيفة.”
غرست العصا في الأرض، ثم تابعت:
“وطبعًا قد تكون هناك عوامل أخرى، لكن بالنظر إلى أن هذه الأرض كانت أصلًا حقول جزر وذرة…….”
تمتمت بتعويذة قصيرة، فتحوّل لون العصا إلى الأحمر.
“كما توقّعت.”
هزّت بريسا رأسها.
“تربة هذه الأرض حمضية قليلًا.”
لم يفهم لانسي شيئًا ممّا قيل.
لكن رئيس الاتحاد فتح عينيه على اتّساعهما.
“صحيح أن لكل تربة محاصيل تناسبها، وهذا من أساسيات الزراعة! لكن… ما هذه العصا؟”
“أداة سحرية لقياس الحموضة والقلوية. نستخدمها في دروس صناعة الجرعات في الأكاديمية. هي باهظة الثمن قليلًا، وليس من السهل الحصول عليها.”
أدرك لانسي الأمر.
لا بدّ أن هذه العصا كانت واحدة من “مستلزمات الدراسة” التي اشترتها بريسا بالقروض الضخمة قبل عامين عندما ذهبت إلى أكاديمية العاصمة.
“على أيّ حال، أرى أن محاصيل أخرى ستنمو هنا أفضل من الزيتون. مثلًا…….”
في تلك اللحظة، ضيّقت بريسا عينيها.
من خلف التلّ، عند نهاية الطريق المتعرّج، ظهرت مجموعة من الناس قادمة.
كانت فرقة البطاطس، يتقدّمهم فيليب.
كانوا يجرّون عربة.
وفي داخلها، امتلأت العربة ببذور البطاطس.
—
“ستزرعون… البطاطس هنا؟”
كان فيليب مذهولًا.
حتى هو لم يتوقّع أن تُحرَث سهول الزيتون السليمة بهذه الطريقة.
“ظننتُ… أنكم ستزرعون بذور البطاطس في الفناء والحديقة…….”
لكن كلماته لم تكتمل.
فقد بدأت الخادمات يصرخن احتجاجًا، وعيونهنّ تقدح شررًا.
“بطاطس في الفناء الخلفي؟”
“يا إلهي، أزهار بطاطس في حديقة قصر الماركيز؟ بدل البنفسج؟ هل هذا معقول؟”
“مستحيل! الحديقة هي وجه القصر! ليست مكانًا للبطاطس!”
من بعيد، توقّف أفراد “فرقة طاقة السيف” عن قطع الأشجار، وقد التقطوا بضع كلمات فقط.
“صحيح! فرقة البطاطس لا يمكن أن تكون وجه فرقة الفرسان!”
“إنهم يبدون كالبطاطس أصلًا!”
هزّ أفراد فرقة البطاطس رؤوسهم بذهول.
“آه… آه… فهمت…… فَهمتُ…….”
حتى بريسا لم تنحز إليهم.
“للفناء استخدامٌ آخر.”
وهكذا، واصلت بريسا قطع أشجار الزيتون دون تردّد.
وبدأت فرقة البطاطس بتحميل الأخشاب المقطوعة على العربات التي كانت قد جلبت بذور البطاطس.
المترجمة:«Яєяє✨»
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"