5
الفصل 5
—
“يعني هذا أن عليكم سداد هذا الدَّين فورًا!”
كان جوّ صالون الاستقبال فوضويًا تمامًا.
“وإن لم تقدّموا الأرض، فليكن جثمانكم بدلًا عنها!”
الشخص الذي كان يواجه رئيس اتحاد التجّار هو لانسي، معاون ألفيرس.
حذّره لانسي بصرامة من رفع صوته أولًا.
“حتى لو صرختَ، فلن تحصل على قيمتها من جثتي. لقد تضرّرت طبلة أذني للتوّ…….”
في الحقيقة، كان أسلوب لانسي مهذّبًا أكثر من اللازم. لم تكن هذه النوعية من المشادات تناسب طبعه أصلًا.
حين كان ألفيرس يقود فرقة المرتزقة، كان لانسي يتولّى الشؤون الإدارية والمالية كافة. ولذلك، أصبح من الطبيعي أن تقع على عاتقه إدارة شؤون قصر الماركيز وسجلاته.
المشكلة أن لانسي لم يمضِ على تسلّمه هذا المنصب سوى ثلاثة أيام فقط.
وفوق ذلك، لم يكن هناك كبير خدم يسلّمه الأمور أصلًا.
“موعد السداد المدوَّن في العقد قد مضى منذ زمن! إن لم تسدّدوا الآن، فسنأخذ أرض منطقة إيرينتا المذكورة كضمان!”
لم يكن هناك منطق يُفَنِّد هذا الادّعاء. فتجاوز موعد السداد كان حقيقة.
“لماذا هذا التشدد؟ هذا مجرّد عقد! ألم تكن المدفوعات تُحصَّل عادةً في الشتاء؟!”
تقدّمت كبيرة الخادمات وهي تصرخ.
عند سماع عبارة “هذا مجرّد عقد”، اشتعل غضب لانسي.
فالتفت إليها ووبّخها بحدّة، متسائلًا إن كان هذا كلامًا يُعقل.
“إذًا لماذا نوقّع العقود؟ للتدرّب على التوقيع مثلًا؟”
بعد أن تفوّه بالكلام، أدرك متأخرًا أن كبيرة الخادمات كانت في صفّه.
خلال الأيام الثلاثة الماضية، كان يعتبرها من “الطرف الآخر الذي لا يقول إلا الهراء”.
ولذلك، ما إن سمعت أذنه هراءً جديدًا حتى صنّفها تلقائيًا ضمن الخصوم.
لحسن الحظ، لم يكن لكلماته الغاضبة أيّ تأثير يُذكر، كما هو الحال دائمًا، إذ غمرتها صرخات كبيرة الخادمات فورًا.
“هكذا كان الحال العام الماضي، وقبل عامين، وقبل ثلاثة أعوام أيضًا! كنا نوقّع العقد نفسه كل سنة، وكان التعامل دائمًا وفق العُرف!”
حاول لانسي جاهدًا ألا يشير إلى مواضع الخطأ.
لكن الطرف الآخر لم يحاول كبح نفسه.
“هذا لأننا كنّا نراعيكم! أمّا الآن فالوضع تغيّر! موجة الوحوش في الغرب جعلتنا على شفا الهلاك نحن أيضًا!”
تألّم لانسي داخليًا، وأيقن أن اكتشاف سرّ نسب سيّده لم يكن أمرًا يستدعي الفرح.
‘لو كنتُ أعلم، لكان من الأفضل إبقاؤه سرًّا.’
كان بيت سيرس من العائلات التي قدّمت خدمات جليلة للإمبراطورية، لكنه ازداد فقرًا عامًا بعد عام حتى وصل إلى هذا الوضع.
بعد جنازة ماركيز سيرس بثلاثة أيام فقط، وقبل أن يُوارى التابوت التراب، حضر الدائنون.
“من الآن فصاعدًا، أصبحت بيرون أرضًا لنا. هذا عقد الاقتراض الذي رهن فيه ماركيز سيرس منطقة بيرون.”
“ماذا… ماذا قلت؟”
“وانظروا إلى هذا أيضًا. هنا في العقد، وضع الماركيز شارع محال جيزيل كغرامة فسخ للعقد.”
وهكذا، سقطت أراضي إقطاعية سيرس واحدة تلو الأخرى.
لأن العقد كان يتضمّن بندًا ينصّ على أن “في حال وفاة أحد الطرفين، يُفسَخ العقد وتُحمَّل المسؤولية للطرف المتوفّى”.
وفوق ذلك، كانت الديون التي خلّفتها زوجة ماركيز سيرس الراحلة لدى البنك المركزي ضخمة.
كانت معروفة بإسرافها منذ البداية، لكن قبل عامين، حين أُرسلت بريسا إلى أكاديمية العاصمة، أُخذ قرض كبير إضافي.
“هذا الدَّين ليس شخصيًا، بل ينتقل إلى الأبناء. والفوائد هائلة، فمن الأفضل سداده فورًا.”
“ألا يمكنني تغطيته من مالي الخاص مؤقتًا؟”
“يمكن، لكن ذلك سيستنزف معظم مدّخراتك.”
“إذًا سأعود صفر اليدين في النهاية. لا بأس، ما زلتُ شابًا.”
كان ألفيرس قد جمع خلال سنوات عمله كمرتزق مبلغًا لا بأس به.
لكن كما قال لانسي، بعد سداد الديون، لم يتبقَّ سوى القليل من السيولة.
“إذًا أطفأنا الحريق العاجل، لكن الأزمة المالية ما زالت قائمة؟”
“ليست أزمة عادية. إن أردنا إطعام الفرسان أيضًا، فالأمر عاجل للغاية. من الأفضل الذهاب إلى القصر الإمبراطوري سريعًا والحصول على أيّ شيء.”
في الأصل، شارك ألفيرس في الحرب الأهلية الشمالية بوصفه مرتزقًا.
ثم أصبح رفيقًا للأمير الثاني، وأنهيا الحرب معًا، وحصل على لقب “بطل حرب”.
قدّر الأمير الثاني إنجازاته، ووعده بأن يطلب من الإمبراطور منحه لقب بارون، وهكذا توجّها معًا إلى العاصمة.
لكن في الطريق، كُشف أن ألفيرس هو الابن المخفيّ لماركيز سيرس، فعاد على عجل لحضور الجنازة، وتسلّم اللقب.
“ماذا؟ لديّ أخت في الثانية عشرة؟ إذًا أصبحت يتيمة فجأة؟ يجب أن أتسلّم اللقب سريعًا وأحميها كما تحمي الدجاجة صغارها.”
وسرعان ما تبيّن أن هذا التفكير كان تفكير عامّة.
فخدم القصر القدامى كانوا ينظرون إليه على أنه “ابن عامّة سرق لقب بريسا”.
وقبل أن يتسنّى له حتى استيعاب هذا الاحتقار، كان قد غادر إلى العاصمة.
“لم أعد بحاجة إلى لقب. سأطلب التعويض المالي بدلًا عنه. الأمير الثاني لن يبخل على رفيق قاتل معه في ساحات الموت.”
“إذًا اذهب بسرعة. التسوّل كلما كان أبكر كان أفضل.”
وهكذا، قاد ألفيرس فرقة النخبة ليلًا نحو بوابة الانتقال.
وطوال الطريق، لم يتوقّف عن القلق على أخته الصغيرة التي ظهرت فجأة في حياته.
“ألا يوجد حلّ آخر؟ بريسا فقدت والدها اليوم. هل من الصواب أن أتركها وحدها هكذا؟”
“يمكن لفرساننا أن يتحوّلوا إلى عصابة ويقتحموا البنك المركزي الليلة. لقد دفعتَ مبلغًا كبيرًا اليوم، فستكون الخزائن ممتلئة.”
“سأعود بسرعة.”
بعد أن ودّع ألفيرس، بقي لانسي في القصر يراجع الوثائق.
‘لم يتبقَّ سوى قطعتين من الأرض.’
الماركيز السابق أبقى على قطعتين فقط حتى النهاية.
‘سهل الزيتون، حيث غرس أوّل ماركيز سيرس أشجار الزيتون بنفسه… ومنطقة إيرينتا النهرية، حيث يمكن صيد سمك المارانغو.’
لم يكن الزيتون مربحًا جدًا، فجودة المحصول كانت متوسطة.
أما صيد المارانغو، فكان مصدر الدخل الحقيقي.
يبدو أنهم كانوا يشترون الحبوب بالدَّين من تجّار الغرب من الربيع حتى الشتاء، ثم يسدّدون الثمن في أوائل الشتاء من عائدات صيد المارانغو.
‘لكن لماذا صيغ العقد بهذه الطريقة أصلًا؟’
كاد لانسي أن يبكي.
‘كان يجب أن يُكتب أن السداد في أوائل الشتاء، لا فورًا!’
قال رئيس الاتحاد بنبرة منّة:
“حسنًا، يبدو أنك تشعر بالظلم… فلنقم بهذا. ثمن حبوب الشتاء الماضي، وثمن شهر واحد قادم… نجمعها كلها، ونحتسبها مقابل حقّ صيد إيرينتا لخمس سنوات.”
اسودّ بصره.
الحرب انتهت، ولم يعد بإمكان فرسانهم كسب المال من القتال، ومخزون الغذاء لم يكن وافرًا أصلًا. لم يُرسَل ألفيرس على عجل لجلب المال عبثًا.
‘لكن بهذا، سنفقد مصدر الدخل الوحيد للإقطاعية لخمسة أعوام كاملة…….’
في تلك اللحظة—
دخلت فتاة بشَعر بلاتيني منسدل بخطوات واثقة إلى صالون الاستقبال.
“من الآن فصاعدًا، ستتحدّث معي.”
كانت بريسا، بوجه هادئ ونظرة باردة. وبحسب تقييم لانسي، كانت “المرجعية الروحية للخادمات اللواتي لا يقلن سوى الهراء”.
وبينما كان لانسي متجمّدًا من الدهشة، ركَلَت إحدى الخادمات قدمه بقوّة.
“آه!”
فتح عينيه غاضبًا ليحتجّ، فأشارت له بذقنها أن يتنحّى.
تجرؤ… خادمة… على ركل معاون الماركيز……
احتجّ لانسي بشدّة، قائلًا إن مثل هذه الركلات غير مقبولة.
“هل أنتِ لاعبة كرة قدم؟”
عندها حدّقت به الخادمة بغيظ، وبدأت تدير كاحلها استعدادًا بجدّية.
في النهاية، تراجع لانسي مترنّحًا عن المقعد المقابل للتاجر.
جلست بريسا مكانه بأناقة.
“يا للعجب.”
تمتمت إحدى الخادمات.
“ذهبتِ إلى الفناء الخلفي وعدتِ، ومع ذلك لم تتجعّد تنورتكِ أصلًا… مذهلة حقًا، آنستنا.”
أيقن لانسي مجددًا أن حكمه على خادمات هذا القصر كان صحيحًا.
‘خاصيّة قول كلام غير مناسب في كل موقف، ومفعّلة افتراضيًا…….’
والشخص الذي يمدحنه بهذا الشكل هو بريسا نفسها.
لذلك، كان ظهورها في هذا الموقف الحرج أمرًا غير مرحّب به إطلاقًا.
لكن بريسا نظرت إلى رئيس الاتحاد بهدوء وسألته:
“أودّ أن أعرف سعر الأخشاب حاليًا.”
…أخشاب؟
“أليست الغابات في الغرب قد تعرّضت لأضرار جسيمة بسبب موجة الوحوش؟”
لم تكن هناك غابات أصلًا في إقطاعية سيرس.
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 5"