4
الفصل 4
—
“حسنًا، فرقة البطاطس تتجمّع في الفناء الخلفي.”
أطلقت بريسا على الفرسان، يتقدّمهم فيليب، اسم “فرقة البطاطس”.
شعر فيليب بإهانةٍ جارفة.
أن تُلصَق بالفرسان تسميةٌ مثل البطاطس… كان ذلك ازدراءً مبتكرًا بحق.
‘صحيح أنني أبدو قليلًا مثل البطاطس، لكن أليس هذا تجاوزًا؟’
هل تنوي أن تجعلهم يتدحرجون في الفناء كحبات بطاطس؟
‘وما نفع كونها عبقرية أتقنت خمس لغات في السابعة؟
وما فائدة حفظها لقوانين الإمبراطورية عن ظهر قلب؟
وماذا عن كونها دُعيت منذ العاشرة إلى ولائم الإمبراطورة الأرملة لأنها تتقن آداب الصالونات؟!’
استعاد فيليب كلمات الإطراء التي كانت الخادمات يردّدنها، وأطلق زفرة حادة.
‘وفي النهاية… هي نبيلة قد تصدّق أن البطاطس تنمو على الأشجار.’
لا شكّ أنها كانت أعلى منهم منزلة.
بل إن ألفيرس، قبل مغادرته، قال صراحة:
“في غيابي، صاحبة الأمر في قصر الماركيز هي بريسا.”
لكن… هل يبرّر ذلك تحويل الناس إلى موضع سخرية؟
كان فيليب ينوي الاحتجاج رسميًا حين يلتقيها في الفناء الخلفي.
لكن بريسا التي ظهرت بعد قليل أصدرت أمرًا جادًا:
“اذهبوا إلى شارع جيزيل، واشتروا أكبر قدر ممكن من بذور البطاطس. نريدها للحصاد المبكّر.”
رمش الجميع ببطء.
هل هذه مزحة؟
أم أسلوب جديد من السخرية؟
ولأن فيليب كان يُشبَّه أصلًا بالبطاطس، شعر للحظة بقلقٍ حقيقي.
‘لن تأمرنا بأن ننادي هذه البذور أبناءنا، أليس كذلك؟’
وبينما كان ذهنه شاردًا، ناولته الفتاة صندوقًا كبيرًا وقالت:
“اختاروا حبات متوازنة الشكل، بيضوية، بلا جروح أو تعفّن. بحجم البيضة تقريبًا.”
…هم؟
فيليب، الذي سبق له أن مارس الزراعة فعلًا، اتّسعت عيناه دهشة.
الوقت الآن ربيع…
صحيح أنه متأخّر قليلًا، لكنه ليس وقتًا مستحيلًا لزراعة البطاطس.
“اختاروا الصلبة، الجافة القشرة، التي تحتوي على عدد مناسب من العيون الموزّعة بالتساوي.”
هذا… دقيق فعلًا.
“لا أحد في إقطاعية الماركيز جرّب زراعة البطاطس من قبل. لذا تشاوروا فيما بينكم، واشتروا الأفضل. أمّا المال… فسنوفّره ببيع هذا.”
قدّمت بريسا الصندوق إلى فيليب.
وما إن رأته الخادمات حتى أطلقن صرخات هستيرية.
“كياااااه! لا، آنستي!”
“هذه حُليّكِ! إن بِيعَت، فستُجبرين على ارتداء القطعة نفسها مرةً كل أسبوع! يا إلهي، هذا فظيع!”
هل ارتداء القرط نفسه مرّتين في الأسبوع مأساة إلى هذا الحد؟
بل إن الخادمات لم يكنّ صغيرات السنّ أصلًا.
كلهنّ بدَوْن في أواخر الثلاثينات أو الأربعينات.
ورغم ذهوله، أمسك فيليب الصندوق.
عندها قالت بريسا لإحدى الخادمات:
“رافقيهم. ساعديهم على الحصول على سعرٍ عادل.”
“لا يمكن، آنستي!”
رفضت الخادمة بعنف.
“حتى لو وُضع سيف على عنقي، لا أستطيع بيع مجوهراتكِ!”
“حسنًا.”
احترمت بريسا رأيها بسعة صدر.
“كنتُ محتارة أصلًا بين المنفعة والفضول. أردتُ أن أعرف كم سيخفض الصائغ السعر إن جاءت فرقة البطاطس لتبيع هذه الحلي.”
ثم تابعت بجدّية تامّة:
“أحضِر الإيصال يا فيليب. سيكون مثالًا ممتازًا على الأسعار والاحتكار، وسنُدرجه في سجلّ تاريخ سيرس.”
شهقت الخادمة بهلع.
“لااااا! لا! سأذهب أنا!”
تقبّلت سيّدة القصر هذا الرأي أيضًا.
“حسنًا.”
وهكذا انتهت أوامر بريسا.
انهارت بقية الخادمات وكأن الإقطاعية سُلبت منهن، وبدأن في النواح.
“لم نستطع حماية حُليّ الأميرة حتى حين باعها الماركيز السابق……”
“كيف سننظر إلى وجه الأميرة في العالم الآخر……؟ كنا سنورّثها قطعةً قطعة للآنسة بريسا……”
وبينما عمّ المشهد هذا الحزن الدرامي، وقفت بريسا بوجهٍ هادئ.
أهو مجرد طريقٍ لشراء بذور بطاطس، أم جنازة وطنية؟
شعر فيليب أن قدرته على فهم الموقف بلغت حدّها الأقصى، فسأل بحذر:
“آنستي؟”
“نعم.”
“لِـ… لِمَ تأمريننا بهذا أصلًا؟”
أجابت بريسا بجدّية تامّة:
“لأنني لستُ بكامل قواي العقلية.”
…ماذا؟
“حاولتُ خلال الأيام الثلاثة الماضية أن أستعيد صوابي، لكنني فشلت.”
ارتبك فيليب، مع أنه كان مرتبكًا منذ وقتٍ لا يُستهان به.
سأل بحذر:
“أه… أهذا من نوع أحاديث النبلاء غير الجادّة، آنستي؟”
نظرت إليه بريسا بوجهٍ صارم.
“اسمع جيّدًا يا فيليب. نحن لا نعرف بعضنا بعد، لذا سأكون واضحة. أنا لا أتفوّه بأحاديث فارغة.”
ارتجف فيليب عند هذا التصريح الجاد.
وبالتفكير مليًّا، وباستثناء ألفيرس الذي عُدَّ خارج الحساب لأنه نشأ بين العامّة، كان هذا أوّل أمر يتلقّاه من ‘نبيلة حقيقية’.
وكان… أغرب بكثير مما تخيّله.
“آنستي، هل يمكنني أن أطرح سؤالًا واحدًا؟”
تردّد فيليب قليلًا، ثم نطق بما ظلّ عالقًا على طرف لسانه:
“هل… هل تريننا بشرًا حقًا؟”
قبل ساعات فقط، كان واثقًا أنها لا تراهم كذلك.
لكن الآن… الأمر بدا مختلفًا.
أجابت بريسا بلا تردّد، وبنبرة عادية:
“أنا مدركة تمامًا أنكم بشر مثلي.”
اتّسعت عيون الفرسان، بمن فيهم فيليب.
لم يتوقّع أحد إضافة عبارة ‘مثلي’.
ثم أضافت بجدّية:
“وتحتاجون إلى ثلاث وجبات في اليوم.”
…لحظة.
هل كان هذا محور الحديث؟
في تلك اللحظة، ركض الحارس وهو يلهث:
“آنستي! آنستي! أ، أ، أمر خطير!”
قال وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة:
“رئيس اتحاد تجّار الحبوب في الغرب وصل! يطالب بالسداد الفوري للدَّين! يقول إنه صبر كثيرًا!”
لم يفهم فيليب معنى الكلام.
لكن الخادمات اللواتي كنّ يبكين خلف بريسا ابتسمن بسخرية خفيفة.
“يبدو أن مبتدئًا ارتكب خطأً. نحن دائمًا نتأخّر في السداد.”
“صحيح أننا نتجاوز الموعد المحدّد كل سنة، لكنهم يتغاضون عن ذلك عادة.”
“اهدأ. موسم صيد سمك المارانغو في أوائل الشتاء. لا بدّ من سوء تفاهم.”
كان سمك المارانغو، وهو من أسماك المياه العذبة، مصدر الدخل الأساسي لإقطاعية سيرس.
فالأراضي القليلة الخصبة كانت تمتد بمحاذاة النهر.
وبعد أن هدّأن الحارس، عدن إلى البكاء.
أما بريسا، فلم تبدُ مضطربة.
تمتمت بهدوء:
‘يبدو أن الجنون لم يكن خيارًا سيئًا.’
ثم قالت:
“ليُقابَل رئيس الاتحاد الآن في صالون الاستقبال.”
ثم استدارت نحو فيليب، وبحركة أنيقة وضعت يدها على عضده.
“اترك الباقي هنا… وانطلق أنت.”
كان صوتها مهيبًا.
“حياة أهل إقطاعيتنا أو موتهم متوقّفة على فرقة البطاطس.”
…فجأةً؟
شعر فيليب وكأنه يتلقّى أمرًا بالذهاب إلى ساحة حرب.
نظرتها إليه كانت جادّة للغاية.
“الوضع صعب، لكن ابذل أقصى ما لديك.”
شدّت أصابعها الصغيرة على ذراعه.
“المستقبل الذي تصنعه فرقة البطاطس بجهدها سيعود علينا بالمجد.”
قالت ذلك بوقار، ثم تراجعت خطوة.
“انطلق. بذور البطاطس أمانة.”
شعر فيليب وكأنه تلقّى أمرًا يفصل بين الحياة والموت.
وزاد من هذا الشعور نحيب الخادمات خلفه.
‘هل تلقي الأوامر من نبيلة حقيقية يكون هكذا دائمًا؟’
أخذ نفسًا عميقًا، ثم انحنى.
“نعم، آنستي. اتركي الأمر لنا. و… أعتذر عمّا بدر مني سابقًا.”
كان واضحًا الآن أن اعتقاده بأنها تحتقرهم كان خطأً.
بل إنها تصدر أوامرها بأسلوب نبيل مهيب كهذا.
شعر بالفخر يملأ صدره.
“يشرفني تلقي أمر بهذه العراقة. هذه أول مرة أشعر بهذا الزخم…”
…لحظة. هذا يبدو مبتذلًا.
تنحنح، ثم خفّض صوته مسرعًا:
“أرجوكِ، لا تخبري أحدًا بما قلتُه.”
“لا.”
أجابت بريسا فورًا.
“سأدوّنه في كتب التاريخ.”
ثم استدارت نحو الحارس وقالت:
“رافقه.”
وأعلنت بنبرة باردة:
“أنا ذاهبة إلى ساحة معركة أخرى.”
ابتعدت الفتاة بخطوات مستقيمة.
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 4"