لم يستطع كارل في تلك اللحظة استيعاب ما تناهى إلى مسامعه
“…… ماذا؟”
كانت هذه هي الكلمة الوحيدة الواهنة التي استطاع النطق بها.
نظر إلى روزالين بغير تصديق؛ أيعقل ألا تكون ليليث هي الجانية؟ فمن ذا الذي قتل كاليكس إذن؟
كان الأمر يبدو عصياً على التصديق، بيد أنَّ نبضات قلبه بدأت تتسارع بـنذير شؤم.
ظلت روزالين ترمق كارل الغارق في ارتباكه، ثم قالت بصوتٍ خافت: “أعلم أنَّ شقيقتي لم تكن لترغب في أن أكشف هذه الحقيقة، لكنني لم أستطع ترككَ تسيء الظن بها إلى الأبد.”
كانت نبرتها هادئة ولا تشوبها ذرة من التردد.
بدأ كارل يحلل كلمات روزالين كلمةً بكلمة.
‘ليليث ليست القاتلة الحقيقية لكاليكس.’
كان خبراً يصعب تقبله؛ ألم تعترف ليليث بلسانها بـاقتراف الجريمة؟
لم يكن هناك أيُّ مبررٍ للشك في قولها آنذاك.
بيد أنَّ روزالين الآن تنفي ذلك، وهذا يعني أنَّ هناك شخصاً آخر هو من أزهق روح كاليكس.
وهنا ثار تساؤلٌ في ذهنه.
لماذا اعترفت ليليث زوراً؟
فـليليث التي يعرفها كارل، وإن لم تكن رمزاً للطيبة المطلقة، إلا أنها ليست ساذجة لدرجة أن تتحمل وزر خطيئة غيرها دون مقابل.
كانت دائماً تحسب خطواتها بما يحقق مصلحتها، وتأبى التضحية بنفسها هباءً.
فـلِمَ أخبرته إذن أنها هي المجرمة؟
وفجأة، وقع بصره على الشخص القابع أمامه.
وفي تلك اللحظة تحديداً، انقشعت الغمامة عن عينيه وأدرك كل شيء.
‘آه.’
‘هكذا إذن.’
مرَّت به خاطرةٌ كالبرق، فانجلت كل التساؤلات، وارتسمت على وجهه ملامح الذهول الممزوج بالخيبة.
فطنت روزالين حين رأت وجه كارل أنه قد أدرك الحقيقة كاملة.
“أجل. ما تفكر فيه هو الصواب.”
رسمت ابتسامةً حزينة وأردفت: “أنا هي من قتلتُ كاليكس.”
هبط قلبه في أعماق صدره.
ورغم إدراكه للحقيقة، إلا أنه ظلَّ ينكرها في عقله بغير تصديق؛ ‘كلا، لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً’……
فـروزالين التي أمامه تبدو رقيقةً و ثمينةً لدرجةٍ يستحيل معها تخيل أنها قاتلة.
بدأت روزالين تروي قصتها بمرارة: “…… لقد كان حادثاً.”
استسلمت روزالين لـغياهب الذاكرة.
في ذلك اليوم، جاء كاليكس لزيارة مقاطعة بلين.
“لا أعرف التفاصيل بدقة، كل ما كنتُ أعرفه هو أنه جاء لرؤية شقيقتي.”
رغم أنها كانت زيارةً مفاجئة، إلا أنَّ روزالين استقبلت خطيب أختها بـحفاوة، بل وأطبقت شفتيها التزاماً بطلبه ألا تخبر أحداً بـوصوله، حتى زينون نفسه.
“أخبرني كاليكس أنَّ أختي ستصل عما قريب، فانتظرتها بـقلبٍ يخفق شوقاً؛ فقد مضى وقتٌ طويل منذ أن رأيت وجهها.”
بيد أنَّ تلك كانت شرارة المأساة.
“تبادلنا أطراف الحديث في غرفتي بـبساطة.
أحضر كاليكس معه زجاجة شراب…… وبما أنني كنتُ ضعيفة البنية ولا أقرب مثل هذه الأشياء، بدا لي الأمر مثيراً للفضول، فارتشفت منه جرعةً بناءً على إلحاحه. ولكن……”
أظلم وجه روزالين حين بلغت الذاكرة نقطةً معينة.
“في مساء ذلك اليوم، وصلت شقيقتي أخيراً إلى المنزل.”
أوضحت روزالين أنَّ ليليث أيضاً كانت قد وصلت بـعجلة ولم تخبر أحداً بـعودتها، فكانت تسير وحدها في صمت دون استقبال.
كان كاليكس وروزالين يرقبان ليليث من النافذة.
وفي تلك اللحظة–
“فجأة، ظهر زينون أمام أختي.”
توقفت ليليث عند رؤية زينون، ودار بينهما حديثٌ لم تستطع روزالين سماعه لبعد المسافة، ولكن……
حتى روزالين البريئة استطاعت استشعار تلك الكيمياء الغريبة بينهما.
“ربما لم تكن أختي تدرك ذلك، فهي لم تكن تأبه لمثل هذه الأمور، لكنني أنا وكاليكس أدركنا الحقيقة في تلك اللحظة.”
أدركا أنَّ هناك رابطاً عاطفياً خفياً قد نشأ بينهما.
عضت روزالين على شفتها وهي تواصل حديثها المضني، دون أن تتوقف.
“وعندئذٍ…… استشاط كاليكس غضباً.”
اشتعل الغضب في صدر كاليكس وهو يرى ليليث مع زينون، ولعلَّ السكر قد زاد من حدة انفعاله.
انفجر غضباً بـوجهٍ محتقن، وسرعان ما ارتدَّ ذلك الغضب نحو روزالين القابعة بجانبه.
أغمضت روزالين عينيها بقوة و ارتجفت.
في الواقع، لا تزال ذكريات تلك اللحظة مشوشة؛ لأنها من فرط الألم عمدت إلى مسحها من ذاكرتها.
“بسبب غضبه، حاول كاليكس…… حاول أن…… يغتصبني، فقاومتُه. وبالطبع لم تكن قوتي لتجدي نفعاً، لكنَّ يدي المتعثرة لمست شيئاً ما فجأة.”
لقد كانت زجاجة الشراب.
تلك الزجاجة التي أحضرها كاليكس.
في غمرة ذعرها، جزَّت روزالين على أسنانها وأمسكت بالزجاجة، ثم هوت بها بكل قوتها.
-طاخ!
دوى صوت تهشم الزجاج، وسقط كاليكس جثةً هامدة.
“…… وهكذا مات كاليكس، بـتلك البساطة المروعة.”
لم يجد كارل كلماتٍ يردُّ بها بعد سماع القصة.
كان وجهه يعبر عن فاجعةٍ حقيقية، وعضَّ على شفته بأسى.
فعلى عكس ما كان يتصوره من ‘ظروفٍ غامضة’، كان الواقع أبشع بكثير.
وفجأة، تردد صدى صوت ليليث في رأسه.
<كاليكس استحق الموت، هذا كل ما في الأمر.>
‘آه، لهذا السبب إذن.’
الآن فقط استطاع كارل فهم مكنونات قلب ليليث حقًّا.
وانجلت كل الشكوك التي كانت تساوره؛ لقد تيقن الآن من السبب الذي دفع ليليث لارتكاب كل تلك الأفعال الغريبة عنها.
لقد طوعت نفسها لارتداء قناع الشريرة في سبيل حماية شقيقتها التي تحبها.
انحدرت الدموع من عيني روزالين وسالت على وجنتيها.
حاولت أن تبتسم، لكنَّ ملامحها كانت تفيض بـلوعة الحزن.
“ما حدث بعد ذلك هو ما تعرفه. جاءت أختي إلى غرفتي ورأت جثة كاليكس، فقررت حمايتي وأخفت الجثة في البحيرة بنفسها مع كبير الخدم، كي تتحمل هي وزر الجريمة إن انكشف الأمر.”
“أما أنا، نسيتُ الحدث من هول الصدمة. وقصة الحمى لم تكن سوى عذرٍ اختلقته أختي. لم أدرك هذه الحقيقة إلا بعد أن استعدتُ ذاكرتي مؤخراً.”
ثم حركت شفتيها بتردد وتابعت.
“أختي لم تكن تعلم حتى وقتٍ قريب ما الذي حدث لي بالضبط، أو لِمَ قتلتُ كاليكس، لكنها رغم ذلك حاولت التستر على كل شيء من أجلي، دون أن تعرف الحقيقة حتى……”
غصَّ كارل بـالكلمات وعجز عن النطق.
لقد نال الحقيقة التي كان ينشدها، لكنَّ الفرح لم يجد سبيلاً لقلبه، بل لم يذق سوى طعم المرارة اللاذعة.
“…… ولِمَ أخبرتِني بكل هذا؟”
إنه اعترافٌ خطير؛ فلو قرر كارل تغيير رأيه الآن، لتعرضت روزالين للمحاكمة بصفتها القاتلة الحقيقية.
لقد كشفت له عن نقطة ضعفها القاتلة.
ابتسمت روزالين بـوهن.
“كما قلتُ لك، لم أكن أريد منكَ أن تسيء الظن بشقيقتي، هذا كل ما في الأمر.”
فبسببها، تحطمت حياة أختها؛ اضطرت ليليث للتخلي عن اللقب الذي طالما نشدته، وعن شرف عائلة بلين، وعن حياتها كنبيلة، كل ذلك بسبب خطيئة شقيقتها.
مسحت روزالين دموعها بـمنديلها؛ ورغم تأثر ملامحها، إلا أنها بدت في غاية الراحة.
رمق كارل روزالين بـنظرةٍ فاحصة.
تلك كانت الابتسامة التي كافحت صديقته ليليث لحمايتها؛ لقد أرادت ليليث أن تحمل الثقل كله وحدها حتى لا تستعيد روزالين ذاكرتها أبداً، ورغم فشلها في ذلك، إلا أنَّ تضحيتها لم تذهب سدى.
لقد نجحت في حماية روزالين ببراعة؛ فلا أحد يشك في روزالين، وستواصل حياتها بـسلامٍ للأبد فوق الدرب الذي مهدته لها ليليث.
“كارل.”
نادته روزالين بـهدوء.
وحين التقت عيناهما، ابتسمت بـرقةٍ و جمال.
“شكرًا لكَ حقًّا لأنكَ وثقتَ بشقيقتي حتى النهاية.”
عند رؤية تلك الابتسامة الممتزجة بالدموع، أدرك كارل بـيقين.
أنه سيحمل هذا السر معه إلى القبر ولن يبوح به أبداً لأيّ أحد.
التعليقات لهذا الفصل " 74"