الفصل 73
لقد فرَّ زينون ماير من سجنـه.
انتشر الخبر كالنار في الهشيم في أرجاء الإمبراطورية كافة.
“كيف يعقل حدوث هذا!”
تملكت الدهشة والذهول قلوب الجميع عند سماع النبأ.
ولم يكن ذلك بمستغرب؛ فالهارب هو المجرم الذي اغتال الأمير.
بطل الإشاعات التي هزت أركان العالم قد تبخر فجأة دون أثر، مما دفع الجميع لإطلاق العنان لتخميناتهم.
“قيل إنه اعترف بجريمته طواعية. هل تراجع عن قراره الآن؟”
“ربما ساعده أحدهم على الهرب.”
“ولكن مَن عساه يفعل ذلك؟ ولأيِّ غرض؟”
تعددت الأقاويل وكثر اللغط، و لم يدرك أحدٌ الحقيقة.
ومضى الوقت سراعاً دون أن تجد القضية سبيلاً للحل.
“ما الذي جرى بحقِّ السماء!”
-طاخ.
ضرب الإمبراطور مسند كرسيه بقبضة يده.
“كيف يمكن التغافل عن سجينٍ حتى يفرَّ والمحاكمة على الأبواب!”
استشاط الإمبراطور غضباً عند علمه بفرار زينون، وهذا أمرٌ طبيعي؛ فقد تعرض لسلسلةٍ من الخيانات من قِبل أشخاصٍ وضع ثقته فيهم طوال هذه القضية.
لذا، كان من البديهي أن يتفجر غضبه عند سماع هذا الخبر.
لم يكن يملك حيلةً حيال ما حدث.
فالعثور على هاربٍ يتطلب وجود أثر، ولسببٍ غامض، عجز الجميع عن إيجاد ولو خيطٍ واحدٍ يقود إليهم.
لقد تبخر زينون ماير تماماً، وكأنه لم يكن له وجودٌ من الأساس.
“ابحثوا عنه فوراً! أغلقوا الحدود وامنعوا المجرم من مغادرة البلاد!”
أصدر الإمبراطور أوامره الصارمة لرجاله وهو في قمة غيظه.
أحنى الجميع رؤوسهم امتثالاً للأمر الإمبراطوري، لكن لم يظفر أحدٌ منهم بـأثرٍ للمجرم.
وهكذا، مرت الأيام مرةً أخرى.
توجه كارل رايمر، الصديق الوفي لـليليث والابن الثاني لعائلة الكونت رايمر، نحو المنزل الحضري التابع لعائلة بلين بعد غياب.
وبينما كان يرقب المناظر المتغيرة خلف نافذة العربة، غرق في لجَّة تفكيره.
[لديَّ ما أقوله لك. أرجو أن تأتي لزيارتي.
روزالين بلين.]
كان سبب توجه كارل إلى منزل بلين هو تلك الرسالة التي وصلته من روزالين.
ورغم أنه كان يزورهم مسبقاً من تلقاء نفسه، إلا أنها المرة الأولى التي تدعوه فيها روزالين بنفسها، مما أثار في نفسه نوعاً من الريبة.
‘ولكن…… لا بد من الذهاب على أيِّ حال.
رفع بصره نحو السماء بنظراتٍ غائرة، مستحضراً صور أصدقائه الذين لم يعد بمقدوره رؤيتهم.
بعد فترةٍ وجيزة، وصلت العربة أخيراً إلى وجهتها.
ترجل كارل من العربة التي توقفت بـسلاسة، وكان في استقباله كبير الخدم.
“أهلاً بك. إنها بـانتظارك في الداخل.”
سار كارل خلف رئيس الخدم وهو يتفحص الأرجاء.
بينما كان يعبر الرواق، راح يجيل بصره في أرجاء القصر.
لا يزال قصر عائلة بلين يفيض بالفخامة والعظمة، بيد أنَّ روح المكان بدت مختلفةً عما عهده سابقاً.
‘…… يبدو أنَّ المكان قد أصبح كئيباً بعض الشيء.’
فالقصر الذي كان يضجُّ بالحيوية، صار الآن يرزح تحت وطأة جوٍّ من الهدوء والسكون الثقيل، وكأنَّ سكانه يتعمدون كتم أنفاسهم.
‘حسناً، بعد كل ما جرى، لا غرو أن تتبدل الأحوال.’
هزَّ كارل كتفيه وهو يسترجع الأحداث التي عصفت بـعائلة بلين في الأشهر الأخيرة، وشعر بمرارةٍ في حلقه.
“تفضل من هنا.”
أيقظه صوت كبير الخدم من غمار أفكاره.
توقفوا أمام غرفة الاستقبال، وهي الغرفة التي طالما زارها لمقابلة ليليث.
بيد أنَّ الشخص القابع خلف هذا الباب اليوم هو شخصٌ آخر.
حدق كارل في الباب لِلحظة مستحضراً بعض الذكريات، ثم أومأ برأسه واستدار المقبض ليدخل.
بدت الغرفة من الداخل كما عهدها تماماً.
وسرعان ما لمح شخصاً يقف بجانب النافذة.
وما إن أغلق الباب خلفه، حتى التفتت إليه تلك الشخصية حين شعرت بـوجوده.
“آه، لقد جئت.”
كانت روزالين بلين.
ألقيت عليه التحية وهي ترسم ابتسامةً مشرقة:”أهلاً بك.”
رفع كارل زوايا فمه مبتسماً وأومأ برأسه.
جلس الاثنان على الأريكة في منتصف الغرفة يواجه أحدهما الآخر.
وبينما كان كارل يراقب روزالين وهي تصبُّ الشاي بهدوء، ساوره شعورٌ بالغرابة.
“أين الخادمات؟”
فـأجابت روزالين بـرزانة:”صرفتهنَّ جميعاً؛ فلديَّ ما أقوله لك في سريةٍ تامة.”
تصاعد البخار من فنجان الشاي.
‘سرية؟ روزالين تخبرني بسر؟’
تملك الفضول كارل أكثر فأكثر حول سبب هذا اللقاء.
وبعد أن انتهت من إعداد كل شيء، ابتسمت روزالين بصفاء وقالت بنبرةٍ ودودة: “تفضل بالشراب؛ فرائحته زكية.”
أومأ كارل برأسه ورفع الفنجان.
وكما قالت روزالين، كانت رائحة الأزهار المنبعثة من الشاي تفيض بالروعة.
ورغم أنَّ كارل لم يكن خبيراً في أنواع الشاي، إلا أنه استطاع إدراك قيمته الرفيعة، فراح يرتشفه متلذذاً بـعبيره.
وبينما كانت روزالين ترمقه بنظراتها، قالت بصوتٍ خافت.
“…… شكرًا لك على ما فعلته في المَرَّة الماضية.”
رفع كارل رأسه ليبدأ الحوار أخيراً.
وعندما التقت عيناهما، ابتسمت روزالين.
“بفضلك، تمكنت شقيقتي من المغادرة مع زينون في الوقت المناسب. كل هذا بفضل مساعدتك يا كارل.”
وضع كارل فنجانه جانباً.
“حسناً…… نحن أصدقاء على أيِّ حال.”
توقف عن الكلام لِلحظة كمن يزن كلماته، ثم تابع بـهدوء: “لم أفعل الكثير، كان مجرد دعمٍ بسيط.”
لقد كان لـكارل دورٌ كبير في تمكين زينون وليليث من الخروج من السجن بسلام.
فبصفته عضواً في فريق التحقيق الخاص المفوض من قِبل الإمبراطور، كان يملك سلطة التدخل في شؤون السجن إلى حدٍّ ما.
وبطبيعة الحال، كان لـقدرات زينون الخارقة الدور الأكبر في خروجهما دون عوائق، بيد أنَّ كارل اكتفى بهزِّ كتفيه.
رسمت روزالين ابتسامةً رقيقة.
“كلا، فلولا وجودك يا كارل، لما سارت الأمور بهذا اليُسر. وما زلت تمدُّ لنا يد العون حتى بعد ذلك.”
لم يجب كارل، بل اكتفى بـابتسامةٍ طفيفة وعاد ليرتشف من فنجانه.
استعرض في ذهنه ما قام به في الأشهر الماضية؛ لقد تلاعب بـالأدلة، وهو جرمٌ جسيم كان لـيودي به إلى العقاب الشديد لو انكشف أمره.
بيد أنَّ كارل كان واثقاً من عدم انكشاف أمره؛ فلو كان يخشى ذلك لما بدأ من الأساس.
ارتشف جرعةً من الشاي وغير مجرى الحديث: “وماذا قررتِ بشأن ليليث؟”
كان يتساءل عن كيفية التعامل مع غيابها رسمياً.
في الواقع، لم يكن أحدٌ يعلم بـفرار ليليث مع زينون سوى روزالين وكارل.
كان الجميع يظنُّ أنَّ زينون قد فرَّ من السجن وحده.
ولم يخطر بـبال أحدٍ أنَّ له شريكاً في الهرب، ناهيك عن أن تكون ليليث بلين هي تلك الشريكة.
أجابت روزالين بـهدوء: “أخطط للإعلان عن وفاة شقيقتي قريباً.”
رسمياً، يقال إنَّ ليليث بلين تعاني من مرضٍ عضال ألَمَّ بها نتيجة الصدمة التي تلقتها من الأحداث الأخيرة.
وبما أنه لا يمكن إخفاء غيابها للأبد، فلا بد من اتخاذ هذه الخطوة عما قريب.
نظر كارل إلى روزالين التي بدا عليها مسحةٌ من الحزن وسألها: “وهل ستكونين بخير؟”
أومأت روزالين برأسها ببطء.
“بالتأكيد، يجب أن أكون كذلك.”
حملت كلماتها معانٍ كثيرة، بيد أنَّ كارل لم يشأ الاستفاضة في السؤال.
خيم الصمت بينهما لبرهة.
راح الاثنان يرتشفان الشاي محاولين تهدئة نفسيهما.
ورغم أنَّ في صدر كلٍّ منهما الكثير من الكلام، إلا أنهما آثرا عدم البوح به.
وبعد مرور بعض الوقت–
“…… ولكن، لِمَ دعوتِني اليوم؟”
كان كارل هو من بدأ السؤال.
وكأنَّ روزالين قد تذكرت غرضها للتو، فأطلقت شهقةً خفيفة.
“أوه، صحيح. كان لديَّ ما أريد إخبارك به. أعتذر منك.”
تملك الفضول كارل؛ فما الذي يدفع روزالين لدعوته؟
صحيحٌ أنَّ علاقته بـروزالين ليست سيئة، لكنهما لا يملكان تلك الصداقة القوية بعيداً عن الرابط المشترك بينهما وهو ليليث.
هل أرادت الاعتماد عليه بصفته وجهاً مألوفاً بعد أن غادر الجميع من حولها؟
وبينما كان كارل يغرق في تخميناته، قالت روزالين بصوتٍ خافت: “أنا…… لديَّ شيءٌ يجب أن أقوله لك يا كارل.”
كانت تحرك شفتيها بتردد، فـسألها كارل بـرفق: “ما هو؟”
عندئذٍ، نظرت إليه روزالين بملامح يكسوها الحزم.
وأخيراً، نطقت بكلماتها.
“شقيقتي ليست من قتل كاليكس.”
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 73"