حرك شفتيه وكأنه يهمُّ بالنطق بشيءٍ ما، بيد أنه عجز عن إتمام جملته، فأطبق فمه ثانيةً.
رمقته ليليث بنظرةٍ فاحصة وتمتمت بصوتٍ خافت: “…… كم أنتَ ساذجٌ يا زينون. ساذجٌ حقًّا.”
كانت نبرتها تحمل عتابًا، لكنه عتابٌ امتزج بـرقةٍ وشفقةٍ خفية.
نظرت ليليث إلى زينون العاجز عن الرد؛ وقد عاد إلى ملامحه ذلك الهدوء الرصين وكأنه استسلم لـقدره مَرَّةً أخرى.
أغمض زينون عينيه ببطء، وكأنه يغرق في أفكاره بصمت، حتى بدا لمن يراه في تلك اللحظة وكأنه يفيض بـقدسيةٍ مهيبة.
وأخيرًا، كسر زينون حاجز الصمت.
“أنا.”
سكن صوته الأجشُّ في أرجاء المكان.
“ظننتُ فحسب أنَّ هذا هو الخيار الأفضل للجميع.”
‘الأفضل.’
عند تلك الكلمة، غاصت ليليث في أعماق تفكيرها.
لقد اتخذت قراراتٍ لا حصر لها حتى وصل بها الحال إلى ما هي عليه الآن؛ وفي كل مَرَّةٍ كانت تواجه فيها النتائج، كانت تبرر لنفسها قائلة: ‘هذا هو الخيار الأفضل.’
لكنها الآن، وهي تنظر إلى الماضي، تملكها الشك.
هل كان ذلك حقًّا هو الخيار الأفضل؟
أن تشيح بنظرها عن مشاعرها، وتبرر أفعالها بحماية شقيقتها، وتضحي بـزينون الذي لا ذنب له؛ هل كانت تلك هي الوسيلة الفضلى حقًّا؟
لم تكن تدري، ولم يعد لديها يقينٌ بأيِّ شيء.
أدركت ليليث الآن، ولو بصورةٍ باهتة، أنها في الحقيقة لم تكن ترغب في مثل هذه النهاية أبدًا.
تشنج وجه ليليث وهي تشعر بشعورٍ غريبٍ يثور في أعماقها، شعورٍ لم تدرك ماهيته بعد؛ فبَدَا وجهها تارةً كوجهٍ غاضب، وتارةً كوجهٍ يوشك على البكاء.
عضت على شفتها وقالت بحدة: “أيها الأحمق.”
كانت مسبةً لاذعة بالنسبة لها.
بيد أنَّ ليليث لم تكن تدري إن كان تقصد بها زينون، أم تقصد بها نفسها.
رفعت صوتها دون وعي:”مَن طلب منكَ فعل ذلك؟ أتظنُّ أنَّ هناك من سيقدر تضحيتك هذه؟”
نظر إليها زينون بعينين غائرتين، ثم هزَّ رأسه ببطء.
“لا بأس إن لم يقدرها أحد.”
كان صوته رصينًا لا يخالطه أيُّ انفعال.
“لم أفعل هذا طمعًا في جزاء.”
أحكمت ليليث قبضتها ورمقت زينون بنظرةٍ حادة.
عجزت عن الفهم.
لِمَ؟ لِمَ أنتَ هكذا……؟
سيعتبره الناس المجرم الذي اغتال الأمير وسينصبون له العداء، حتى أولئك الذين يحاول حمايتهم لن ينطقوا بكلمة شكرٍ واحدةٍ تجاهه.
ومع ذلك، لم يندم زينون على ما فعل.
بأيِّ قلبٍ قبل تحمل وزر الخطيئة واستقبل الموت بصدرٍ رحب؟
إنها مشاعرٌ لن تجد لها صدىً أو رداً؛ فـليليث القديمة ما كانت لتبالي بـإخلاصه وتفانيه مهما فعل.
بل لم يقتصر الأمر على عدم تلاقي القلوب، بل إنَّ مشاعره الصادقة كانت تُنكر وتُحقر.
لكنَّ زينون ظلَّ محتفظًا بـهدوء وجهه المعتاد، وكأنه فعلاً لا يرجو أيَّ مقابلٍ كما قال.
وأمام هذا الصمود، لم تستطع ليليث كبح جماح نفسها أكثر.
“…… لا تسخر مني.”
تابعت حديثها بـاندفاع.
“ألا تريد العيش؟ ألا تشعر بالظلم؟ مهما فعلتَ، فلن يتغير هذا العالم. الآن، أنا آتيةٌ إليكَ هكذا، لكن بمجرد موتكَ، سأنساكَ تماماً بعد وقتٍ قصير. سأتزوج من رجلٍ آخر في يومٍ ما، وسأمحو أثر وجودكَ من ذاكرتي بالكامل. هل يرضيكَ ذلك حقًّا؟”
غصَّت ليليث بالكلمات وتوقفت لبرهة؛ فقد غلبتها العاطفة الجياشة وعجزت عن السيطرة عليها.
عضت على شفتيها بقوةٍ كي لا تذرف الدموع.
وبعد فترة، نطقت بكلماتها الأخيرة بصعوبة.
“…… يبدو هذا غباءً محضًا.”
ساد صمتٌ مطبقٌ بين الاثنين.
راح كلاهما يحدق في الآخر، غارقين في أفكارٍ صامتة؛ لعلها كانت أفكاراً متطابقة، ولعلها لم تكن.
كانت ليليث تدرك حقيقةً واحدةً لا مراء فيها–
خلافًا لما قالت، فإنها لن تستطيع نسيان زينون ما حييت.
اكتفى زينون بالنظر إلى وجهها بسكون؛ وكأنه يحاول نقش تفاصيل ملامحها في ذاكرته بكل دقة.
وأخيرًا، نطق باسمها.
“ليليث.”
عضت ليليث على شفتها عند ندائه.
سأل زينون بنبرةٍ هادئة: “هل تذكرين الوعد الذي قطعتهِ لي؟”
لم تستوعب ليليث مقصده في البداية.
فأعاد زينون تذكيرها بـرزانة: “في الليلة التي سبقت الانطلاق للحملة، وعدتِني بأن تحققي لي أمنيةً واحدةً إن عدتُ حيًّا.”
استرجعت ليليث تلك الذكرى الباهتة؛ صورة زينون بوجهه اليافع آنذاك، وصورتها هي وهي تومئ برأسها دون أن تعير الأمر أدنى اهتمام.
وحين عاد بعد قتل التنين، ذكرها بهذا الوعد ثانيةً؛ وطلب حينها الزواج منها كأمنية، بيد أنَّ ذلك كان طلباً لم يعد بمقدورها تلبيته.
أدرك زينون من ملامح ليليث أنها تذكرت الأمر.
“سأخبركِ بأمنيتي مرةً أخرى.”
تسارعت دقات قلب ليليث، ونظرت إليه بعينين ترتجفان.
وعندئذٍ، نطق زينون بكلماتٍ واضحةٍ وجلية.
“انسيني. وامحي اسمي تماماً من سجل حياتكِ.”
هبط قلبها في أعماق صدرها.
عجزت ليليث عن استيعاب ما سمعت؛ أو بالأحرى، رفضت استيعابه.
وأخيراً، انحدرت دمعةٌ من عينها.
‘آه.’
‘يا لكَ من رجلٍ أحمق.’
في تلك اللحظة، تحطمت جدران الغرور والعناد التي كانت تعمي بصيرة ليليث.
لقد ظلت تنكر الحقيقة طويلاً؛ تختلق الأعذار، وتتذرع بوجود مهامٍ أكثر أهمية، وتخدع قلبها، وتشيح بنظرها عن صدق مشاعر الجميع.
لكنها الآن، لم تعد تملك مفراً من الاعتراف.
أنَّ زينون ماير يحبُّ ليليث بلين.
وأنَّ ليليث بلين تحبُّ زينون ماير أيضاً.
انهمرت الدموع على وجهها دون انقطاع.
وأخيراً، نطقت ليليث وهي تواجه مشاعرها وجهاً لوجه.
“لقد هُزمتُ.”
رسمت ابتسامةً حزينة.
“لذا، تعالَ معي.”
اتسعت عينا زينون دهشةً عند سماع ذلك.
تجمد في مكانه وكأنه لا يصدق ما قيل؛ بيد أنه حين رأى دموعها المنهمرة أمامه، أدرك الحقيقة أخيراً.
أنَّ ليليث قد اعترفت بصدق مشاعرها لأول مرة.
لكنَّ زينون لم يستطع الإجابة بسهولة.
ظلَّ يرمق وجه ليليث بصمتٍ لبرهة، بنظراتٍ معقدةٍ يختلط فيها الكثير من المشاعر.
وبعد وقتٍ طويل، نطق بصعوبة: “…… لا يمكنني فعل ذلك.”
تابع زينون حديثه بصوتٍ متحشرج.
“إن هربتُ، سأقضي حياتي كلها مطارداً. لا يمكنني أن أضع مثل هذا الحمل على كاهلكِ.”
مسحت ليليث دموعها؛ ورغم أنَّ وجهها كان في حالةٍ من الفوضى، إلا أنها بدت، لسببٍ غريب، أكثر راحةً من أيِّ وقتٍ مضى.
“لا يهمني.”
تفحصت ليليث زينون بنظرةٍ بطيئة.
لقد توقف جسدها عن الارتجاف، وأدركت أخيراً.
أنَّ هذا هو ما كانت ترغب فيه حقًّا.
“كانت تلك خطيئتي التي ينبغي لي تحملها منذ البداية.”
عجز زينون عن الكلام، واكتفى بالنظر إليها بعينين تفيضان بـرغبةٍ عميقة.
“لذا، هذا أمرٌ مني. زينون، تعالَ معي.”
نظرت ليليث في عيني زينون؛ تلك العينان الرماديتان الغائرتان اللتان كانت تصفهما دوماً بالغموض والنفور.
لكنها، لسببٍ ما، بدأت تفهم مكنونات قلبه الآن؛ أدركت ما يفكر فيه، والجواب الذي سيلقيه عما قريب.
تردد زينون لبرهةٍ طويلة، وقطب حاجبيه كمن يغرق في تفكيرٍ عميق، ثم فتح فمه قائلاً: “أنا……”
التعليقات لهذا الفصل " 72"