الفصل 70
سألت ليليث بصوتٍ متهدج:
“…… هل تدركين حقًّا ما الذي تفوهتِ به لتوكِ؟”
أومأت روزالين برأسها ببطء.
عند رؤية ذلك، أفلتت من ليليث ضحكةٌ ساخرة تنمُّ عن ذهولها.
“هل تدركين؟”
كلا، هذا مستحيل.
فلو كانت تدرك حقًّا، لما أمكنها نطق مثل تلك الكلمات.
قطبت ليليث حاجبيها؛ بيد أنها لم تستطع صبَّ جام غضبها على شقيقتها، فكتمت غيظها في صدرها، ثم تحدثت بصعوبة.
“…… سأعتبر أنني لم أسمع شيئًا. عودي من حيث أتيتِ.”
“أختي.”
“قلتُ لكِ عودي!”
اتسعت عينا روزالين صدمةً وهي ترى ليليث ترفع صوتها عليها لأول مَرَّة.
آلم ذلك المنظر قلب ليليث، لكنها تجرعت الألم وكابدت للصمود.
“…… كفى. كفِّي عن هذا الحديث. لقد انتهى كل شيء.”
نهضت ليليث من مقعدها وأولتها ظهرها؛ كان رفضًا صريحًا وقاطعًا.
نظرت روزالين إلى ظهر شقيقتها بعينين حزينتين، وحين أدركت أنَّ باب الحوار قد أُغلق تمامًا، طأطأت رأسها باستسلام.
“سأنصرف الآن.”
تحركت روزالين بهدوءٍ نحو الباب.
وقبل أن تغادر المكتب، التفتت لترمي ليليث بنظرةٍ أخيرةٍ.
“لكن يا أختي، فكري جيدًا؛ ما هو الخيار الأصوب حقًّا؟ و……”
ابتسمت روزالين ابتسامةً واهنة.
“ما هو الدرب الذي ترغبين في سلوكه من أعماق قلبكِ؟”
ثم انغلق الباب.
-طاخ.
بقيت ليليث وحيدةً في الغرفة.
راحت تعضُّ على شفتها وهي تحدق في الفراغ بنظرةٍ حادة؛ كان وجهها جامدًا كأنه يقطر غضبًا، بيد أنَّ هيئتها كانت تشي بـاضطرابٍ دفين.
* * *
غرقت ليليث في تفكيرٍ لا ينتهي.
<ما هو الدرب الذي ترغبين في سلوكه من أعماق قلبكِ؟>
توالت الأفكار في رأسها كخيوطٍ لا تنقطع.
تراءت لها وجوهٌ عديدة ثم تلاشت؛ ظهروا بهيئاتهم المألوفة وكأنَّ كلاً منهم يهمس في أذنها بكلمة.
قال كارل: <لا تشيحي بنظركِ عن الحقيقة.>
وقال كاليكس: <ليليث، هذا خطؤكِ أنتِ.>
وأخيرًا قالت روزالين: <يجب أن تعيشا سعيدين معًا،أتعدينني؟>
السعادة.
يا لها من كلمةٍ جوفاء وعابرة.
أطلقت ليليث ضحكةً مريرة ثم أغمضت عينيها.
وفي غياهب الظلمة، برز وجهٌ باهت.
إنه زينون.
كان يحدق فيها بسكون بملامحه الغامضة المعهودة؛ تلك العينان الرماديتان الغائرتان.
وأمام تلك النظرة المستقيمة، طرحت ليليث عليه سؤالاً.
‘زينون، أخبرني.’
‘بماذا كنتَ تفكر بحقِّ السماء حين فعلتَ ذلك؟’
وبطبيعة الحال، لم يأتها جواب؛ فزينون الذي في مخيلتها اكتفى بالنظر إليها بصمتٍ مطبق.
‘أرجوك……’
‘أرجوكَ أجبني.’
توسلت إليه ليليث وكأنها تستجدي منه كلمة، لكنَّ زينون ظلَّ صامتًا.
ربما لن تعرف جواب هذا السؤال طوال حياتها؛ فزينون سيُعدم عما قريب وهو يحمل وزر خطيئتها.
شعرت بصداعٍ يمزق رأسها وغثيانٍ يعتصر أحشاءها، لتكتشف فجأةً أنَّ الدموع قد انهمرت من عينيها دون وعي.
عندئذٍ، فتح زينون فمه أخيرًا:
<ليليث.>
رفعت رأسها لتنظر إليه، فالتقت عيناه بعينيها وقال بصوتٍ هادئ: <أنا آسف.>
وفي تلك اللحظة بالذات، فتحت ليليث عينيها فجأة.
راحت تلهث مكروبةً، ورفعت يدها لتمسح جبينها الذي غطاه عرقٌ بارد.
‘هل غفوتُ؟’
استجمعت أنفاسها بصعوبةٍ وراحت تتفقد الأرجاء؛ كان الليل قد أسدل ستاره على ما وراء النافذة، ولم يكن في المكتب المظلم سوى ضوء المصباح فوق المكتب الذي يرسل بصيصًا واهنًا، لعلَّ إيرهي هو من تركه مشتعلاً.
أغمضت ليليث عينيها بقوة ثم فتحتهما ثانيةً.
‘عليَّ أن أتماسك.’
يبدو أنَّ إجهادها العصبي قد نال من قواها الجسدية.
نهضت من مقعدها وهي تترنح.
وراحت تردد في سرِّها مرارًا و تكرارًا.
‘أنا بخير. أنا بخير تمامًا.’
‘لا أشعر بشيء……’
غيرَ أنَّ سؤالاً واحداً انبثق من أعماقها: ‘حقًّا؟’
توقفت ليليث في مكانها كالمتسمرة.
كان الأمر غريبًا؛ ففي الواقع لم يتغير شيء.
ألم تنجح في حماية بلين؟ كل شيءٍ يسير وفق الخطة، والأوضاع مستقرة.
ورغم ظهور كارل كمتغيرٍ جديد، إلا أنه لن يجرؤ على الوشاية بها الآن، لذا لا داعي للقلق.
ولكن، لِمَ هذا الفراغ الذي ينهش قلبها؟
“…… كلا. ليس الأمر كذلك. أنا بخير.”
تمتمت ليليث وكأنها تعاهد نفسها، ثم جرَّت قدميها المثقلتين قسرًا.
وحين وصلت بصعوبةٍ إلى غرفتها–
أدركت فجأةً أنَّ هناك من ينتظرها أمام الباب، يروح ويغدو في الرواق.
“…… روزالين؟”
لعلَّ الظلمة هي السبب، أو ضوء القنديل الخافت، لكنَّ وجه روزالين بدا مختلفًا عن المعتاد.
وما إن لمحت ليليث حتى ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ خفيفة.
“أختي.”
أسرعت ليليث نحو شقيقتها.
“ما الخطب؟”
عندئذٍ، لاحظت أنَّ روزالين تحمل بين ذراعيها أشياء كثيرة.
وقبل أن تتساءل عن ماهيتها، مدت روزالين يدها بالمتاع نحو ليليث.
“خذي هذا.”
تلقفته ليليث بعفوية، وطأطأت رأسها لترى ما قدمته لها روزالين.
كان عباءةً سوداء، وصرةً ممتلئة بالمال، وخنجرًا.
عجزت ليليث عن فهم مغزى هذه الأشياء مهما أمعنت النظر، فرفعت بصرها نحو روزالين بحيرة.
“ما هذا……؟”
فتحت روزالين فمها قائلة: “لقد وصلني للتو خبرٌ عاجلٌ من كارل.”
‘كارل؟’
قطبت ليليث حاجبيها لشعورٍ مشؤومٍ بأنَّ الأمور تنحرف عن مسارها، فقالت روزالين بحزم: “سيتم تقديم موعد محاكمة زينون إلى الغد.”
تجمد عقل ليليث في لِلحظة.
“…… ماذا قلتِ؟”
لم تستوعب ليليث كلمات روزالين؛ أو بالأحرى، فهمها عقلها لكنه عجز عن إيجاد مخرج.
صوبت روزالين نظرها نحو عيني ليليث مباشرة.
“هذه هي الفرصة الأخيرة.”
كانت نظرتها ثابتةً لا تشوبها شائبة:
“اذهبي وأنقذي زينون.”
عجزت ليليث عن النطق.
الفرصة، الأخيرة.
كانت محقة؛ فبمجرد بدء المحاكمة سيُحكم على زينون بالإعدام، ولن توجد ثغرةٌ واحدة لتهريب محكومٍ عليه بالمرت وهو تحت الحراسة المشددة.
إذًا، كانت هذه هي الفرصة الأخيرة حقًّا.
ولكن……
هزت ليليث رأسها.
“لا يمكن. لا أستطيع فعل ذلك.”
“أختي.”
“لا تطلبي مني هذا.”
شعرت وكأنَّ غصةً تخنقها، فقالت بصعوبة: “لقد اخترتُكِ أنتِ من بينكِ وبين زينون. هذا هو أفضل ما يمكنني فعله؛ لأنني……”
‘لأنَّ عليَّ حمايتكِ.’
‘لأنني شقيقتكِ الكبرى.’
لم تستطع ليليث إكمال حديثها، بيد أنَّ رسالتها وصلت لـروزالين، فابتسمت الأخيرة والدموع تترقرق في عينيها.
“أختي، شكرًا لكِ. أنا أعلم كم ضحيتِ من أجلي.”
أطبقت ليليث شفتيها، فقالت روزالين بنبرةٍ مواسية: “لكنَّ الأمر صار بخيرٍ الآن. لم أعد طفلةً صغيرة، وأستطيع تحمل تبعات خطيئتي؛ بل يجب عليَّ تحملها.”
هزت ليليث رأسها نفيًا مرارًا وتكرارًا؛ ‘كلا، لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك’.
بيد أنَّ نبرة روزالين كانت رقيقةً وحازمة في آنٍ واحد.
“لذا يا أختي، عيشي سعيدةً الآن.”
عند تلك الكلمة، سقط قلب ليليث بين ضلوعها.
أدركت بفطرتها أنَّ هذه هي كلمات الوداع من روزالين.
ابتسمت روزالين بأسى.
“أنتِ تحبين زينون، أليس كذلك؟”
تسارعت نبضات قلب ليليث، وقالت بـارتباك: “روزالين، ليس الأمر كذلك. أنا……”
“أختي.”
قاطعتها روزالين وأمسكت بيدها: “لا أريدكِ أن تضحي بنفسكِ من أجلي بعد الآن.”
كانت عينا روزالين اللامعتان تحملان إرادةً لا تلين، مما جعل ليليث تشعر بضيقٍ في تنفسها.
وعندما رأت روزالين عجز شقيقتها عن الكلام، ابتسمت برقةٍ وودعتها بصوتٍ عذبٍ كالغناء.
“وداعًا يا أختي. وأعتذر منكِ بشدةٍ على كل ما سلف.”
وفي النهاية، فرَّت دمعةٌ لم تستطع حبسها وسالت على وجنتها.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 70"