تجمدت ليليث في مكانها كأنها استحالت تمثالاً من جليد.
“…… ماذا؟”
عجز عقلها عن استيعاب كلمات كارل للوهلة الأولى.
‘ليس مقدرًا له الموت؟’
‘وكيف ذلك؟’
لقد أخبرها زينون بنفسه ذات يوم بكل وضوح.
<سأفارق الحياة بعد وقتٍ ليس ببعيد.>
صحيحٌ أنها فكرت في استغلاله قبل ذلك، لكنَّ تلك الكلمات هي التي جعلتها تحسم أمرها وتقسو بقلبها.
فكرت حينها: ‘بما أنه سيموت على أيِّ حال، أليس من الأفضل أن يموت لأجلي؟’
كان ذلك تبريرًا مروعًا صاغه عقلها.
بيد أنَّ كارل الآن يشير بإصبعه إلى أنَّ تفكيرها كان مبنيًّا على باطلٍ تماماً.
تضاربت الأفكار في رأسها، وسرى شعورٌ مشؤوم في عروقها يتسلل ببطءٍ نحو الأعلى، حتى شعرت بغثيانٍ يعتصر أحشاءها.
عضت ليليث على شفتها واستحثت كارل بحدة: “كارل رايمر. اشرح لي الأمر الآن، وفوراً.”
بدأ كارل حديثه بملامح يملؤها الأسى.
“…… هل تذكرين ذلك اليوم الذي أخبرتُكِ فيه لأول مَرَّة عن لعنة التنين؟”
استرجعت ليليث شريط ذكرياتها الباهتة، وحاولت استعادة كلماته منذ البداية.
<في الحقيقة…… يقال إنَّ السير زينون قد أصابته لعنة التنين.>
هذا ما قاله كارل آنذاك.
في ذلك اليوم، عرفت ليليث عن اللعنة لأول مَرَّة، ومنذ تلك اللحظة بدأت الخطوط العريضة لخطتها تتشكل في مخيلتها.
واصلت ليليث استحضار الذكرى بصمت.
‘ماذا قال كارل بعد ذلك؟’
<يبدو أنَّ هذا الخبر يتداوله عددٌ محدودٌ للغاية من أفراد حملة التطهير؛ أولئك الذين صوبوا سيوفهم نحو التنين مباشرة. بعبارةٍ أخرى، إنه حديثٌ لا يدور إلا بين من خاضوا المعركة إلى جانب السير زينون في الصفوف الأولى.>
أجل، لقد قال ذلك بكل تأكيد.
<وبما أنها لعنةٌ ألقاها التنين بنفسه، بَدَا وكأنَّ الأشخاص الذين كانوا بجانبه قبل لحظة قتله مباشرةً هم فقط من يعلمون بالأمر.>
…… هذا ما قاله أيضاً.
أومأ كارل برأسه ببطء حين رأى ملامح وجهها التي ازدادت صرامة.
“…… أجل. كما تعلمين، فإنَّ الذين سمعوا لعنة التنين مباشرةً هم قلةٌ محدودة.”
“لكن، وبالمقابل، فإنَّ هذه القلة القليلة سمعت بكل يقينٍ اللعنة التي صبها التنين على السير زينون.”
راحت ليليث تتدبر كلمات كارل بعناية، محاولةً إدراك الخيط الذي فاتها الإمساك به.
وفجأة، لمع استنتاجٌ في ذهنها كبرقٍ خاطف.
‘هل يعقل……’
شحب وجه ليليث في لحظةٍ حتى صار كبياض الورق.
أدرك كارل أنها وصلت أخيراً إلى الحقيقة المرة.
أكد شكوكها بصوتٍ يملؤه الانكسار: “ما تفكرين به هو الحقيقة بعينها.”
تلك الحقيقة القاسية التي كانت ليليث تشيح ببصرها عنها لا شعوريًّا.
“التنين لم يلقِ بمثل تلك اللعنة قط منذ البداية.”
رفع كارل رأسه ونظر في عيني ليليث مباشرة.
نطق بكلماته حرفاً بحرف، بوضوحٍ تام؛ وكأنه يمنعها من الهروب بعيداً عن الواقع.
“تلك اللعنة التي ذكرها السير زينون، وزعمه بأنه ‘سيموت قريباً’، ما هي إلا أكذوبةٌ من نسج خياله.”
فعل ذلك لسببٍ واحد؛ ليخفف عنكِ وطأة الشعور بالذنب.
سقط قلبها بين ضلوعها عند سماع ذلك.
عضت ليليث على شفتها، وشعرت بدوارٍ من فرط الصدمة.
“هذا…… هذا مستحيل.”
حاولت إنكار الواقع المرير.
“أنت تكذب. لا يوجد سببٌ يدفعه لفعل ذلك. أن يفعل كل هذا من أجلي……”
“ليليث.”
ناداها كارل بصوتٍ هادئٍ ورصين.
“لقد سمعتُ هذه القصة من قائد حملة التطهير مباشرة. لذا، أنا أعلم تفاصيل اللعنة من بدايتها إلى نهايتها. القائد كان يقف بجانب السير زينون تماماً حين سمع اللعنة.”
كانت ملامحه تفيض بالمرارة وهو يتابع.
“لكن لم يرد ذكرٌ لأيِّ نبوءةٍ بموت السير زينون هناك. اللعنة التي حلت به كانت تنصُّ فقط على أنَّ ‘آثامه ستنكشف للعالم’.”
نظرت ليليث إلى كارل بعينين ترتجفان.
لم يقوَّ كارل على مواجهة نظرات صديقته، فواصل شرحه بهدوء: “أجل…… بالتفكير في الأمر، كان كل شيءٍ مريباً منذ البداية. كنتُ أعلم من القائد أنَّ اللعنة لا تتضمن موته، لكنني صدقتُ السير زينون حينها، لأنني ظننتُ أنه لا يملك سبباً يدعوه للكذب عليكِ في أمرٍ كهذا.”
توقف ليلـحظة وكأنَّ الكلمات غصت في حلقه، ثم تنهد وتابع.
“لكنني حين أعدتُ مراجعة القضية من جديد، أدركتُ وجود خللٍ ما. وهكذا توصلتُ إلى احتمالية أن يكون السير زينون قد كذب.”
عجزت ليليث عن النطق.
ابتسم كارل بابتسامةٍ باهتةٍ ومريرة.
“بيد أنَّ هذا يطرح تساؤلاً جوهريًّا.”
“لِمَ كذب السير زينون؟ لِمَ اختلق تلك الكذبة المروعة حول موته الوشيك؟”
خيم الصمت بين الاثنين.
راحت ليليث تعضُّ على شفتها بملامح يكسوها الارتباك والذهول.
‘كلا. لا يمكن. مستحيل……’
حاولت إنكار الاحتمال الوحيد الذي لاح في عقلها بكل ضراوة.
لا يجب أن يكون ذلك صحيحاً؛ فلو كان كذلك……
فلن يكون بوسعها التراجع أو إصلاح أيِّ شيء، حتى وإن عرفت الحقيقة الآن.
نظر كارل إلى وجه ليليث وقال بصوتٍ خافت: “…… لا أدري ما الذي دار بينكما بالضبط، وكل ما سأقوله لن يتعدى كونه مجرد تخمينات.”
كانت نبرته حذرةً وكأنه يحاول مواساتها، ثم تابع بصعوبة:
“لكنَّ شيئاً واحداً يظلُّ مؤكداً؛ السير زينون كان يعلم بلا شك أنكِ أنتِ من قتلتِ كاليكس.”
ثم أضاف بصوتٍ خفيض: “…… وربما كان يعلم أيضاً أنكِ كنتِ تخططين لإلقاء التهمة عليه.”
ظلت ليليث صامتة، لا تنطق ببنت شفة.
بل لم تكن قادرةً على الكلام أصلاً.
<ستحتاجين إليَّ حتماً في يومٍ ما.>
تردد صدى صوت زينون في رأسها كطنينٍ مزعج. شعرت وكأنها تختنق، فأحكمت قبضتها على جسدها بكل قوتها لئلا تنهار.
“ليليث.”
ناداها كارل مَرَّةً أخرى.
رفعت ليليث رأسها لتنظر إليه، فقال لها وهو يحدق في عينيها بثبات.
“لا تشيحي بنظركِ عن الحقيقة.”
كان صوته هذه المَرَّة أكثر صرامةً من أيِّ وقتٍ مضى.
“السير زينون قرر أن يرتدي قناع الشرير بمحض إرادته. فعل ذلك من أجلكِ أنتِ وحدكِ.”
لم تعد ليليث قادرةً على الاحتمال أكثر: “توقف.”
خرج صوتٌ عصبيٌّ من بين شفتيها.
كان أقرب إلى صرخةٍ مخنوقة أو عويلٍ يمزق الصمت.
“قلتُ لكَ توقف!”
شعرت وكأنَّ رأسها سينفجر من شدة الألم.
أحكمت ليليث قبضتها محاولةً التماسك بأيِّ ثمن.
توالت صور الوجوه في مخيلتها.
كاليكس، زينون، الإمبراطور، إيلين، جيفري، و……
روزالين……
وأخيراً، انحدرت دمعةٌ وحيدة من عين ليليث.
إذا كان زينون قد ارتضى دور الشرير من أجل ليليث وحدها، فإنَّ ليليث قد تقلدت هذا الدور من أجل روزالين.
ولكن، هل كان هذا هو الصواب حقًّا؟
سرى قشعريرةٌ في جسدها بالكامل.
شعرت بغثيانٍ شديد وكأنها ستقيئ، وارتجف جسدها ارتعاشاً عنيفاً.
غطت فمها بيدها لتبعد عن نفسها تلك الرغبة في التقيؤ.
راقب كارل حالتها بصمت، وكانت نظراته تحمل مزيجاً من الشفقة والمرارة.
“…… ليليث.”
ناداها باسمها بتردد.
“لن أطلب منكِ الاعتراف.”
كارل لا يزال غير واثقٍ من الخيار الصحيح.
ليليث قتلت صديقهم كاليكس؛ وهذا جرمٌ عظيم وفعلٌ لا يمكن استيعابه.
بيد أنه كان يثق في ليليث التي عرفها طويلاً، ورغم كل ما حدث، ظلَّ يتمنى أن يكون وراء فعلتها سببٌ قاهر.
أو هكذا كان يريد أن يؤمن.
لذا، وبدلاً من التضييق عليها، قال بهدوء: “لكن، أرجوكِ، لا تتجاهلي الحقيقة بشأن السير زينون.”
فليكن ذلك أقله من باب الاحترام للرجل الذي ضحى بكل شيءٍ لأجلكِ.
لم تنطق ليليث بكلمة، لكنَّ كارل أدرك من وجهها المتشنج أنها لم تكن ترفض الإجابة، بل كانت عاجزةً عنها.
ربت على كتفها قائلاً: “سأنصرف الآن. فكري في الأمر جيداً.”
ثم تجاوزها ومضى في طريقه.
خطوةً تلو الأخرى، كان كارل يبتعد عنها تدريجيًّا.
وقبل أن يتوارى تماماً داخل الغابة، التفت إلى الوراء ليلقي نظرةً أخيرةً عليها.
كانت لا تزال واقفةً في مكانها، ساكنةً كأنها استحالت حجراً.
التعليقات لهذا الفصل " 68"