الفصل 65
رمق كارل ليليث بنظرةٍ فاحصةٍ لبرهة.
ثم سرعان ما ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ عريضة:”لقد وصلتِ؟”
هدأت ليليث قليلاً حين رأته يتصرف بطبيعته المعهودة.
“ما الخطب؟”
سارت ليليث باتجاه كارل.
كان واقفًا عند ضفة البحيرة، يرقب المياه التي تنساب في هدوء.
تلك البحيرة التي جفت ذات يوم حتى بانت قاعها، امتلأت مياها بشكلٍ غريب في غضون أشهرٍ قليلة واستعادت منسوبها المعهود.
وقف الاثنان لبرهةٍ يحدقان في البحيرة دون نبس ببنت شفة.
كان مشهدًا يفيض بالسكينة؛ خضرةٌ يانعة، وزقزقة عصافير الغابة، وسماءٌ صافية تنعكس على سطح البحيرة الهادئ.
كان منظرًا خلابًا يأسر الألباب، لدرجةٍ يصعب معها التصديق بأنَّ هذا المكان هو ذاته الذي شهد ذلك الحادث المروع.
“أمرٌ عجيب، أليس كذلك؟”
تساءلت ليليث عند سماع كلمات كارل: “ما هو العجيب؟”
“البحيرة.”
كانت التموجات الصغيرة تتلألأ تحت ضوء الشمس.
“أن تمتلئ بهذه السرعة؛ فهذا أمرٌ مستحيلٌ من الناحية الطبيعية. تُرى، هل هذه حقًّا لعنة التنين؟”
عندئذٍ فقط، أدركت ليليث ما كان يرمي إليه كارل.
لم تجب، بل اكتفت بالنظر إلى البحيرة في صمت.
فكما قال، إنَّ جفاف البحيرة حتى القاع ثم امتلائها مَرَّةً أخرى ليس بظاهرةٍ يسيرة الحدوث.
ومن المنظور الطبيعي، يُعدُّ ذلك مستحيلاً؛ مما يعني أنَّ قوىً غامضة قد تدخلت في الأمر.
فكرت ليليث وهي ترقب تموجات البحيرة الهادئة.
<إنَّ الخطيئة التي تسعى لإخفائها أكثر من غيرها ستنكشف للعالم أجمع!>
وفقًا لما توصل إليه كارل في تحرياته، فإنَّ التنين قد صبَّ تلك اللعنة على زينون بلا شك.
إذًا، هل استعادت البحيرة حالتها السابقة لأنَّ خطيئة زينون قد انكشفت، بعبارةٍ أخرى، لأنَّ جثة كاليكس قد ظهرت؟
“…… أمرٌ عجيبٌ حقًّا.”
تمتمت ليليث بتلك الكلمات، وكانت نبرتها تفتقر إلى الحيوية.
عادت السكينة لتخيم بينهما من جديد، ولم يكن يقطع هدوء المكان سوى زقزقة العصافير التي كانت تتردد في الأنحاء بين الحين والآخر.
غرقت ليليث في أفكارها وهي تتأمل ذلك المشهد السلامي الهادئ.
‘هل انتهى الأمر حقًّا؟’
البحيرة التي كشفت عن جثة كاليكس استعادت مظهرها الأصلي.
وزينون أُودع السجن ومن المقرر إعدامه في مستقبلٍ قريب.
كل شيءٍ يعود إلى نصابه.
وبطبيعة الحال، أُبطلت خطوبة ليليث وزينون؛ وبما أنَّ المراسم لم تُقم رسميًّا منذ البداية، فقد كان التعامل مع الأمر يسيرًا.
الآن، استعادت ليليث حياتها الأصلية التي لا وجود فيها لـزينون، تمامًا كما تمنت.
كان ينبغي أن يكون هذا مدعاةً للسرور؛ فقد أزاحت زينون الذي كان كالشوك في حلقها، وحمت روزالين، واستأصلت كافة المخاطر الكامنة التي كانت تهددها.
لذا، لم يتبقَّ أمامها سوى العيش بسلام.
ولكن، لِمَ يراودها هذا الشعور؟……
ظلت ليليث شاخصةً بصرها نحو البحيرة بملامح جامدة، بيد أنَّ داخلها كان يشهد تصدعًا لسببٍ مجهول.
وبعد صمتٍ طال، بادرت ليليث بالحديث: “ولكن، لِمَ استدعيتني إلى هنا؟”
عند سماع السؤال، التفت كارل نحو ليليث.
“آه، ذاك هو……”
صمت كارل لِلحظة وكأنه يزن كلماته، ثم تابع الحديث.
“ممم…… لديَّ الكثير لأقوله، لكنني لا أدري من أين أبدأ.
لنبدأ بالأمر البسيط أولاً.”
قطبت ليليث حاجبيها قليلاً؛ فلم تكن تملك أدنى فكرةٍ عما ينوي كارل قوله.
وعندما قابل نظراتها، ارتسمت على وجه كارل ابتسامةٌ عريضة.
“أولاً، هل أنتِ بخير؟”
لم تستوعب ليليث القصد من وراء هذا السؤال، فأجابت ببرود.
“هل أبدو لكِ بخير؟”
“كلا، لستِ كذلك. أجل، من الطبيعي أن يكون من الصعب عليكِ أن تكوني بخير……”
راح كارل يهرش رأسه ويتلعثم في كلامه.
ورغم أنَّ هيئته المرتبكة تلك كانت تشبه طبيعته المعهودة مما يبعث على الاطمئنان، إلا أنه بدا غريبًا في الوقت ذاته.
ضاقت عينا ليليث وهي تتفحص كارل.
تظاهر كارل بعدم ملاحظة نظراتها وتابع حديثه بهدوء.
“لقد تسارعت الأحداث بشكلٍ مباغت، حتى أنني فقدتُ صوابي. لا بد أنكِ عانيتِ الكثير أنتِ أيضًا.”
كما قال، فقد كانت وتيرة سير الأحداث سريعةً لدرجةٍ مبالغٍ فيها.
وبقدر ما طال أمد التحقيق في مقتل الأمير، فقد سارت إجراءات التحقيق والاستعداد للمحاكمة بسرعةٍ قصوى بمجرد اعتراف المجرم.
وقد لعب غضب الإمبراطور دورًا كبيرًا في هذا التسارع.
قال كارل بنبرةٍ حيادية: “أتعلمين؟ لقد حُدد موعد المحاكمة.”
أومأت ليليث برأسها.
لقد انتهت إجراءات إثبات جرم زينون تقريبًا.
وبفضل استعدادات كارل الدقيقة، أمكن إنهاء الأمر بسرعة.
وبناءً على ذلك، كان من المقرر إجراء المحاكمة في أقرب وقتٍ ممكن.
“السير زينون…… ممم، ربما لا ينبغي لي مناداته بالسير بعد الآن. على أي حال، زينون ماير لم يدافع عن نفسه، لذا ستنتهي المحاكمة في وقتٍ وجيز.”
كان هذا متوقعًا، فلم ترد ليليث.
فـزينون، بقدر ما اعترف بجريمته، لم يبدِ أدنى مقاومة.
ظلَّ يكرر أنه هو من قتل الأمير، ولم يحاول بأي شكلٍ من الأشكال التماس أيِّ عذرٍ لتخفيف جرمه.
بيد أنَّ كلمات كارل التالية كانت أبعد مما قد تتوقعه ليليث.
“بمجرد انتهاء المحاكمة، سيُنفذ فيه حكم الإعدام فورًا.”
تجمدت ليليث في مكانها.
الإعدام.
كان أمرًا بديهيًّا؛ فتهمته هي اغتيال فردٍ من العائلة الإمبراطورية.
وفوق ذلك، فقد أخفى الجثة وتستر على الجريمة لخمس سنوات.
لم يكن هناك أيُّ مجالٍ للرأفة، وكان من حسن حظه أن تظلَّ جثته سليمة.
بيد أنَّ سبب ارتباك ليليث…… كان تلك السرعة غير المسبوقة.
فتحت ليليث فمها قائلة: “إعدام؟ بهذه السرعة؟”
أومأ كارل برأسه.
تنهد وأضاف: “إنه أمرٌ إمبراطوري. يبدو أنَّ جلالته غاضبٌ بشدة، ومؤداه أنه لا يرغب في سماع أيِّ شيءٍ آخر منه.”
إن كان الأمر كذلك، فلا سبيل للتراجع أبدًا. فمع ثبوت الجريمة وصدور الأمر الإمبراطوري، كان الرجل في حكم الميت بالفعل.
كان أمرًا يمكن التنبؤ به تمامًا.
ولكن لسببٍ ما، شعرت بضيقٍ في صدرها.
أحكمت ليليث قبضتها.
‘يا لكَ من أحمق. لقد اخترتَ هذا الطريق بنفسك.’
حاولت ليليث كبح جماح مشاعرها التي كانت توشك على الاضطراب.
أغمضت عينيها بقوة ثم فتحتهما مَرَّةً أخرى.
هدأت نفسها تدريجيًّا.
“…… فهمتُ.”
تمتمت ليليث بتلك الكلمات. ظلَّ وجهها خاليًا من التعبير، لكنها بدت متعبةً بشكلٍ ما.
وبينما كان يرقبها، سألها كارل بصوتٍ خافت: “هل ستكونين بخير؟”
“بشأن ماذا؟”
“زينون…… أقصد.”
وعندما نظرت إليه ليليث متسائلةً عن قصده،
قال كارل بوضوح: “ربما لن تتمكني من رؤية وجهه مرةً أخرى أبدًا. ألن تذهبي لرؤيته للمرة الأخيرة حقًّا؟”
عند تلك الكلمة، عضت ليليث على شفتها.
لكنها سرعان ما أجابت برزانة.
“أنا بخير.”
كان صوتها المنبعث يفيض بهدوءٍ قاتل.
لقد كان باردًا لدرجةٍ مبالغٍ فيها بالنسبة لشخصٍ يتحدث عن اللحظات الأخيرة لإنسانٍ كانت تجمعهما صلةٌ يوماً ما.
نظر كارل إلى وجهها وابتسم بمرارة.
“أرى ذلك.”
استجمعت ليليث أنفاسها ببطء، وكأنها تسعى لتهدئة ضجيج أعماقها.
وبعد صمتٍ قصير، عادت لتتحدث.
“ولكن، هل هذا كل ما أردتَ قوله؟”
“همم؟”
لوح كارل بيده نافياً.
“كلا، كلا. ما أريد سؤالكِ عنه حقًّا هو أمرٌ آخر. كان هذا مجرد شيءٍ أردتُ إخباركِ به فحسب.”
رفعت ليليث أحد حاجبيها بارتياب.
أمرٌ يريد سؤالها عنه؟
“ما الذي يثير فضولك؟”
“ممم، ذاك هو……”
ابتسم كارل بمرارة وهو يهرش رأسه. بَدَا وكأنه يجد صعوبةً في النطق.
لقد كان مختلفًا تمامًا عن طبيعته التي لا تتردد في قول ما تريد.
همَّت ليليث بسؤاله مرةً أخرى لاستيضاح الأمر.
وفي تلك اللحظة–
“ليليث.”
نظر إليها كارل بوضوح وكأنه قد حسم أمره أخيرًا.
“سأسألكِ سؤالاً واحدًا فقط. لذا، أرجو منكِ الإجابة بصدق.”
كانت ملامحه صارمةً لدرجةٍ تجعل المرء يتساءل عن طبيعة سؤاله.
قطبت ليليث حاجبيها وهي لا تدرك ما يدور في خلده، لكنها أومأت برأسها على مضض في النهاية.
“حسناً. ما هو؟”
استجمع كارل أنفاسه في شهيقٍ قصير.
ثم فتح شفتيه لينطق…
“لماذا قتلتِ كاليكس؟”
في تلك اللحظة، لم تصدق ليليث ما سمعته أذناها.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 65"