وتحت وطأة أنظار الجميع، خطت إيلين إلى الأمام بخطواتٍ وئيدة.
أدَّت التحية بوقار، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ رقيقة.
“أحيي شمس الإمبراطورية.”
أثار ظهور الأميرة المفاجئ موجةً من الهسيس بين الحاضرين.
امتلأ فضاء المصلى، الذي كان يفيض بالخشوع، بتمتمات الحشد؛ فقد تملكت الحيرة الجميع أمام مسعى الأميرة.
تُرى لِمَ ظهرت بهذا الشكل المباغت؟
وفوق ذلك، لِمَ تعمدت استقطاب كل هذه الأنظار؟
شعرت إيلين بكل تلك النظرات المشوبة بالريبة، لكنها لم تتردد في الحديث.
“جلالة الإمبراطور، لديَّ أنا إيلين أمرٌ أودُّ قوله في هذا المقام.”
وما إن أنهت كلماتها حتى تعالت الهمهمات أكثر فأكثر.
بَدت ملامح الإمبراطور هي الأخرى غارقةً في العجب، وجعل يداعب لحيته بتفكير.
“أوه…… الأميرة لديها ما تقوله لي؟”
كان واضحًا من تعابير وجهه أنَّ الأمر لم يكن في حسبانه قط.
فإيلين، بطبعها، لم تكن تميل لإظهار نفسها في المحافل العامة بهذا الشكل؛ وكان الأحرى بها أن تطلب مقابلةً خاصة مع الإمبراطور لو أرادت الحديث.
بيد أنَّ الإمبراطور ابتسم في النهاية وأومأ برأسه.
“تكلمي، فلي فضولٌ لمعرفة ما بجعبتكِ.”
ما إن نالت الإذن حتى أحنت إيلين رأسها، وعلى ثغرها ابتسامةٌ خافتة.
“نعم، شكرًا لك يا جلالة الإمبراطور. ما أودُّ الحديث عنه هو……”
تعمدت إيلين الصمت لِلحظة من أجل التشويق، ثم تابعت.
“…… يتعلق الأمر بالمجرم الذي اغتال أخي، سمو الأمير كاليكس.”
حبس الجميع أنفاسهم عند سماع تلك الكلمات.
“ماذا قلتِ؟”
“أسمعتُم ما قالته الأميرة لتوها؟”
“هذا مستحيل!”
تراكمت أصوات الناس حتى تحول المصلى إلى ساحةٍ من الصخب.
وفي وسط تلك المعمعة، تبادل الحضور النظرات والكلمات بذهول.
“هدوء، هدوء!”
لكنَّ صيحة الإمبراطور أعادت السكينة إلى المكان في طرفة عين.
وفي ظل ذلك الصمت الثقيل، نظر الإمبراطور إلى إيلين بملامح جادة.
“أهذا الذي تقولينه حقيقة؟”
أجابت إيلين بابتسامةٍ واثقة.
“كيف لي أن أجرؤ على قول الزور في حضرة جلالتك، وفي مقامٍ رفيعٍ كهذا؟”
كان كلامها في محله؛ فخم في رحاب المعبد الكبير.
وفي إمبراطوريةٍ تفيض بالإيمان، كان ذلك ذنبًا لا يُغتفر.
أمام ثبات إيلين، وجد الإمبراطور نفسه مدفوعًا للاستماع إلى بقية حديثها، وإن شابَه شيءٌ من الشك.
“إذًا، من يكون ذلك المجرم؟”
حين أذن لها الإمبراطور بالكلام، التفتت إيلين وأعطت إشارةً لحارسها الشخصي.
“أحضروا الجاني!”
ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى سحب الحراس شخصًا ما معهم.
وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناها على وجه الجاني، كادت روزالين تطلق صرخةً مدوية.
لقد كانت أختها، ليليث بلين.
كتمت روزالين فمها بيديها بسرعة لئلا تخرج منها أيُّ نأمة، بيد أنَّ أنظار المحيطين بها كانت قد تركزت عليها بالفعل.
سارت ليليث نحو الإمبراطور والحراس يمسكون بذراعيها من الجانبين.
ورغم مهانة الموقف، إلا أنَّ وقفتها المنتصبة وملامحها الواثقة كانت تشي بنبلٍ لا يخفى.
استنشقت ليليث نفسًا عميقًا ثم أحنت رأسها بالتحية.
“…… أحيي جلالة الإمبراطور.”
اتسعت عينا الإمبراطور دهشةً من ظهور هذه الشخصية غير المتوقعة، والتفت بسرعة نحو إيلين.
“أيتها الأميرة، ما هذا الذي تفعلينه؟!”
غير أنَّ إيلين لم تبدُ مضطربةً بتاتًا، بل قالت بدمٍ بارد.
“سأشرح لك الأمر، يا جلالة الإمبراطور.”
أشارت بسبابتها نحو ليليث وتابعت: “هذه المرأة هي المجرمة الذي قتل الأمير كاليكس!”
عادت الفوضى لتجتاح أرجاء المصلى من جديد.
“ليليث بلين؟”
“كيف يمكن أن يحدث هذا؟”
“كلا، لا شيء مؤكدٌ بعد. ألا يجب أن نستمع إلى ما لديهما من أقوال؟”
“ولكن……”
تُرى، هل كانت الأميرة إيلين لتثير هذا الأمر في مقامٍ بهذه الأهمية دون امتلاك دليلٍ واحد؟
شعرت ليليث بالعيون التي كانت تراقبها وهي تتحول في لحظةٍ إلى نظراتِ اتهامٍ وريبة.
‘لنحافظ على الهدوء.’
حبست أنفاسها وهي تنتظر دورها في الحديث بصبر.
جعل الإمبراطور ينقل بصره بين ليليث وإيلين، وقد ارتسمت الحيرة على وجهه.
بدا أنه لا يستطيع تصديق كلمات إيلين بسهولة، لكنه في الوقت ذاته لا يملك حقَّ تجاهلها.
“أيتها الأميرة.”
أحنت إيلين رأسها عند نداء الإمبراطور.
“نعم، يا جلالة الملك.”
“هل تستطيع الأميرة إثبات صحة ما تقول؟”
كان يطلب منها تقديم الأدلة.
أجابت إيلين وكأنها كانت تتوقع هذا السؤال.
“بالتأكيد.”
رمقت ليليث بنظرة ساخرة ثم بدأت حديثها.
“قبل أن أستعرض الأدلة، سأقدم شرحًا موجزًا عن هذه القضية.”
التفتت إيلين نحو الحشد وبدأت تتحدث بنبرةٍ إقناعية.
“كما يعلم الجميع، وُجد جثمان أخي، الأمير كاليكس، في مقاطعة بلين. لقد اختفى منذ خمس سنوات دون أن يترك أثرًا لمكان وجوده، لكنه ظهر لسببٍ ما جثةً هامدة في أراضي خطيبته، ليليث بلين، بعد كل تلك السنين.”
استمع الجميع لشرحها في صمتٍ مطبق، فتابعت: “بشكلٍ عام، وفي حالةٍ كهذه، فإنَّ أصابع الاتهام ستشير أولاً إلى ليليث بلين؛ فمكان العثور على الجثة يتبع لنفوذها، كما أنَّ الفقيد كان يرتبط بها بعلاقةٍ وثيقة للغاية.”
رغم ضعف هذا المنطق، إلا أنه لم يكن عارياً من الصحة؛ لذا أومأ الحاضرون برؤوسهم رغم ريبتهم، وبدأ التوتر يتصاعد في المكان.
رفعت إيلين صوتها.
“ومع ذلك! أُطلق سراح ليليث بلين هنا دون إجراء تحقيقٍ وافٍ؛ وذلك لامتلاكها حجة غياب وقت اختفاء الأمير قبل خمس سنوات.”
هذا صحيح؛ فإطلاق سراح ليليث بعد عدة تحقيقات بقرار ‘عدم ثبوت التهمة’ كان سببه وجودها في مكانٍ آخر في ذلك الحين، مما جعل ارتكاب الجريمة مستحيلاً. ولكن……
التفتت إيلين نحو ليليث ورمقتها بنظرةٍ حادة.
“لكنني أعلم الحقيقة؛ فليليث بلين كانت موجودةً بالفعل في مقاطعة بلين في ذلك التوقيت!”
عند تلك الكلمة، ضجَّ الحاضرون مرةً أخرى.
“لقد سمعتُ من أخي مباشرةً قبيل اختفائه؛ أخبرني بوضوحٍ أنه ذاهبٌ للقاء ليليث. أتذكر ذلك تمامًا.”
صُدم الجميع من هذا الاعتراف المباغت والمؤثر الذي أدلت به إيلين.
ثم وجهت إيلين ضربتها القاضية: “وفوق ذلك، لقد عثرتُ على شاهدٍ يثبت أنَّ ليليث بلين وصلت بالفعل إلى مقاطعتها في ذلك الحين.”
بإشارةٍ من يدها، أحضر الحراس هذه المرة رجلاً آخر.
عرفت ليليث هويته من النظرة الأولى.
لقد كان الحوذي.
فتح الرجل فمه وهو يرتعد من شدة التوتر: “هـ… هذا صحيح. لقد أوصلتُ الآنسة الدوقية إلى المقاطعة في ذلك اليوم بنفسي. التاريخ الذي ذكرته سمو الأميرة دقيقٌ تمامًا.”
ثم مدَّ يده المرتجفة بسجلِّ رحلاته الذي كان يدون فيه مذكراته.
قطبت ليليث حاجبيها؛ فالوضع كان أسوأ بكثير مما استعدت له.
وشعرت بأنَّ الأجواء بدأت تميل لصالح اتهامات إيلين.
“هذا……”
تصلبت ملامح الإمبراطور، وتسلم السجلَّ من الحوذي وهو مقطب الجبين.
ومع اطلاعه على المحتوى، بدأت تعابير وجهه تتجهم أكثر فأكثر.
صرخت إيلين: “لماذا أخفت ليليث بلين حقيقة ذهابها للمقاطعة في ذلك اليوم؟ لماذا؟ بل إنها زيفَتْ مسار تحركاتها قبل وقتٍ طويل من العثور على جثة الفقيد. هذا فعلٌ لا يقدم عليه إلا المذنبون.”
ثم توجهت بتوسلٍ نحو الإمبراطور.
“جلالة الإمبراطور، أرجوك استجوب ليليث بلين. إنها مذنبةٌ بلا شك. يجب أن نعرف الحقيقة التي تخفيها بأي ثمن!”
ساد الصمت في القاعة عقب نداء الأميرة.
وفي اللحظة التالية، تعالت جلبةٌ عارمة.
“معها حق!”
صرخ أحدهم بصوتٍ عالٍ.
“حققوا مع ليليث بلين!”
انضم الكثيرون إلى هذا النداء، وتزايدت الهتافات والاتهامات الموجهة نحو ليليث.
“تلك المرأة هي القاتلة!”
وفي تلك اللحظة تحديداً–
“جلالة الإمبراطور.”
دوى صوتٌ جهوريٌّ في الأرجاء.
انتقلت أنظار الجميع في لحظةٍ واحدة نحو صاحب ذلك الصوت الطاغي.
التعليقات لهذا الفصل " 61"