الفصل 57
يومُ الحسمِ.
شعرت ليليث أنَّ اللحظةَ المرتقبةَ قد حانت أخيرًا.
“السماءُ صافيةٌ اليوم.”
قالت روزالين وهي ترفع كفَّها لتظلل جبينها وترنو إلى الأفق.
عندئذٍ، نقلت ليليث بصرها نحو المدى البعيد.
سماءٌ رائقةٌ خاليةٌ من الغيوم، وشمسٌ دافئةٌ تغمر الكون بضيائها الوديع.
كان مشهدًا ينطق بالجمال والسلام.
لكنَّ قلب ليليث كان يرسفُ في أغلال الجحيم.
“لا شكَّ أنَّ السماء تبارك مملكتنا. أليس كذلك؟”
التفتت روزالين نحو ليليث بابتسامةٍ مشرقة، بيد أنَّ ليليث لم تكن ترى سوى الفراغ بعينين قاحلتين.
“أجل.”
ولسوء الحظ، كانت غبطة روزالين تحول بينها وبين إدراك الحالة التي تعتصر أختها.
راحت روزالين تثرثر بصوتٍ مبهجٍ كأنه ألحانٌ موسيقية.
“هذه المرة الأولى التي أشارك فيها في مراسم المعبد؛ لذا فأنا متحمسةٌ للغاية.”
استقلت ليليث وروزالين العربة للتوجه إلى المعبد حيث تقام المراسم.
وطوال الطريق، لم تنقطع ثرثرة روزالين الحماسية.
“مراسمُ تطهيرٍ لم تُقم منذ ثلاثين عامًا! ويقال إنَّ رئيس الكهنة سيمحضنا مباركته بنفسه. أنا في غاية الشوق لرؤية ذلك.”
حين رأت ليليث تطلعات شقيقتها، شعرت بوخزةِ أسى في صدرها؛ فمراسم اليوم محكومٌ عليها بالخراب على يدها ويد كارل.
أجل، اليوم هو اليوم الذي سيوجه فيه كارل اتهامه الرسمي ضد زينون.
أدارت ليليث وجهها لتحدق عبر النافذة.
كانت معالم المدينة تمرُّ أمامها بتمهلٍ كأنها لوحةٌ فنية، غير أنها لم تكن ترى في تلك اللوحة سوى أطيافٍ رمادية.
راحت ترمش ببطء، وتمرُّ كلمات روزالين عابرةً بأذنيها دون أن تنفذ إلى وعيها؛ لم يكن الأمر خللاً في السمع، بل كان انصرافًا في الروح.
بعد هذا اليوم، سيتبدل كلُّ شيء.
كانت ليليث تدرك تمام الإدراك أنه إذا سارت الخطة كما رُسم لها، فلن تعود حياتها أبدًا إلى سابق عهدها.
كان هذا قرارًا اتخذته وأعدت له العدة منذ زمن.
ولكن، لِمَ يشوبها هذا الشعور بالضيق؟
أحكمت ليليث قبضتها فوق فخذيها، وتصلبت ملامح وجهها قليلاً.
حاولت جاهدةً تهدئة روعها، لكن جسدها ظلَّ متهالكًا تحت وطأة التوتر.
“أختي.”
انتشلها نداء روزالين من لجَّة أفكارها.
“ما الأمر؟”
التفتت ليليث نحوها، لتجد روزالين تتردد في الكلام على غير عادتها.
“أنا…… لديَّ ما أقوله لكِ.”
‘ما تقولينه؟’
أمالت ليليث رأسها بغير فهم.
كان الأمر غريبًا؛ فـروزالين لم تكن يوماً من النوع الذي يتردد فيما يودُّ قوله، ولم تكن هناك أسرارٌ تحول دون حديثهما الصريح، باستثناء أمرٍ واحدٍ فقط.
وعندما تذكرت ذلك ‘السر’ القابع بينهما، قطبت حاجبيها برهةً قبل أن تستعيد هدوءها وتجيب بنبرةٍ حانية: “ما هو؟”
عندئذٍ، نطقت روزالين أخيرًا.
“أرجو…… أن تنسي كاليكس هذه المرة، وأن تجدي سعادتكِ الحقيقية مع زينون.”
هوى قلب ليليث عند سماع هذه الكلمات.
للحظة، عجز لسانها عن إيجاد جوابٍ مناسب.
ومن حسن حظها -أو ربما سوئه- أنَّ روزالين كانت مستغرقةً في حديثها لدرجة أنها لم تلحظ اضطراب أختها، فتابعت بحذر.
“لقد كان كاليكس شخصًا رائعًا، ولكنه…… قد مات. لذا، لا أريدكِ أن تظلي مكبّلةً بذكراه أكثر من ذلك.”
أطبقت ليليث شفتيها بقوة.
لم تجد ما تقوله لـروزالين التي لا تعرف شيئًا.
روزالين المسكينة.
عضت ليليث على شفتها لا إراديًّا.
ولأنَّ روزالين أساءت فهم صمتها، أردفت بلهفة: “ما أعنيه هو…… أنني أريدكِ أن تكوني سعيدة.”
كانت نبرتها تفيض بالصدق المطلق.
“لقد عانيتِ الكثير طوال الفترة الماضية.”
ظلت ليليث صامتة. شعرت روزالين بشيءٍ من الخيبة، لكنها أصرت على إكمال ما في جعبتها.
“أختي، زينون شخصٌ جيدٌ حقًّا. لن تندمي على اختياره، فهو يحبكِ بصدق.”
حدقت روزالين في ليليث بعينين متوسلتين.
وبعد صمتٍ طويل، نطقت ليليث أخيراً: “…… أنا أعلم ذلك.”
‘زينون شخصٌ جيد.’
تهلل وجه روزالين حين سمعت ليليث تتمتم بتلك الكلمات.
“أليس كذلك؟”
بدت روزالين في غاية الغبطة، ظنًّا منها أنَّ ليليث قد بدأت تدرك مشاعر زينون أخيرًا.
“هذا صحيح يا أختي. زينون رقيقُ القلب، وهو يعشقكِ. لذا……”
تابعت بابتسامةٍ عريضة: “يجب أن تعيشا معًا بسعادةٍ دائمة. اتفقنا؟”
شعرت ليليث بغصةٍ تخنقها.
عجزت عن الرد؛ فهي تدرك أكثر من أي شخصٍ آخر أنَّ الكلمات الآن لن تغير من الواقع شيئًا.
راحت تعضُّ على باطن شفتها بقوةٍ كادت تُدميها، وبعد عناء، نطقت باسمها.
“روزالين.”
أجابت روزالين بابتسامةٍ مشرقة: “نعم!”
آلمها ذلك الوجه البريء في أعماق قلبها.
لقد وهبت حياتها كلها لحماية هذه الابتسامة.
‘لذا، فهذا هو الخيار الصحيح.’
راحت ليليث تردد هذه العبارة في سرها كأنها تعويذة، خشية أن يتسلل الشك إلى قلبها.
“أنتِ أغلى ما أملك في هذا العالم.”
لوحت روزالين بيديها خجلاً.
“أوه، ما هذا الكلام المفاجئ!”
ثم انفجرت ضاحكةً وكأنها اعتبرت كلمات ليليث مجرد مزاح.
“وأنا أيضًا أحبُّكِ حبَّا جمًا يا أختي. ولكن، أصبح لديكِ زينون الآن، أليس كذلك؟ عليكِ أن تفكري فيه أيضًا.”
لن تدرك روزالين أبدًا كيف كانت كلماتُها تمزق قلب ليليث كالنصال.
ظلت ليليث ترقب وجه شقيقتها الضاحك؛ الكنز الأثمن في حياتها، والذي اختارت حمايته بكل ما تملك.
ثم ارتسمت على ثغرها ابتسامةٌ خفيفة، لكنها كانت تنضح بشيءٍ من الانكسار.
* * *
توقفت العربة أمام المعبد الكبير.
كانت الحشود قد تجمهرت هناك بالفعل.
وبينما كانت ليليث تسير بين الصفوف للدخول، أجالت بصرها في الأنحاء.
وسرعان ما وقعت عيناها على وجهٍ مألوف.
“آه.”
كان كارل.
بدا وكأنه يبحث عن شيءٍ ما بقلق، وكانت ملامحه المضطربة تشي بوقوع خطبٍ جسيم.
لحظت روزالين انتباه أختها فنظرت في الاتجاه ذاته.
“أوه؟ أليس هذا كارل؟”
عند سماع صوتها، التفت كارل نحوهما.
بدأ كارل يقترب منهما بخطواتٍ واسعة، بينما راحت روزالين تلوح له بجهلٍ تام.
“روزالين، ادخلي أنتِ أولاً.”
“ماذا؟”
أمالت روزالين رأسها بتعجب،
فأردفت ليليث موضحة: “لديَّ حديثٌ هامٌ مع كارل. اذهبي أنتِ وسألحق بكِ بعد قليل.”
أومأت روزالين برأسها طاعةً رغم استغرابها.
وما إن تأكدت ليليث من ابتعادها، حتى خرجت من الصف متجهةً نحو كارل.
“ما الأمر؟”
سألت ليليث بصوتٍ خفيضٍ مشوبٍ بالحذر.
قطب كارل حاجبيه.
“لقد حدثت كارثة.”
“ماذا؟”
ساور ليليث شعورٌ سيئ، فاستفسرت بلهفة: “ما الذي حدث؟”
أجال كارل بصره في المكان ليتأكد من عدم اهتمام أحدٍ بهما، ثم انحنى نحو أذن ليليث وهمس.
“العجوز الشاهدة، أتذكرينها؟”
أومأت ليليث برأسها؛ فقد كان من المفترض أن يحضرها كارل اليوم للإدلاء بشهادتها.
جزَّ كارل على أسنانة بغضبٍ.
“تلك العجوز…… قد فارقت الحياة.”
وعند تلك الكلمة، تجمدت الدماء في عروق ليليث.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 57"