أزاحت يده التي كانت تطوّق خدها، وقالت ببرودٍ لاذع: “حقًّا، إن بالكَ لَخالٍ من الهموم.”
أثارت حنَقَها فكرةُ أن يأتي زينون إلى هنا، وهي في مفرق طرقٍ يحدد مصير حياتها، لمجرد أنه ‘اشتاق إليها’.
فجأة، شعرت بوهنٍ يسري في أوصالها وتبددت طاقتها.
أدركت ليليث في تلك اللحظة فقط مقدار التوتر الذي جثم على صدرها طوال اليوم؛ بل لنكن أدق، لقد كانت في حالة استنفارٍ دائم منذ ظهور جثة كاليكس.
رمقته بنظرةٍ حادة، ثم تنهدت بعمق محاولةً تهدئة ثائرتها.
“…… فليكُن، فليكُن. كان من الخطأ أن أحاول الحديث معك أصلاً.”
منذ أمدٍ بعيد، لم تستطع ليليث فك شفرات زينون، ولا تزال حتى الآن عاجزةً عن ذلك.
ضيّقت عينيها وهي تتفرس في ملامحه.
أتراه يعلم؟ أيُّ قدرٍ ينتظره في المنعطف القادم؟
تزاحمت الوجوه في مخيلتها.
كاليكس الذي عاد جثة، كارل الذي يتربص بزينون لإدانته، روزالين التي لا تفقه شيئًا و تخفي سرًا، والأميرة إيلين التي تنفث سموم عداوتها نحوها……
لو كان يدرك، لما استطاع أن ينعم بهذا الهدوء.
إنها تهمة اغتيال فردٍ من العائلة الإمبراطورية؛ تهمةٌ كفيلةٌ بزعزعة أركان حياته حتى النخاع.
وعندما بلغت أفكارها هذا الحد، شعرت بضيقٍ يعتصر صدرها.
لم تدرك السبب،
لكنها شعرت بغضبٍ عارم من هذا الواقع الذي لا يطاق.
لماذا توجب أن تسير الأمور على هذا النحو؟
لماذا أنا؟
بل لماذا نحن……؟
عضت على شفتيها من شدة الكرب.
فجأةً، شعرت وكأن كل ما يحدث ضربٌ من الخيال الممتنع.
عودة زينون حيًّا من حافة الموت، الظهور المفاجئ لجثة كاليكس، وتورط زينون كمتهمٍ رئيس في قتله.
كان هذا التسلسل للأحداث يشبه مسرحيةً عبثية لا منطق فيها.
قبل خمس سنوات، حين كان كاليكس لا يزال على قيد الحياة، كانت دروب حياتها مفروشةً بالورود.
ليليث، الأخت التي تملك شقيقةً ودودة، وسليلة العائلة العريقة ذات الثراء الفاحش، والمرأة البارعة التي تحظى بدعم خطيبٍ مرموق.
كانت حياةً مثالية من جميع جوانبها، محطَّ أنظار الجميع وحسدهم.
وحتى لو حاول البعض النيل منها، لم يزدها ذلك إلا بريقًا وإثباتًا لتميزها.
أجل، هكذا كانت الأمور……
شعرت ليليث بغصةٍ مريرة تخنق حلقها.
نظرت إلى الرجل الماثل أمامها؛ الرجل الذي لم يفتأ ينظر إليها وحدها منذ اللقاء الأول وحتى اللحظة.
كانت عيناه الرماديتان لا تعكسان سوى صورتها هي، وبوضوحٍ تام.
لو لم يكن هذا الرجل موجودًا، هل كان كل شيءٍ سيتغير؟
أجل، كانت تدرك الحقيقة في أعماقها.
البدايةُ كلها كانت مع زينون ماير.
منذ اللحظة الأولى التي وقعت عيناها عليه، شعرت بغريزتها أن حياتها ستنقلب رأسًا على عقب بسببه.
لذا، كان يثير قلقها، ولم تستطع استساغته، وتمنت لو توارى عن ناظريها للأبد.
وبالفعل، استطاع هذا الرجل أن يحدث صدعًا في جدار حياتها الحصين.
“…… زينون.”
نادت اسمه بصوتٍ خفيض.
ضغطت على شفتيها بقوة قبل أن تسأل.
“هل تعلم لماذا جاءني كاليكس قبل خمس سنوات؟”
تصلبت ملامح زينون عند سؤالها.
أطلقت ليليث ضحكةً فاترة: “لقد قال إنه يريد سؤالي عن شيءٍ ما.”
لم ينطق زينون بكلمة، أو ربما لم يستطع النطق.
ابتسمت ليليث، لكن ابتسامتها كانت مشوهةً لدرجة أنها بدت أقرب إلى النحيب.
“في الواقع، كنتُ أعلم. لقد أرسل لي رسالةً مسبقًا، لذا توجهتُ إلى منطقة الدوقية في ذلك اليوم قبل الموعد المحدد، ودون أن يعلم أحد.”
فتح زينون فمه وكأنه يحاول مقاطعتها، لكن ليليث رفعت يدها لتسكته.
“كان كاليكس صريحًا؛ لذا كان يفضل دائمًا المواجهة والحديث المباشر حين تطرأ مشكلة. وكان ذلك اليوم واحدًا من تلك الأيام.”
واجهت ليليث نظرات زينون.
“أتدري ما الذي أراد كاليكس سؤالي عنه يومها؟”
لم يشح زينون بنظره عنها، فقالت بلهجةٍ هامسة: “أراد أن يعرف طبيعة العلاقة التي تربطني بك.”
اهتزت نظرات زينون لِلحظة.
رفعت ليليث طرف ثغرها في ابتسامةٍ قسرية.
“لقد كان كاليكس يشك فينا منذ أمدٍ طويل. كنتُ أقول له إن هذا هراء، لأنني كنتُ أكرهك دائمًا. كنتَ تثير أعصابي وتستفزني وتقلق راحتي. قلتُ له إن هذا وهمٌ في مخيلته، وأنك لا تعني لي شيئًا. أتعرف ماذا قال لي كاليكس حينها؟”
ضحكت ليليث بمرارةٍ وتيه.
“قال إنه لم يرَني أبدًا أولي اهتمامًا بشخصٍ آخر بهذه الطريقة، ولا حتى به هو نفسه.”
اتسعت عينا زينون دهشةً.
تجمد مكانه وكأن صدمةً قد أصابته.
اقتربت ليليث منه ببطء.
“زينون.”
سألت بهمسٍ جارح: “لماذا ظهرتَ في طريقي؟”
جزَّ زينون على أسنانة.
رفعت ليليث صوتها وهي لا تدري حتى سبب غضبها العارم.
“لماذا اقتحمتَ حياتي؟ لماذا، بحق الخالق؟”
كان صوتها مشحونًا باللوم والاتهام.
أطبقت شفتيها بقوة وكأنها تغالب عبرةً مكتومة.
احمرّت عيناها، لكنها أبَت أن تذرف دمعةً واحدة، بل اكتفت برمقه بنظرةٍ حادةٍ متوقدة.
“لو لم تكن موجودًا، لكنتُ عشتُ في سلام. حياةً بلا عثرات وبلا آلام. ربما لم أكن لأعرف أفراحًا عظمى، لكنني لم أكن لأعرف الأحزان أيضًا. لو لم تكن أنت.. لو لم تكن……”
كان اتهامًا جائرًا، لكن زينون تقبّله في صمتٍ مطبق.
“أنا آسف.”
كانت ليليث تمقت هذه الكلمة.
دائمًا ما يعتذر زينون.
فرغم أنها هي من تخطئ، وهي من تصدر الأوامر الجائرة، إلا أنه هو من يحني رأسه دائمًا.
لماذا؟
لماذا تذهب إلى هذا الحد من أجلي؟
كانت تعرف الإجابة يقينًا، لكنها لم ترد الاعتراف بها.
فمواجهة تلك المشاعر تعني الدخول في نفقٍ لا عودة منه.
دنت ليليث من زينون، ثم ارتفعت قليلاً لتطبع قبلةً على شفتيه.
جفل زينون من مفاجأة القبلة وتراجع خطوة، لكن سرعان ما توقف وضمَّ ليليث بين ذراعيه.
استمرت القبلة الرقيقة لبرهة.
ورغم أنها لم تكن سوى تلامس شفاه، إلا أن أحدهما لم يرغب في الابتعاد عن الآخر.
التعليقات لهذا الفصل " 56"
التعليقات