ما إن تأكدت إيلين من أن ليليث قد لمحتها، حتى اندفعت نحوها بخطواتٍ واسعةٍ واثقة.
“…… أحييكِ، أيتها الأميرة.”
قطبت إيلين وجهها بوضوح، وقالت بسخريةٍ لا تخلو من الاستهزاء.
“لم أتخيل حقًّا أنكِ ستملكين الجرأة للمجيء.”
كانت تشير بتهكمٍ إلى أن ليليث لم تتجنب الحضور، رغم أن المأدبة كانت احتفالاً بعيد ميلادها هي دون سواها.
بيد أن ليليث لم تكترث كثيرًا؛ فإيلين تبغضها على أية حال، ولو لم تحضر لكانت الأميرة قد اتهمتها بازدراء الدعوة الإمبراطورية.
فليكن ما يكون؛ أن تُتهم بالوقاحة لظهورها، أهون من أن تُتهم بإهانة القصر الإمبراطوري.
لم تكن ليليث في وارد المجازفة بتبعاتٍ لا طائل منها إرضاءً لراحة بالها، لذا فضلت الصمت والسكون.
فجسدها المرهق لم يعد يقوى على خوض مشاداتٍ عبثية مع إيلين.
لكن لسوء حظها، لم تكن الطرف الآخر تنوي ترك الأمر يمر بسلام.
“أريد التحدث إليكِ للحظة.”
اعترضت إيلين طريق ليليث، فكتمت الأخيرة ضيقها وحاولت جاهدةً كبح مشاعرها.
“تفضلي، أنا أسمعكِ.”
رغم محاولتها، لم تخلُ نبرتها من حدةٍ خفية، مما أثار حفيظة إيلين وجعلها ترفع حاجبيها استنكارًا.
ولما لم تجد ثغرةً قانونية تهاجمها بها، اكتفت بزمِّ شفتيها.
“لقد سمعتُ أن مراسم خطوبتكِ ستقام قريبًا، أليس كذلك؟”
لم يكن قولها مجانبًا للصواب، فقد تقرر تحديد الموعد بعد مراسم منح زينون لقب النبالة.
ورغم أن الخطة الأصلية كانت تقضي بإقامة الخطوبة بعد شهرٍ من جنازة كاليكس، إلا أن الهجوم اللاذع الذي تعرض له زينون من قِبَل الرأي العام حال دون ذلك حتى الآن.
أومأت ليليث برأسها: “نعم، هذا صحيح.”
أطلقت إيلين ضحكةً ساخرةً ممتلئة بالاستنكار.
“هه.”
لم تحاول إيلين إخفاء امتعاضها البالغ، بل حدقت في ليليث.
“وهل تظنين حقًّا أن هذا سيحدث؟”
ردت ليليث بنظرةٍ ثابتةٍ واجهت بها حدة الأميرة.
“……أنا لا أفهم مغزى قولكِ.”
ثم أردفت بصوتٍ هادئٍ ورزين: “الأمر قد قُضي، وليس ثمة مجالٌ للحديث عن الممكن والمستحيل.”
بالتأكيد، في واقع الأمر، قد يكون مستحيلاً؛ لأن كارل كان ينوي إدانة زينون قبل ذلك الموعد.
لكن ليليث لم تكن لتكشف أوراقها أمام إيلين، فتابعت ببرود.
“كل شيءٍ سيسير وفق ما هو مخططٌ له، وبمباركةٍ من جلالة الإمبراطور.”
“ماذا؟”
ارتفع صوت إيلين غضبًا عند ذكر الإمبراطور.
“كيف تجرئين……!”
لكنها عجزت عن إكمال جملتها، واكتفت بالزفير غيظًا.
يبدو أنها لم تجد حجةً قوية للرد،
فمشاكستها لليليث كانت قائمةً على العناد والتعنت منذ البداية.
وهذا هو السبب الذي جعل ليليث لا تلقي بالاً لعداء إيلين؛ فهي تراها طفلةً تفتقر للمنطق.
طفلةً مدللة عاشت عمرها كله يأتمر العالم بأمرها، ولعل هذا هو سبب كراهيتها الشديدة لليليث؛ إذ كانت الأخيرة من القلائل الذين لا تستطيع الأميرة إخضاعهم لسطوتها.
نظرت ليليث ببرود إلى من تقف أمامها.
كانت عينا إيلين تفيضان بالغضب والحقد؛ فمن كاليكس إلى زينون، باتت ليليث في نظرها تجسيدًا لكل سوء حظ.
لكن ليليث لم تكن تملك حلاً لمشاعرها تلك.
“…… إن كنتِ قد انتهيتِ مما لديكِ، فسأستأذن للرحيل.”
لم تجب ليليث، بل اكتفت بالنظر إليها بعينين خاويتين من أي اهتمام.
أثارت هذه اللامبالاة حنق إيلين أكثر فأكثر.
“لا تنظري إليّ بتلك الطريقة!”
اغرورقت عينا إيلين بالدموع، لكنها لم تكن دموع حزن، بل دموع غضبٍ حارق.
وهمست بكلماتٍ تشبه اللعنة.
“لقد كنتُ أعلم منذ البداية أنكِ ستكونين الهلاك الذي يلتهم أخي.”
‘أخيها؟’…… تبادر وجه كاليكس إلى ذهن ليليث.
هل هي من التهمته حقًّا؟
ألم يكن هو من دمر حياتها في المقام الأول؟
استمرت إيلين في حديثها، غير مدركةٍ لما يدور في خلد ليليث.
“منذ لحظة اختفائه الأولى، كنتُ أشك فيكِ دائمًا. كنتُ واثقةً أنكِ فعلتِ به شيئًا ما.”
كان كلامها يفتقر إلى المنطق، ويشبه عويل الأطفال.
رفعت ليليث أحد حاجبيها وكأنها تحثها على المتابعة، فاستفزَّ هذا الهدوءُ إيلين وزاد من تشنج ملامحها.
“أنتِ الآن تزدرينني، أليس كذلك؟”
لم تنطق ليليث ببنت شفة.
“أبدو لكِ مثيرةً للسخرية؟ تظنين أن كلماتي لن تؤثر فيكِ مهما قلت؟”
لوت إيلين طرف فمها في ابتسامةٍ مسمومة.
“أنتِ واهمة.”
انضح وجهها بحقدٍ دفين وسمٍّ زعاف.
ثم تقدمت خطواتٍ لتقف أمام ليليث مباشرة، وحدقت في عينيها قائلةً بفحيح: “هل تريدين معرفة أمرٍ ما؟”
تطلعت ليليث في وجه إيلين، ولم ترَ في عينيها الشفافتين سوى غلٍّ خالص.
قالت إيلين وهي تجزُّ على أسنانها: “لقد سمعتُ الكلمات الأخيرة التي قالها أخي قبل اختفائه.”
في تلك اللحظة، أحكمت ليليث قبضتها دون وعي.
كانت هذه المرة الأولى التي تسمع فيها بهذا الأمر.
‘كلماتٌ أخيرة؟’
لمحت إيلين ارتباك ليليث فضحكت بسخرية.
“في بعد ظهر اليوم الذي سبق اختفاءه، صادفتُه مصادفةً، وسمعتُ منه جملةً واحدة. هل تودين معرفة ما هي؟”
نطقت إيلين الكلمات وكأنها تمضغها واحدةً تلو الأخرى.
“سأذهب للقاء ليليث. هناك شيءٌ يجب أن أسألها عنه.”
سقط قلب ليليث بين ضلوعها ما إن سمعت تلك الكلمات.
وعندما رأت إيلين وجه ليليث وقد تجمدت ملامحه وفقد هدوءه، انقضت عليها.
“أجل، لقد كنتُ أعلم منذ زمنٍ بعيد أن أخي ذهب للقائكِ ثم اختفى. كنتِ تدّعين حينها أنكِ خارج البلاد، لكن أخي كان يعلم يقينًا أنكِ كنتِ موجودةً في الدوقية في ذلك الوقت.”
كانت إيلين تهاجمها بقوةٍ لا تعرف الهوادة.
“التزمتُ الصمت طوال هذه المدة لعدم وجود دليل، ولأنني لم أكن أعرف ما حدث له بعد ذلك. ولكن،”
جزت إيلين على أسنانها بقوة.
“الآن، وبعد العثور على جثته في أراضيكم، تغير كل شيء.”
زادت ليليث من ضغط قبضتها، حتى انغرست أظافرها في راحة يدها مخلفةً جروحًا دامية.
التعليقات لهذا الفصل " 54"