أجاب كارل وهو لا يزال يشيح بنظره عنها: “لقد حان الوقت.”
كانت نبرته واهية، لكن المعنى الذي تحمله لم يكن كذلك أبدًا.
تسمّرت ملامح ليليث بجديةٍ.
“هل عثرتَ على أدلةٍ أخرى؟”
لقد مَرَّت الأشهر الثلاثة الماضية دون أي تقدم يُذكر لعدم وجود دليلٍ قاطع يدين الجاني.
فهل توصّل إلى شيءٍ ما في غضون ذلك؟
هزَّ كارل كتفيه.
“الوضع على حاله. فالأدلة لا تظهر بهذه البساطة.”
“إذًا كيف تنوي فعل ذلك؟”
التفت كارل حوله متفحصًا المكان، ثم خفض صوته وبدأ يشرح.
“أتعلمين أن السير زينون على وشك الحصول على لقب نبالة؟”
كان يقصد لقب البارون الذي وُعد به كمكافأةٍ على تطهير التنين المجنون.
كان منحُه اللقب أمرًا محسومًا منذ البداية، غير أن الأحداث المتلاحقة تسببت في تأجيله حتى الآن.
أومأت ليليث برأسها، فهمس كارل بصوتٍ خافت: “هناك أنباءٌ تفيد بأن جلالة الإمبراطور سيقيم مراسم منح اللقب التي تأجلت قريبًا.”
فهمت ليليث الموقف على الفور.
فزينون حاليًّا ليس سوى فارسٍ من أصلٍ وضيع، ورغم ذيوع صيته كبطلٍ أنقذ البلاد، إلا أن أصله لا يزال نقطة ضعفٍ تطارده.
لكن الوضع سيختلف تمامًا إن منحه الإمبراطور اللقب؛ فبمجرد أن يصبح بارونًا بصفةٍ رسمية، سيصعب على كارل -الذي ليس سوى الابن الثاني لكونت، ولا يملك سلطةً لمساءلة صاحب لقب- أن يهاجمه.
“يجب أن ننهي الأمر قبل أن يصبح شأنُه أعظم.”
غرقت ليليث في تفكيرٍ عميق.
رغم شعورها ببعض التسرع في أسلوبه، إلا أنها أدركت أن هذا هو الخيار الأمثل من وجهة نظر كارل، ولم يكن من الصعب فهم دوافعه.
لكن ثمة مخاوف كانت تساورها.
“لكن، قد لا تُقبل التهمة لنقص الأدلة.”
“لدينا شاهدة، وهذا دليلٌ جديد لم يكن موجودًا من قبل. سيكفي هذا على الأقل لزعزعة قناعة الإمبراطور.”
لم تجب ليليث، بل راحت ترتب أفكارها بملامح يكسوها القتوم.
وعندما لاحظ كارل حال صديقته، أضاف موضحًا: “الأدلة الظرفية كافية. وهناك معلومات لا يعرفها غيرنا، مثل قضية جيفري.”
عند ذكر اسم جيفري، انقبض وجه ليليث بشكلٍ طفيف.
ولم يلحظ كارل هذا التغير، بل تابع حديثه بهدوء.
“ليليث، أنا أدرك ما تمرين به. سيتعين عليكِ إدانة السير زينون بنفسكِ، ولن يكون ذلك هينًا على قلبكِ؛ ففي نهاية المطاف هو خطيبكِ الحالي. كما أن مهاجمته ليست بالخيار السياسي الجيد.”
رغم كلماته الرقيقة التي حاول بها تهدئتها، لزمت ليليث الصمت.
اختلس كارل النظر إليها ثم استأنف حديثه.
“لكن هذا أمرٌ لابد منه. الحقيقة يجب أن تنجلي، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكننا فعله من أجل كاليكس.”
نطق كارل الكلمات الأخيرة بتشديدٍ وكأنه يغرسها في مسامعها.
“لأجل راحة روح كاليكس الذي قُتل ظلمًا.”
كاليكس……
تراءى وجهه في مخيلتها شاحبًا وضبابيًّا.
كان عقلها يدرك أن اتباع كلمات كارل هو الخيار الأمثل، لكنها ولسببٍ مجهول كانت تتردد.
كارل على حق.
الأدلة التي جُمعت حتى الآن، رغم أنها ليست دامغة، إلا أنها كافية لتضييق الخناق على زينون.
وإذا ما اجتمعت شهادة العجوز التي وجدها كارل مع التحقيقات التي أجرتها ليليث سرًّا، فستزداد مصداقية الفرضية بشكلٍ كبير، وسيميل الرأي العام حتمًا نحو إدانة زينون، ولن يكون بمقدور الإمبراطور تجاهل ذلك بسهولة.
وبعد صراعٍ طويل، نطقت ليليث: “…… ومع ذلك، لا يزال الأمر ناقصًا. قد نواجه عاصفةً مرتدة.”
فزينون، في نهاية الأمر، هو بطل البلاد، ويتمتع بتأييدٍ شعبي كبير بقدر ما يُهاجم.
لن يكون النيل منه بالأمر اليسير.
ولأن كلماتها كانت منطقية، لم يجد كارل ردًا سريعًا، فاكتفى بالهمهمة مفكرًا: “إذًا، لابد من نصب فخ.”
استجابت ليليث للكلمة التي تمتم بها كارل.
“فخ؟”
“أجل.”
أومأ كارل برأسه.
“كلامكِ صحيح في الواقع. الأدلة التي نملكها تفتقر إلى الضربة القاضية. وإن لم نتوخَّ الحذر، فقد نمنحه ثغرةً للإفلات، وهذا ما لا يمكنني السماح به.”
وضع كارل كأسه على الطاولة وتابع.
“لذا، لابد من نصب فخٍ يُجبر السير زينون على الاعتراف بجرمه.”
قطبت ليليث حاجبيها.
“لن يكون الأمر سهلاً.”
“بالتأكيد.”
هزَّ كارل كتفيه.
“لم أظن أبدًا أنه سيكون سهلاً.”
كانت نبرته تنضح بالثقة، لكن ليليث التي عاشرته كصديقةٍ لسنوات طويلة، كانت تدرك أن كارل نفسه ليس متيقنًا تمامًا، بل كان يبذل قصارى جهده فحسب.
تنهدت ليليث بعمق.
لقد أُلقي حجر النرد بالفعل.
ربما كانت البداية باختيارها، لكن الأمر الآن خرج من بين يديها ليصبح تيارًا جارفًا.
وكل ما يسعها فعله هو حماية روزالين من الانجراف في هذا الإعصار مهما كلف الثمن.
“…… وكيف تنوي انتزاع الاعتراف منه؟”
فكر كارل لبرهةٍ قبل أن يجيب.
“لا أزال أبحث في تفاصيل الخطة. سأطلعكِ عليها فور اكتمالها. لا بد من استغلال ثغرةٍ ما وجرِّه لارتكاب خطأ.”
بعد ذلك، طرح كارل على ليليث عدة أسئلة تتعلق بزينون، يبدو أنها ستكون جزءًا من خطته.
وأجابت ليليث بكل ما تعرفه بصدق.
وبعد فترةٍ وجيزة.
نادى كارل اسمها بصوتٍ خفيض بعد أن حصل على ما يريد.
“ليليث.”
“ماذا؟”
تردد كارل قليلاً.
“أنا آسف.”
على ماذا كان يعتذر؟
أكان يعتذر لإدانة خطيبها زينون؟ أم على حياتها التي ستنقلب رأسًا على عقب بسبب هذا الاتهام؟
أياً كان السبب، لم يكن على كارل أن يشعر بالأسف.
هزت ليليث رأسها.
“لا بأس.”
وهكذا انتهى الحديث بينهما.
ساد صمتٌ مطبق، ولم يقطعه سوى أنغام الموسيقى العذبة التي كانت تملأ أرجاء القاعة.
الآن حقًّا، اقتربت النهاية.
أغمضت ليليث عينيها، وهي تتخيل تلك الخاتمة الوشيكة.
* * *
حلَّ الليل وبلغت المأدبة ذروتها.
وبعد أن كانت الأجواء يسودها الفتور والوقار في البداية،
استعادت القاعة حيويتها المعهودة.
بعد إنهاء حديثها مع كارل، تبادلت ليليث التحايا الرسمية مع الحاضرين، ثم انتظرت حتى تأكدت من حضور الإمبراطور قبل أن تتجه نحو غرفة الاستراحة.
‘لقد بدأ الأمر مرةً أخرى.’
وضعت ليليث يدها على جبهتها وهي تشعر بصداعٍ يفتك برأسها.
في الآونة الأخيرة، لم تكن صحتها على ما يرام، وتحديدًا منذ اللحظة التي عُثر فيها على جثة كاليكس.
كانت صامدةً بعناد، لكن قواها بدأت تخونها.
شعرت وكأنها على وشك الانهيار، فخطت خطواتها ببطء؛ فمهما بلغت شدة تعبها، لم تكن ترغب في إظهار ضعفها أمام الآخرين.
‘…… سأتحسن بعد القليل من الراحة. على أي حال، سينتهي كل هذا عما قريب.’
استرجعت ليليث حديثها السابق مع كارل.
<أنا، سأكشف عن القاتل هناك.>
الآن هي النهاية حقًّا.
سيصبح زينون هو الجاني، وسينعي الجميع موت كاليكس مرةً أخرى، وتُطوى صفحة القضية.
أجل، هكذا ينبغي أن تسير الأمور……
عضت ليليث على شفتيها. كان هذا هو الأمر الذي انتظرته طويلاً، لكنها لم تدرك سبب هذا الشعور الغريب الذي يكتنفها.
لماذا؟
تراءى وجه زينون في مخيلتها فجأة.
‘أيها الأحمق المتهور.’
جزت على أسنانها وقطبت حاجبيها بضيق.
لم يرق لها شيء؛ لا موقفه المطيع، ولا ملامحه الهادئة التي توحي بتقبله لكل شيء.
‘أنا حقًّا أبغضك.’
حقًّا، حقًّا……
أغمضت ليليث عينيها بشدة، لكن وجه زينون الذي ملأ مخيلتها لم يغب.
التعليقات لهذا الفصل " 53"