قال أحدهم ذلك، ثم تابع: “رغم أن مقتل الأمير كان فاجعةً صادمة، إلا أنه كان في عداد المفقودين منذ زمنٍ طويل. ثلاثة أشهرٍ كفيلةٌ بأن تجعل الجميع يستعيدون وتيرة حياتهم الطبيعية.”
وافقت ليليث على هذا القول في سرّها، رغم أن الحديث لم يكن موجّهًا إليها.
“هذا صحيح، ولهذا السبب سمح جلالة الإمبراطور بإقامة هذه المأدبة.”
همس شخصٌ آخر: “ففي النهاية، يجب على الأحياء أن يستمروا في العيش.”
أومأ الجميع برؤوسهم موافقةً.
وكما قالوا، كانت المأدبة التي استضافتها الإمبراطورية في أوجها، وقد احتشد فيها جمعٌ غفير من الناس بعد انقطاعٍ طويل عن المناسبات العامة.
ولأنها المأدبة الأولى منذ الحادثة غير المسبوقة التي عاد فيها الأمير المفقود جثةً هامدة، لم يكن الجو صاخبًا كالمعتاد، بل سادته هيبةٌ ووقار.
ومع ذلك، وبما أن الصدمة قد خفت وطأتها بمرور الأيام، لم تكن وجوه الحاضرين غارقةً في كآبةٍ مطلقة.
‘…… سيزداد الأمر إزعاجًا.’
تنفست ليليث الصعداء وهي تشعر بنظرات الناس الذين يتهامسون عنها من بعيد.
كانت مأدبة اليوم احتفالاً بعيد ميلاد الأميرة إيلين.
وبما أن ليليث هي القطب الذي تدور حوله الشائعات السيئة أصلاً، ولأن عداءها للأميرة -بطلة هذا الحفل- ذائع الصيت، فقد تضاعف الهمس حولها أكثر من المعتاد.
بالطبع، لم تكن ليليث ترغب في الحضور؛ فهي لا تضمر مشاعر تهنئةٍ صادقة بعيد ميلاد إيلين، ولا ترغب في لفت الأنظار دون داعٍ.
لكنها لم تملك ترف رفض دعوةٍ آتية من القصر الإمبراطوري، والسبب هو……
“أختي، لماذا تقفين هكذا بمفردكِ؟”
لأن روزالين كانت تتوق للمجيء إلى هنا.
التفتت ليليث نحو روزالين عند سماع ندائها.
“متى وصلتِ؟”
“قبل قليل!”
أجابت روزالين بابتسامةٍ عذبة، ثم تابعت: “لقد دعاني ابن الماركيز كاستيل للرقص، لكنني رفضتُ وجئتُ إليكِ.”
أدارت ليليث بصرها قليلاً، فرأت رجلاً يختلس النظر باتجاههما من مكانٍ غير بعيد.
كاستيل. ليس خيارًا سيئًا؛ فالمكانة، والثروة، وحتى السمعة الطيبة لعائلته، كلُّها أمورٌ مرضية.
رغم أنها، وبكل تجرد، ترى أن روزالين تستحق من هو أفضل منه بمراحل……
أنهت ليليث تقييمها للرجل في سرّها، “لماذا؟ إنه شابٌّ جيد. كان عليكِ أن تمنحيه رقصةً على الأقل.”
“أختي!”
احمرّت وجنتا روزالين خجلاً، ثم وقفت على أطراف أصابعها وهمست في أذن ليليث: “لا يمكنني فعل ذلك. هذا الرجل…… كان يخطط لطلبي للزواج!”
‘بهذه السرعة؟ إنه متعجلٌ حقًّا.’
فكرت ليليث في الأمر ببرود، واكتفت بالتعليق.
“حقًّا؟”
انتفخت وجنتا روزالين من رد فعل أختها الفاتر، وقالت بضيق: “ما هذا البرود يا أختي؟”
بدت وكأنها تريد من ليليث أن تعترض أو تمنع الأمر، ربما ظنت أن ليليث ستنفعل عند سماع طاري الزواج.
لكن ليليث اكتفت بهز كتفيها.
“لا أدري إن كان هو الخيار الأمثل، لكنه ليس سيئًا. لا بأس بتبادل الحديث معه على الأقل.”
“أختييييي!”
تذمرت روزالين بدلالٍ من موقف ليليث، لكن الأخيرة لم تظهر استجابةً كبيرة.
ففي الحقيقة، كان البحث عن شريك حياةٍ لروزالين هو الغرض الحقيقي الذي دفع ليليث للمجيء إلى هنا اليوم.
أما روزالين، التي لم تكن تدرك ما يدور في خلد أختها، فقد دمدمت بضيق: “حسناً، أنا ذاهبة.”
“إلى أين؟”
“لا أدري!”
اختفت روزالين في أرجاء قاعة المأدبة بوجهٍ عابس.
ابتسمت ليليث ابتسامةً خفيفة وهي تراقب أثرها، لكن سرعان ما تلاشت تلك البسمة تمامًا بمجرد أن أدارت وجهها.
‘على أي حال، يبدو الوضع مبشرًا.’
بينما كانت تتحدث مع روزالين، لاحظت نظرات بعض الشبان من أقرانها يختلسون النظر نحوهم، ويبدو أنهم مهتمون بها.
بالطبع، ليس جميعهم أكفاء، ولابد من غربلتهم بعناية…… لكن اهتمام هؤلاء الشبان بـروزالين، رغم أن عائلة دوق بلين تقبع في عين العاصفة، لم يكن نتيجةً سيئة.
‘يجب أن أختار لها رجلاً صالحًا.’
كانت ليليث تتفحص الرجال بعينٍ أكثر تدقيقًا وحذرًا مما فعلت حين اختارت شريك حياتها هي؛ كانت نظراتها تحمل نوعًا من الهوس والحرص الشديد.
والسبب في هذا التحول المفاجئ في تفكيرها هو سلسلة الأحداث الأخيرة.
<لذا، أخبركِ مسبقًا؛ سأواصل التحقيق بناءً على الاستنتاجات التي توصلنا إليها، وحين أضع يدي على دليلٍ دامغ يقنع جلالته، سأكشف للعالم أجمع أنه القاتل. وأعلم أن هذا المسار سيلحق بكِ الضرر حتمًا.>
تذكرت ليليث الكلمات التي قالها كارل حين أطلعها على الشاهد الجديد.
وكما قال، فإذا ما اتهم كارل زينونَ رسميًّا بالقتل، فستنجرف عائلة دوق بلين حتمًا في تيار هذه القضية.
ورغم أن الشكوك تحوم حولهم الآن، إلا أن تأكيد هوية القاتل سيخلق فوضى لا تقارن بما سبق.
لقد حاولت ليليث قدر المستطاع إبعاد روزالين عن القضية لكي لا يمسها أذى، لكنها لم تكن تعلم إلى متى سيصمد هذا الجدار.
فإذا ثبتت التهمة على زينون، فستتوجه السهام حتمًا نحو روزالين التي قضت معه معظم وقتها.
لذا، كانت بحاجةٍ إلى سياجٍ جديد يحمي شقيقتها.
راحت ليليث تجول ببصرها في الأنحاء، تتفحص الشبان في سن الزواج الحاضرين في المأدبة.
لم يكن هناك من يملأ عينها تمامًا، لكن إذا تخلت عن بعض المثالية، فقد وجدت قلةً يمكن القبول بهم.
في ظروفٍ عادية، لم تكن لتلقي عليهم نظرة، ولكن……
“ليليث.”
في تلك اللحظة، انتشلها صوتٌ مألوف من غمرة أفكارها.
التفتت لتجد كارل أمامها.
“لقد جئتَ إذًا؟”
“أجل.”
وقف كارل بجانبها بطبيعية، وهو يرتشف من كأسه.
راح يتجول بنظراته ببرود متبادلاً الإيماءات مع بعض السيدات، ثم فتح فمه متظاهرًا بحديثٍ عابر: “أين السير زينون؟”
أجابته ليليث دون أن تنظر إليه: “لن يأتي اليوم.”
كان أمرًا متوقعًا؛ فقد ساءت سمعة زينون بشكلٍ خطير في الآونة الأخيرة.
وخاصةً بعد اليوم الذي عادت فيه ليليث من مقابلة الإمبراطور، حيث انحاز زينون لجانبها علانيةً في مواجهتها مع الأميرة إيلين، مما جعل الشائعات تشتعل كالنار في الهشيم.
وكان السبب أن حتى المشككين بدأوا يدركون مدى هوس زينون بليليث بعد ذلك الموقف.
أضافت ليليث وهي تقطب حاجبيها قليلاً.
“لقد طلبتُ منه عدم المجيء؛ لأن وجوده سيثير ضجةً نحن في غنى عنها.”
في الأوساط الاجتماعية، انقسم الناس بحدة بين من يشك في كونه القاتل ومن يتمسك ببراءته.
وفي ظل هذه الأجواء، فإن ظهور زينون في المأدبة سيجعل كل الأنظار تترصد حركاته، وهو ما لا يخدم ليليث في سعيها للبحث عن زوجٍ لروزالين.
‘…… وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فلم أكن لأشعر بالرغبة في رؤية وجهه على أي حال.’
تنهدت ليليث وضغطت بسبابتيها على صدغيها، فقد بدأت تشعر بصداعٍ يفتك برأسها.
تمتم كارل بملامح غارقة في التفكير.
“فهمت، هكذا الأمر إذًا……”
ساد بينهما صمتٌ قصير.
خلال الفترة الماضية، بذلت ليليث وكارل جهودًا مضنية لإثبات إدانة زينون؛ أو لنكن دقيقين، كارل هو من بذل الجهد الأكبر.
لكن منذ العثور على العجوز الشاهدة، لم يطرأ أي تقدمٍ جديد، وظلت القضية تراوح مكانها.
لم تكن ليليث متأكدةً مما إذا كان عليها أن تفرح لهذا الركود أم تحزن.
فجأةً، نطق كارل وكأن فكرةً قد لمعت في ذهنه: “لقد حسمتُ أمري.”
رفعت ليليث حاجبها استغرابًا من قوله المفاجئ.
“أيُّ حسم؟”
“هل سمعتِ عن مراسم التطهير التي ستقام في المعبد قريبًا؟”
أومأت ليليث برأسها.
وكما ذكر كارل، فمن المقرر إقامة مراسم تطهير في المعبد الكبير عما قريب؛ لتأبين روح الأمير كاليكس الذي قضى نحبه في ريعان شبابه، وللمباركة والتطهير منعًا لوقوع أي شرورٍ أخرى في الإمبراطورية.
التعليقات لهذا الفصل " 52"