شعرت ليليث في تلك اللحظة وكأنَّ الدماء قد تجمَّدت في عروقها.
ولم يلحظ كارل اضطرابها قط، بل استمرَّ في تباهيه.
“أليس أمرًا مذهلًا؟”
قالها وعلى وجهه علامات النصر والظفر.
استحثَّته ليليث قائلة:”أيُّ شاهدٍ هذا؟”
شاهد؟ هذا مستحيل.
كان من الصعب على ليليث تصديق كلمات كارل.
فمنذ اختفاء كاليكس قبل خمس سنوات، وهي تفتش كل ركنٍ في الدوقية بحثًا عن أي شخصٍ قد يعرف ولو القليل عما حدث في ذلك اليوم.
ولكن رغم جهودها المضنية، لم يظهر أي شاهد، وظلت القضية مدفونة كما هي.
حتى فريق التحقيق لم يتوصل إلى أي معلومات جديدة.
فمن أين ظهر هذا الشاهد فجأة؟
“لقد كان الحظ حليفي.”
بدأ كارل يشرح الأمر بهدوء.
ووفقًا لقوله، فقد قضى الأيام القليلة الماضية سرًّا في دوقية بلين، حيث قرَّر بمفرده البحث عن أدلة تتعلق بالقضية.
بالطبع، لم يحقق هناك أي نجاح يذكر كما كان متوقعًا.
فالحادثة وقعت قبل خمس سنوات، وهي مدة كفيلة باختفاء كل الأدلة، ولم يكن من المنطقي الحصول على معلومات جديدة الآن.
ولكن حين كان على وشك الاستسلام والعودة، صادف كارل كوخًا بالقرب من القرية المجاورة للبحيرة.
“كان منزلًا تعيش فيه عجوزٌ بمفردها.”
قطبت ليليث حاجبيها عند سماع شرح كارل.
“عجوز؟”
“نعم.”
أومأ كارل برأسه.
“يبدو أنها تعيش هناك منذ زمنٍ طويلٍ جدًّا.”
حينها تذكرت ليليث أنها سمعت بوجود منزلٍ كهذا في التقارير القديمة.
“وماذا بعد؟”
“حسنا، ما حدث هو……”
استرجع كارل ذاكرته.
“في البداية، دخلتُ إلى هناك دون توقعات كبيرة. فكرتُ فقط أنها بما أنها عاشت هناك طويلًا، فقد تعرف شيئًا ما، لكنني لم أظن أنه سيكون دليلًا حاسمًا.”
قال إن العجوز كانت طاعنة في السن وضعيفة القوى، ولم تكن تتابع الأخبار، لدرجة أنها لم تكن تعلم بالعثور على جثة كاليكس في البحيرة.
“لذا شرحتُ لها الأمر بتمهُّل. أخبرتُها بما حدث ولماذا جئتُ إلى هنا، وسألتُها إن كانت تعرف أي شيء.”
سألته ليليث بهدوء مصطنع: “…… هل كانت تعرف شيئًا حقًّا؟”
فأومأ برأسه إيجابًا.
“نعم.”
في تلك اللحظة، انقبض قلبها بشدة.
هل كان هناك شاهدٌ حقًّا؟
غير معقول. لا يمكن أن يكون هذا……
أحكمت ليليث قبضتَيها لتخفي ارتجاف يديها.
لقد بحثت عن هذا الشاهد بكل جوارحها ولم تجده، فكيف يظهر أمامها الآن؟ لا، بل ‘لا ينبغي له أن يظهر’.
وببراءة لم تدرك ما يدور في خلدها، قال كارل:”يبدو أن تلك العجوز لم تكن تدرك ماهيّة ما رأته في ذلك الوقت. قيل إن فريق التحقيق زار منزلها عدة مرات في الماضي ومؤخرًا، وفي كل مرة كانت تجيب بأنها لا تعرف شيئًا لأنها لم تكن تفهم ما رأته. لهذا السبب لم يظن أحدٌ قط أنها شاهدة.”
ابتلعت ليليث ريقها وجفَّ حلقها.
كان قلبها يخفق بجنون، لكن لم يكن بوسعها إظهار هذا الاضطراب. أخذت نفسًا عميقًا ثم سألت برصانة: “…… وبماذا شهدت تلك العجوز؟”
“قالت إنها رأت، قبل خمس سنوات، في وقت اختفاء كاليكس تقريبًا، شابًّا ورجلًا مسنًّا يحملان كيسًا ضخمًا على أكتافهما ويتجهان نحو البحيرة.”
حاولت ليليث التفكير بعقلانية.
“شاب ورجل مسن؟”
“أجل.”
أومأ كارل برأسه مؤكدًا.
“بالطبع، الأمر ليس مؤكدًا تمامًا. ففي النهاية هي عجوز قد تضعف قدراتها الإدراكية، وربما تكون قد أخطأت في الرؤية، أو خانتها الذاكرة بعد مرور خمس سنوات.”
“لكنها الشهادة الأكثر منطقية من بين كل ما ظهر حتى الآن. أنا واثقٌ من أن هذه العجوز قد شهدت الحقيقة.”
عند كلمات كارل، كاد قلب ليليث أن ينفجر من سرعة نبضه.
لكنها سرعان ما رتَّبت أفكارها بهدوء.
شاب ورجل مسن.
لم تُكشف هويتهما بدقة بعد.
شهادة العجوز غير واضحة، وليس من المؤكد قبولها كشهادة رسمية.
وعلاوة على ذلك، فإن مجرد قصة عابرة لا تكفي كدليل لإثبات كل شيء.
لذا، لا يجب التسرع في الحكم الآن.
فتحت ليليث فمها بهدوء وقالت: “…… كارل.”
“نعم؟”
“أنت تعتقد أن شهادة هذه العجوز مرتبطة بالحادثة الحقيقية، أليس كذلك؟”
هزَّ كارل رأسه.
“هذا ما أظنه.”
“إذًا، في رأيك، من يكون ذلك الشاب وهذا العجوز؟”
أمام سؤالها الحاد، فكر كارل قليلًا قبل أن يجيب: “…… قبل أن أقول رأيي، سأوضح أمرًا واحدًا.”
حين أومأت ليليث له بالمتابعة، أكمل كلامه.
“ما سأقوله الآن هو مجرد حدس. لا أملك أدلة بعد، والأمر أقرب إلى تأليف رواية. لذا، لا تأخذيه على محمل اليقين التام.”
“…… فهمت.”
لإخفاء توترها، ضغطت ليليث على قبضتها بقوة، حتى انغرزت أظافرها الحادة في راحة يدها.
“إذًا، ما الذي يدور في ذهنك؟”
“أعتقد أن الشاب الذي رأته العجوز هو السير زينون، أما العجوز فكان شريكه في الجريمة.”
عضت ليليث على شفتيها بقوة.
تابع كارل بملامح جادة: “هوية الشريك لا تزال مجهولة. لكن يمكننا معرفة ذلك بمزيد من البحث. ففي ذلك الوقت، كان عدد الأشخاص الذين قد يساعدون السير زينون محدودًا للغاية.”
غرقت ليليث في أفكارها الخاصة عند سماع كلماته.
اختلس كارل النظر إلى وجهها ثم استطرد في حديثه.
“بما أنني لم أزُر دوقيتكم في ذلك الوقت، فإن المعلومات التي أملكها محدودة. صحيح أنني أتسلل للاطلاع على سجلات فريق التحقيق، ولكن لهذا حدود أيضًا. لذا كنت أتساءل……”
“هل يمكنكِ مساعدتي قليلًا؟”
لم تجب ليليث على الفور.
بدت غارقة في التفكير بجدية بشأن أمرٍ ما.
وتفهم كارل حالتها؛ فمهما كانت مشاعرها تجاه كاليكس، فقد كان خطيبها السابق.
وظهور أدلة تشير إلى أن خطيبها الجديد قد قتله، أمرٌ كفيلٌ بهزِّ كيان ليليث القوي.
لذا، انتظر كارل بصبر حتى تستجمع شتات نفسها، وتتمكن من المشاركة في الحوار بإرادتها.
وأخيرًا، آتى انتظاره ثمارَه.
“…… جيفري بينبروك.”
“ماذا؟”
مال كارل برأسه استغرابًا من الاسم المفاجئ.
“مَن يكون هذا؟”
عضت ليليث شفتها بمرارة، ثم تنهدت قائلة: “…… إنه الرجل الذي كان كبير خدم قصر دوقية بلين قبل خمس سنوات. لقد تقاعد الآن.”
“كبير الخدم؟”
بدأت المعلومات تترابط في عقل كارل تدريجيًّا.
أومأت ليليث برأسها.
“لقد كان المسؤول عن جميع خدم القصر في ذلك الوقت. وبالطبع، كان يعرف زينون جيدًا. لهذا السبب أرسلتُ له رسالة مؤخرًا لأسأله عن زينون. ولكن……”
“ولكن ماذا؟”
رفعت ليليث رأسها ونظرت مباشرة في عيني كارل بحزم: “لقد وصلني خبر وفاته منذ فترة قصيرة.”
“ماذا؟”
امتقع وجه كارل.
“وأعتقد أن زينون هو من قتله.”
تصلب جسد كارل من الصدمة.
“هل يعقل……؟”
قالت ليليث ببرود وهدوء تام: “ربما نفكر أنا وأنت في الشيء نفسه الآن.”
ثم أردفت بصوتٍ قاطعٍ كأنها تصدر حكمًا.
“زينون وجيفري هما من تخلصا من جثة كاليكس في البحيرة قبل خمس سنوات. ‘الشاب والعجوز’ اللذان رأتهما المرأة في ذلك اليوم، هما هذان الاثنان بلا شك.”
التعليقات لهذا الفصل " 50"