الفصل 49
ضحكت ليليث باستهزاء، مذهولةً مما سمعت.
“ماذا قلت؟”
أغلق زينون فمه بإحكام مرةً أخرى، وكأن الصمت واجبه المقدس، بوجهٍ حازم.
طلب؟
من الذي يمكن أن يطلب مثل هذا الطلب؟
لا يمكن أن يعرف أحد بما قالته روزالين سواها.
هل يعني ذلك أنها هي من طلبت منه مباشرةً أن يحتفظ بالسر؟
لم تستطع ليليث تصديق ذلك.
“لا تكذب. لِمَ قد تخفي روزالين سرًا عني؟”
كان ذلك إيمانًا وثقةً بأختها.
كانت الأختان تحبان وتهتمان ببعضهما مهما كانت الصعوبات والمحن.
كانت رابطةً عائلية بنيت عبر سنواتٍ طويلة. لذا، لا يمكن أن توجد أسرار بينهما.
“أنت تعرف وأنا يجب ألا أعرف؟ روزالين لن تفعل شيئًا كهذا!”
لكن زينون اختار الصمت مجددًا.
لم يتزعزع أمام اتهاماتها وأبقى فمه مغلقًا.
زاد ذلك من غضب ليليث.
نظرت إليه بعينين مشتعلتين، عاضةً على أسنانها.
أما زينون، فخفض بصره وقبل غضبها بهدوء.
لكن ليليث هدأت من روعها بعد قليل. أو بالأحرى، لم يزل غضبها، لكنها حاولت السيطرة على مشاعرها.
في النهاية، لا يمكنها انتزاع أي كلام من زينون في هذه الحالة.
حاولت ليليث أن تكون هادئة.
لا تعرف ما حدث بالضبط، لكن روزالين شاركت زينون فقط ما حدث معها، وأرادت إبقاء ذلك سرًا عن ليليث.
في هذه الحالة، سيحافظ زينون على وعده لروزالين مهما كلف الأمر، ولن تجد ليليث وسيلةً لجعله يتكلم.
زينون ماير هو هذا النوع من الرجال.
إذن، الحل الوحيد هو أن تستنتج بنفسها.
تنفست ليليث بعمق لتهدئة نبضها المتسارع، ثم رتبت الموقف بعقلانية.
أمرٌ مخيفٌ حدث عندما كانت مع كاليكس، مخيفٌ بما يكفي ليسبب كوابيس.
أمرٌ تستطيع إخباره لزينون، لكن يجب أن يبقى سرًا عني.
لم يكن من السهل استيعاب الفكرة.
لكن صورةً غامضة بدأت تتشكل في ذهنها. كأنها على وشك أن تتضح إذا فكرت أكثر قليلًا…
فجأة، فتح زينون فمه: “أنا…”
عندما التفتت إليه، نظر زينون في عينيها مباشرةً.
“آمل ألا تتعمقي أكثر في هذا الأمر.”
عبست ليليث بانزعاج.
“هل تأمرني الآن؟”
“…لا انا أتوسل إليكِ.”
خفض زينون رأسه.
لم يقدم تفسيرات إضافية. فقط توسل إليها بحرارة وهو ينحني.
نظرت ليليث إليه بهدوء.
زينون ماير.
الرجل الذي يعرف كل شيء.
فجأة، تساءلت ليليث. كيف يبدو هذا الحدث في عيني رجلٍ يعرف حتى ما لا تعرفه؟
وماذا يرسم هذا الرجل فوق هذه الصورة؟
“…لا أفهم شيئًا.”
تنهدت ليليث بعد صمتٍ طويل.
عبست بعادتها وتمتمت: “لدي أفكاري، ولديك أفكارك. لكنني لا أستطيع تخمين ما تريده.”
كان زينون يتحرك عادةً وفق رغبات ليليث، لكنه أحيانًا يتصرف بطرقٍ لا تفهمها.
هذه إحدى تلك اللحظات، وكانت ليليث مستاءةً من أنه خارج سيطرتها.
لكن زينون ظل هادئًا.
“أنا اتحرك من أجلكِ.”
كان صوته منخفضًا.
“لذا، كل أفعالي لا يمكن أن تؤذيكِ.”
هل يمكن تصديق كلام زينون؟
تفحصت ليليث تعبيره بدقة، بحثًا عن أي دليلٍ صغير.
لكن الوضع ظل غامضًا، ولم يظهر جوابٌ واضح. عضت ليليث شفتيها.
“…سؤالٌ آخر.”
رفع زينون رأسه عندما تحدثت.
“هل تتذكر جيفري؟”
تغير تعبير زينون قليلًا عند ذكر الاسم.
لكن التغيير كان طفيفًا جدًا، فلم يكن واضحًا ماذا يعني.
“…نعم، أتذكره.”
“حقًا؟”
نظرت ليليث إليه بحدة.
“إذن، هل تعرف أنه مات؟”
غاصت عيناه الرماديتان في ظلامٍ عميق.
عمّ صمتٌ خانق بينهما. توترٌ مشدود. لحظةٌ عابرة، لكنها بدت أطول من أي وقتٍ مضى.
وبعد قليل.
“موته…”
فتح زينون فمه أخيرًا، كأنه اتخذ قرارًا.
“كان ضروريًا.”
أمسكت ليليث قبضتها بقوة.
كان جوابًا غامضًا، لكنه بمثابة اعتراف. سألته بحدة: “من الذي قرر ذلك؟”
عاد زينون إلى الصمت. عندما لم يأتِ رد، كررت ليليث.
“هل لديك الحق في الحكم على ذلك؟”
كان اتهامًا قاسيًا، لكن زينون قبله بهدوء.
تحدث بطاعة، لكن دون أي ذلة.
“كان الخيار الأفضل.”
“ماذا؟”
لم يكن في صوت زينون أي تقلبات.
“فعلتُ فقط ما كان يجب عليّ فعله.”
أذهلت ليليث كلماته الخالية من أي ندم.
ضحكت باستهزاء وهزت رأسها.
“…يبدو أنه لا فائدة من الحديث أكثر اليوم.”
عبست ليليث.
“سأذهب.”
نهضت من مكانها وخرجت من غرفة الاستقبال بخطواتٍ سريعة.
عندما كانت على وشك مغادرة الباب، سمعت صوت زينون من الخلف: “حتى لو عدتُ إلى الماضي، سأفعل الشيء نفسه.”
توقفت ليليث لحظة.
لكنها لم تلتفت. بدأت تمشي مجددًا.
نظر زينون إلى ظهرها. حتى اختفت تمامًا…
* * *
بعد ذلك
عندما عادت ليليث من لقاء زينون، ألغت جميع مواعيدها وانزوت في غرفتها لفترة.
قلقت روزالين، التي تعافت أخيرًا ونهضت من الفراش، على أختها، لكن ليليث كانت غارقةً في أفكارها لدرجة لم تمكنها من الاهتمام بروزالين.
زينون ماير.
فكرت ليليث فيه وحاولت تجميع قطع الأحجية في ذهنها.
كانت الصورة الكاملة تلوح وتختفي.
نواياها، تدخلات زينون، الصدفة والحتمية، كلها امتزجت لتعقد الحدث.
‘لا تفكري بتعقيد.’
‘تذكري ما هو الأهم.’
هدأت ليليث نفسها. بما أن الأمور وصلت إلى هذه النقطة، فإن إنقاذ الجميع مستحيل.
لذا، يجب عليها الاختيار.
وكان من الطبيعي أن تختار ليليث روزالين كأولوية.
نقرت ليليث على مسند الأريكة بأصابعها وهي تفكر بعمق.
ما هو الطريق الأفضل؟ ما الذي يجب أن تفعله لحماية روزالين؟
في تلك اللحظة.
“آنستي.”
انتزعت ليليث من أفكارها بصوت الخادم مع طرق على الباب.
“ادخل.”
بإذنها، فتح الخادم الباب بحذر ودخل.
انحنى الخادم تحيةً ثم تحدث: “لديكِ زائر.”
“من؟”
“الابن الثاني من عائلة لايمر.”
كان يعني كارل. عبست ليليث لزيارة هذا الضيف غير المرغوب.
لكن الخادم أضاف باختصار: “يقول إنه أمرٌ مهم.”
اضطرت ليليث للنهوض من مكانها.
تبعت الخادم إلى غرفة الاستقبال حيث كان كارل ينتظر.
“آه، لقد جئتِ؟”
كان كارل يشرب الشاي بلامبالاة كعادته.
رؤيته يحييها ببساطة أثارت غضب ليليث.
“ما الأمر؟ قلتُ لك لا تأتِ ما لم يكن هناك شيءٌ خاص.”
“آه، كم أنتِ حادة.”
ضحك كارل بخفة. لكنه، عندما رأى وجه ليليث البارد، هز كتفيه.
“حسنًا… أعتذر. لكنني لم آتِ لمجرد التسلية. كما قلتِ، هناك أمرٌ خاص.”
رفعت ليليث حاجبًا، وأمام وجهها الحاد، انتقل كارل إلى صلب الموضوع.
“وجدتُ شاهدًا مهمًا متعلقًا بموت كاليكس.”
تصلب وجه ليليث.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 49"