رفعت ليليث رأسها عندما نادتها روزالين.
“ما الذي تفكرين فيه هكذا؟”
انتبهت ليليث حينها وخرجت من أفكارها.
رتبّت ملامحها وكأن شيئًا لم يكن، لكن ذلك لم يخدع روزالين.
“كذب. لم تسمعي صوتي حتى!”
تذمرت روزالين وهي تتظاهر بالضيق.
“ناديتكِ مراتٍ عديدة ولم تجيبي ولو مرة.”
في الحقيقة، لم تكن كلمات روزالين خاطئة.
كانت ليليث مؤخرًا غارقةً دائمًا في أفكار وهموم شتى.
لكنها كانت مصممةً على عدم البوح بما في داخلها لروزالين أبدًا.
لذا، بدلاً من الإجابة، حولت ليليث الحديث عمدًا.
“بالمناسبة، هل أنتِ متأكدة أنكِ بخير؟ إذا شعرتِ بتعب، يمكنكِ الراحة.”
ابتسمت روزالين ابتسامةً مشرقة.
“أتقلقين عليَّ؟ لا، أنا بخير. أنا الآن بصحة جيدة!”
لكن كلامها لم يكن مقنعًا، إذ تذكرت ليليث كيف أصابتها الصدمة قبل أيام فأقعدتها مريضة.
شعرت روزالين بنظرات ليليث المشككة، فتظاهرت بالنشاط وقالت:
“أنا حقًّا بخير. كان ذلك مجرد نزلة برد عابرة. لم أمرض كثيرًا منذ وصلت إلى العاصمة، أليس كذلك؟”
صحيحٌ أن روزالين أصبحت أكثر صحةً مقارنةً بطفولتها، لكن كأختٍ كبرى، لم تستطع ليليث إلا القلق.
تنهدت ليليث وقالت: “حسنًا. لكن إذا شعرتِ بالتعب، أخبريني.”
ابتسمت روزالين ببراءة وأومأت برأسها.
نظرت ليليث إلى أختها الصغرى وكتمت كلامًا لم تستطع قوله.
في الحقيقة، كان هناك سبب آخر لتمنيها أن ترجع روزالين إلى الداخل.
بالطبع، كانت قلقة على صحتها، لكن المشكلة الحقيقية كانت هذا الموقف.
اليوم كان اليوم الذي ستواجه فيه كايل وزينون بعضهما.
قالت روزالين بابتسامة متوقدة: “أتمنى أن يأتي الجميع بسرعة. لم نجتمع هكذا منذ زمن!”
كانت محقة. كان هذا أول لقاء يجمع هؤلاء الأربعة منذ تخرجهم من الأكاديمية.
عندما كان كايل خارج البلاد، كان ذلك مستحيلاً، وحتى بعد عودته، كان الجميع مشغولين بظروف مختلفة.
بالأحرى، لم يكن هناك سببٌ حقيقي لترتيب مثل هذا اللقاء.
سألت ليليث بهدوء: “ألم تكوني تلتقين بهم أحيانًا في الحفلات؟ بدا أنكِ تتحدثين معهم كثيرًا.”
أمالت روزالين رأسها وكأنها تفكر،
“الجميع يبدون مختلفين عن السابق. لا أعرف ما يفكر فيه زينون. وكايل يبدو مشغولاً.”
بالطبع، كان كايل قد عاد إلى الوطن بعد سنوات، فمن الطبيعي أن يكون لديه الكثير من الأشخاص للقائهم.
أما زينون… تذكرت ليليث وجهه فعبست قليلاً.
رجلٌ لا يمكن قراءة أفكاره. كان انطباعها عنه مشابهًا.
فكرت ليليث فجأة أن إشراك روزالين في هذا اللقاء قد يكون خطيرًا.
بالنسبة إليها، كانت روزالين دائمًا الأولوية.
لذلك، لم تكن مطمئنة إلى هذا اللقاء.
لم تكن تعرف نوع الحديث الذي سيدور بين كايل وزينون، لكنه بالتأكيد لن يكون مبهجًا.
هدفهم كان انتزاع اعتراف من زينون، مما يعني أن مواضيع غير مريحة ستُطرح حتمًا.
لم تكن سلامة روزالين مضمونة في هذا الوضع.
كانت روزالين، التي لا تعرف شيئًا، تنتظر الضيوف بوجهٍ مشرق.
شعرت ليليث بالقلق وهي تراها.
كانت تتمنى لو أن روزالين لا تتورط في مثل هذه الأمور.
لم تستطع الصبر أكثر، ففتحت فمها،”من الأفضل أن تعودي إلى الداخل. يكفي لهذا اليوم…”
لكن في تلك اللحظة، قاطعها صوت.
“ما هذا؟ وصلتُ وأنتِ تريدين المغادرة دون تحية؟”
نهضت روزالين من مقعدها لاستقباله.
“مرحبًا! لم نلتقِ منذ زمن!”
ابتسم كايل وقال: “هاكِ، هذه هدية لكِ، روزالين.”
ناولها باقة زهور صغيرة، فأضاء وجه روزالين.
“إنها رائعة حقًّا. شكرًا!”
نظرت ليليث إلى حوارهما بوجهٍ لا يخفي استياءها.
شعر كايل بنظرتها الباردة، فنظر إليها متأخرًا.
“ماذا بكِ؟ تبدين في مزاجٍ سيء اليوم.”
شعرت ليليث بغيظٍ أكبر لأنه يعرف السبب ويتظاهر بالمزاح.
تدخلت روزالين بينهما، “يبدو أن أختي لا تريدني هنا. هي تطلب مني الدخول منذ فترة.”
“ذلك لأنكِ لستِ بصحة جيدة. لم يمر وقت طويل منذ سقوطكِ مريضة.”
“كان ذلك مجرد صدمةٍ مؤقتة. أعني…”
ترددت روزالين وقالت: “لقد فوجئت برؤية فرقة التحقيق لأول مرة. هذا كل شيء.”
مهما قالت، بدا أن روزالين لن تغادر.
ولم تستطع ليليث أن تغضب من أختها، فاكتفت بكتم انزعاجها.
لاحظ كايل التوتر بينهما، فاقترب من ليليث مبتسمًا.
“ما الأمر؟ من الجيد أن نكون معًا. لم نجتمع هكذا منذ زمن.”
ثم همس لها بصوتٍ منخفض: “وجود روزالين أفضل. ستساعدنا على استحضار قصص الماضي من زينون بسهولة.”
أرادت ليليث الاعتراض، فهي لم ترغب باستخدام روزالين في هذا الأمر.
لكنها، بعقلانية، أدركت أن لا أحد يمكنه التأثير على زينون واستحضار الماضي مثلها.
لاحظ كايل ترددها، فأضاف: “لن يحدث شيء لروزالين. أعدكِ بحمايتها.”
لم تكن واثقة من وعده، لكنها أومأت على مضض.
هكذا، اجتمع ثلاثتهم في غرفة الاستقبال.
سألت روزالين بحماس: “كيف كنتَ خلال هذه الفترة؟ سمعتُ أنكَ كنتَ في الخارج.”
“حدثت أمورٌ مذهلة. هل تريدين سماعها؟”
بدأ كايل يروي مغامراته بحماس.
بصراحة، بدت قصصه لليليث مبالغًا فيها وخيالية، لكن بالنسبة لروزالين، التي لا تعرف العالم خارج قصر الدوق، كانت مدهشة.
عندما تحدث كايل عن “حصانٍ مجنح”، فتحت روزالين فمها متفاجئة.
“أريد رؤيته! أنا عالقة في المنزل دائمًا… لم أرَ مثل هذه الأشياء إلا في الكتب.”
كانت روزالين تتوق إلى العالم الخارجي، فقد عاشت محصورة في المنزل منذ صغرها.
قال كايل: “اذهبي مع ليليث يومًا ما. ستختبرين الكثير من المغامرات.”
بفضل كايل، أصبحت الأجواء أكثر انسجامًا.
حتى روزالين، التي كانت تشعر بالغرابة تجاه كايل في البداية، أصبحت مرتاحة وتحدثت معه بسعادة.
بعد مرور بعض الوقت، دخل الخادم و نادى ليليث.
أدركت ليليث ما سيقوله قبل أن ينطق.
تغيرت نظرات الثلاثة في الغرفة.
أحدهم بالترقب والفرح، وآخرٌ بالفضول والتوتر، وثالثٌ بالبرود.
دخل الرجل ذو الوجه الهادئ الخالي من التعابير إلى غرفة الاستقبال.
تبادل كلٌّ ليليث وكايل نظرةً سريعة.
ثم فتحت ليليث شفتيها ببطء وقالت: “مرحبًا، زينون.”
وهكذا، اجتمع الأربعة أخيرًا في مكانٍ واحد.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 43"