التفتت ليليث برأسِها تلقائيًا نحوَ مصدرِ الصوتِ.
في نهايةِ الرواقِ، كانت هناك امرأةٌ تحدقُ بها.
عبست ليليث تلقائيًا و عقدت حاجبيها.
كانت واحدةً من بناتِ الإمبراطورِ العديداتِ، وترددت شائعاتٌ أنَّ الإمبراطورَ فكرَ في خطبتِها لزينون.
…بالطبعِ، لو كانَ هذا فقط، لما احتاجت ليليث إلى العبوسِ.
شعرت ليليث بموجةِ ضيقٍ تغمرُها بمجردِ رؤيةِ وجهِ الأميرةِ.
منذُ أيامِ الأكاديميةِ، كانت إيلين تكرهُ ليليث من طرفٍ واحدٍ.
لم تعرف السببَ. فقط شعرت بغموضٍ أنَّ الأميرةَ تحترقُ بنوعٍ من التنافسِ.
اتسعت عينا إيلين، وكأنَّها صُدمت برؤيةِ ليليث، ثمَّ ما لبثت أن تجهمَ وجهُها بعنفٍ.
ثمَّ تقدمت نحوَ ليليث بخطواتٍ واسعةٍ.
وقفت ليليث دونَ حراكٍ، تنتظرُ اقترابَها حتى توقفت إيلين أخيرًا أمامها.
“…ما هذا؟ لِمَ أنتِ هنا؟”
كانَ صوتُها باردًا. لم تحاول إخفاءَ عدائِها، بل أظهرتهُ صراحةً.
“لقد دعاني جلالتُهُ، وقد عدتُ للتوِّ من لقائِهِ.”
كانت نبرتُها خاليةً من العاطفةِ قدرَ الإمكانِ.
لم تكن مشاعرُها نحوَ الأميرةِ وديةً بالطبعِ،
لكنَّ إثارةَ النزاعِ هنا ستُسببُ متاعبَ أكبرَ بلا شكٍّ، فاختارت خفضَ رأسِها أولًا.
لكن جهودَها لم تُثمر كثيرًا.
“جلالتَهُ؟ ولِمَ طلبكِ أنتِ؟” ارتفعَ صوتُ إيلين.
بدأت أنظارُ الناسِ في الرواقِ تتجهُ نحوَهما.
“أسألُكِ، ما الذي جاءَ بكِ لمقابلةِ جلالتِهِ؟”
عندما لم تجب ليليث، ضغطت إيلين عليها بنبرةٍ عصبيةٍ.
كانَ الأمرُ مزعجًا. مزعجًا للغايةِ.
كانت الأميرةُ من القلائلِ الذينَ لا تستطيعُ ليليث التغلبَ عليهم بسهولةٍ بمكانتِها.
أو بالأحرى، لم يكن مستحيلًا لو أرادت، لكنَّ التوقيتَ لم يكن مناسبًا.
معَ الأنظارِ المسلطةِ بسببِ قضيةِ كاليكس، لم ترغب في ارتكابِ حماقةٍ بإثارةِ مشكلةٍ غيرِ ضروريةٍ.
لذا، اختارت ليليث قولَ الحقيقةِ ببساطةٍ.
“تحدثنا عن الأميرِ الراحلِ كاليكس. بدا أنَّ جلالتَهُ بحاجةٍ إلى من يشاركُهُ ذكرياتِ الفقيدِ…”
لكنَّ ذلكَ كانَ خيارًا خاطئًا تمامًا.
“الأميرُ الراحلُ كاليكس…”
رفعت إيلين يدَها عاليًا وضربت خدَّ ليليث.
صاحت الأميرةُ وهيَ تلهثُ غضبًا، وجهُها يشتعلُ حنقًا.
“كيفَ تجرؤينَ على نطقِ ذلكَ الاسمِ!”
عندها فقط، أدركت ليليث الموقفَ.
كانت إيلين شقيقةَ كاليكس من أمِّهِ و أبيهِ.
سمعت أنَّها، من بينِ الأمراءِ والأميراتِ العديدينَ، كانت تعتمدُ على كاليكس بشكلٍ خاصٍّ.
-“هي ليست طفلةً سيئةً…إنَّها لا تحبُّ أن يُسلبَ منها اهتمامي فقط.”
ذاتَ مرةٍ، عندما رأى كاليكس إيلين تتعمدُ مضايقةَ ليليث، شرحَ الأمرَ.
بحسبِهِ، نشأت إيلين مدللةً، تميلُ إلى التصرفِ بعشوائيةٍ، لكنَّها ليست سيئةً في جوهرِها.
بالطبعِ، سخرت ليليث منه وقتها.
-“إن لم تكن هي سيئةً بالنسبةِ لكَ، فلن تجدَ أحدًا سيئًا في العالم.”
ضحكَ كاليكس وقتها بمرحٍ على سخريتِها.
كانت هذه مجرّد ذكرى لم تعُد تعني شيئًا الآن…
“أليسَ عندَكِ ضميرٌ؟ ألا تشعرينَ بالذنبِ؟”
أفاقت ليليث من أفكارِها على صوتِ توبيخِ إيلين.
“كيفَ يُعقلُ أن تذكري أخي أمامَ جلالتِهِ إن كنتِ إنسانةً؟”
عندَ هذا الحدِّ، شعرت ليليث بالذهولِ.
“لا أعرفُ لمَ لا يحقُّ لي ذلكَ.”
لم تكن ترغبُ في تلكَ المقابلةِ أصلًا.
لكن أن تُهانَ من طرفٍ واحدٍ و من طرفِ إيلين جعلَها تشعرُ بانزعاجٍ شديدٍ.
“لم أزر جلالتَهُ من تلقاءِ نفسي، بل هو من دعاني. إن كانَ لديكِ شكوى، تحدثي إلى جلالتِهِ مباشرةً.”
أطلقت إيلين ضحكةً ساخرةً وكأنَّها لا تصدقُ بسبب جرأةِ ليليث.
لم ترَ ليليث قيمةً في مواصلةِ هذا الحوارِ العقيم.
تجاهلت إيلين الغاضبةَ، وقدمت تحيةً خاليةً من الاهتمامِ.
“إن انتهى كلامُكِ، سأغادرُ الآنَ. لا ينبغي لشخصيةٍ ساميةٍ مثلِكِ إضاعةُ وقتِها معَ أمثالي.”
صرخت إيلين، التي فقدت صوابَها أخيرًا، منتهكةً كلَّ آدابِ الأميراتِ بنبرةٍ شرسةٍ.
طارت كلماتُ اللعنِ من الخلفِ، لكن ليليث لم تلتفت ولو مرةً.
خبرتُها الطويلةُ علمتها أنَّ لا جدوى من التعاملِ معها.
لكن، في لحظةٍ، توقفت خطواتُها لا إراديًا عندَ كلمةٍ سمعتها.
على عكسِ ما سبقَ، جاءَ صوتُ إيلين مكتومًا ومشؤومًا.
رفعت ليليث حاجبًا واحدًا للتغيرِ المفاجئِ في الجوِّ.
عندما رأت إيلين توقفَ ليليث، أطلقت ابتسامةً ساخرةً.
“لِمَ توقفتي؟ هل أصبتُ وترًا حساسًا؟”
كانت إيلين تحدقُ بها من بعيدٍ، و عيناها مملوءتانِ بالشرِّ.
قالت إيلين بنبرةٍ حادةٍ، وكأنَّها تمضغُ الكلماتِ بأسنانِها.
لم تستطع ليليث تحملَ المزيدِ.
تقدمت نحوَ إيلين بسرعةٍ، وجهُها متصلبٌ وباردٌ.
وقفت أمامَ إيلين، وفتحت فمَها ببطءٍ.
“…سموَّ الأميرةُ الكريمةُ.”
خفضت عينيها بهدوءٍ لتنظرَ إلى وجهِ الأميرةِ.
كانَ العداءُ لا يزالُ واضحًا، لكن مختلطًا بالارتباكِ والشكِّ اللذينِ لم تستطع إخفاءَهما.
أكدَ هذا التعبيرُ لليليث شيئًا.
كانت الأميرةُ إيلين تدعي أنَّ ليليث قتلت أخاها.
لكن، دونَ دليلٍ أو منطقٍ، كانَ مجردَ عنادٍ.
رفعت ليليث زاويةَ فمِها بسخريةٍ.
“أتمنى أن تكوني على درايةٍ أنَّ قولَ مثلِ هذهِ الكلماتِ يتطلبُ تحملَ المسؤوليةِ.”
ارتجفت إيلين أمامَ ثقةِ ليليث.
اختفت نظرتها السابقةُ، وحلَّ مكانَها ارتباكٌ واضحٌ من ردةِ فعلِ ليليث.
نظرت ليليث إلى الأميرةِ من الأعلى إلى الأسفلِ بنظرةٍ باردةٍ، لا تخفي احتقارَها.
“أنا سأتغاضى عن ذلكَ احترامًا لذكرى صاحب السموِّ المتوفى… لكن ليسَ بالضرورةِ أن يكونَ الآخرونَ متساهلينَ مثلي.”
“لذا، من الأفضلِ أن تحترسي في كلامِكِ مستقبلًا. الكلماتُ التي لا تستطيعينَ تحملَ تبعاتِها لا ينبغي أن تُقالَ عبثًا.”
احمرَّ وجهُ إيلين غضبًا من توبيخِ ليليث.
شدت على أسنانِها بقوةٍ، يبدو أنَّ الغيظَ يعصفُ بها.
لكن، بما أنَّها هيَ من اتهمت ابنةَ دوقٍ بأنَّها قاتلةٌ دونَ دليلٍ في مكانٍ عامٍّ، كانَ وقاحةً منها، فلم تستطع الردَّ.
‘يا لها من مثيرةٍ للشفقةِ.’
سخرت ليليث في داخلِها. كانت تكرهُ ‘الأطفالَ’ الذينَ يندفعونَ دونَ تفكيرٍ مثلَها.
لكن، بدلًا من إظهارِ مشاعرِها، ابتسمت بلطفٍ.
“إذًا، سأغادرُ الآنَ. كانَ الحديثُ معكِ ممتعًا.”
أنهت ليليث كلامَها واستدارت. لم ترغب في إضاعةِ المزيدِ من الوقتِ هنا.
لكن فجأةً، أمسكت إيلين كتفَ ليليث بعنفٍ.
كبحت ليليث غضبَها المتصاعدَ، واستدارت مرةً أخرى.
كانت إيلين، بوجهٍ مشتعلٍ، تُطبقُ على أسنانِها وترفعُ يدَها.
نظرت ليليث بعينينِ خاليتينِ إلى يدِ إيلين التي ستصفعُ خدَّها قريبًا.
كانَ بإمكانِها تفاديها، لكنَّها لم تفعل. لم ترغب في إطالةِ الجدالِ.
و في تلكَ اللحظةِ بالذاتِ-
ظهرَ شخصٌ ما وأمسكَ بيدِ إيلين المرفوعةِ.
اتجهت أنظارُ الجميعِ إلى مصدرِ الصوتِ المفاجئِ.
فتحت إيلين فمَها، وجهُها ممتلئٌ بالحيرةِ.
كانَ الرجلُ هو زينون ماير.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 34"