“لا تتوتري كثيرًا. دعوتُكِ فقط لأنِّي بحاجةٍ إلى شخصٍ أتبادلُ معهُ الحديثَ بارتياحٍ.”
تحدثَ الإمبراطورُ دونَ أن تتلاشى ابتسامتُهُ.
لكن، بدا على وجهِهِ شيءٌ من المرارةِ.
“حسنًا. أيتها الدوقةُ الصغيرة، كيفَ كنتِ خلالَ هذهِ الفترةِ؟”
ترددت ليليث لحظةً، تفكرُ فيما ينبغي قولُهُ.
مقارنةً بخطورةِ الوضعِ، كانت حالتُها لا بأسَ بها فقد استعدت لهذا منذُ زمنٍ; لكن ذلكَ لم يكن على الأرجحِ الجوابَ الذي يتوقعُهُ الإمبراطورُ.
بعدَ تفكيرٍ قصير، أجابت: “……كانت أيامًا مربكةً. لم يكن قلبي مرتاحًا تمامًا.”
“بالطبعِ، هذا متوقعٌ.”
أومأَ الإمبراطورُ بينما يجاهدُ ليرفعَ زاويتي فمِهِ في ابتسامةٍ.
“كلُّنا شعرنا بذلكَ. لستِ وحدَكِ، بل أنا أيضًا، وغيري من الناسِ.”
أنزلت ليليث عيونَها بهدوءٍ.
“لكن، ربما لهذا السببِ، لم يجرؤ أحدٌ على ذكرِهِ أمامي. حسنًا، هذا طبيعيٌّ إن فكرتِ في الأمرِ.”
كانَ نبرةُ الإمبراطورِ هادئةً. رفعَ كتفيه وواصلَ.
“إنَّ مراعاةَ مشاعري أمرٌ جيدٌ… لكن أحيانًا، قد تكونُ الرعايةُ المفرطةُ جارحةً. لهذا دعوتُكِ. لأنَّكِ، على الأقلِّ، لن تتجنبي الحديثَ عنهُ أمامي.”
كانَ كلامُهُ مفهومًا. في القصرِ الإمبراطوريِّ، بسببِ الاعتباراتِ السياسيةِ، قلَّ من يستطيعُ مناقشةَ موتِ كاليكس بحريةٍ.
في عيني الإمبراطورِ، بدت ليليث مُحاورةً مناسبةً.
كانت صريحةً بطبعِها و تربطُها صلةٌ وثيقةٌ بالفقيدِ، والأهمُّ أنَّها لم تعُد مرتبطةً بهِ.
لقد انتهت خطوبتُهما نهائيًا.
لكن، خلافًا لتوقعاتِ الإمبراطورِ، لم تستطع ليليث الحديثَ بسهولةٍ.
أغلقت فمَها بإحكامٍ، غارقةً في التفكيرِ، كأنَّها لا ترغبُ في هذا الموضوعِ.
و لاحظَ الإمبراطورُ ذلكَ متأخرًا.
“هل أثقلتُ عليكِ؟ إن كانَ الأمرُ كذلكَ، لا داعي للمجازفةِ. لا بدَّ أنَّكِ بحاجةٍ إلى وقتٍ لترتيبِ مشاعرِكِ، وكنتُ متسرعًا.”
“لا، ليسَ كذلكَ.”
أجابت ليليث على عجلٍ.
“لم أقصد هذا. لكن…”
بعدَ انتهاءِ تفكيرِها، بصقت كلامَها كتنهيدةٍ.
“……يبدو أنَّ قلبي لم يستقرَّ بعدُ تمامًا. أرجو أن تتفهمَ ترددي.”
“أنا أفهمُ بالطبعِ و كيفَ تريديني ألّا أفهم؟ أنا نفسي مصدومٌ، فكيفَ لا تكونينَ كذلكَ.”
ربتَ الإمبراطورُ على كتفِها برفقٍ مواسيًا لها.
أنزلت ليليث رأسَها و حينها سادَ صمتٌ قصيرٌ.
كانَ الجوُّ ثقيلًا كما كانَ، لكن هذهِ المرةَ،
شعرَ الإمبراطورُ أنَّ تفاهمًا وتعاطفًا يجريانِ بينَهما.
“جلالتُكَ.”
استجابَ الإمبراطورُ لندائِها.
“تكلمي.”
“أولًا، أشكرُك دائمًا على رحمتِك العظيمةِ. بفضلِ عنايتِك، بقيت عائلتُنا سالمةً.”
ضحكَ الإمبراطورُ بصوتٍ عالٍ.
“أن أسمعَ مثلَ هذا الكلامِ منكِ؟ حقًا، العمرُ الطويلُ يُظهرُ العجائبَ.”
كما قالَ، لم تكن ليليث ممن يمتدحونَ الإمبراطورَ دونَ داعٍ. هذهِ الصراحةُ هي ما جعلتهُ يُعجبُ بها أحيانًا.
لكن، واصلت ليليث بجديةٍ.
“لا، هذهِ المرةُ لم تكن لتمرَّ بسهولةٍ لولا عنايتُك.”
كانَ ذلكَ بديهيًا. فما حدثَ هو موتُ أميرٍ، و قد تمّ إيجادهُ في إقليمِها!
حتى معَ وجودِ عذرِ غيابِها المؤكدِ، لم يكن ممكنًا أن تمرَّ الأمورُ بهدوءٍ دونَ تدخلِ الإمبراطورِ.
ابتسمَ الإمبراطورُ بلطفٍ.
“كيفَ لا أهتمُّ؟ كنتُ سأرى معاناتَكِ ولا أستطيعُ تجاهلَ ذلكَ.”
كانَ في كلامِهِ ثقةٌ وحنوٌّ تجاهَ ليليث، أو بالأحرى يقينٌ بأنَّها لم تكن لتؤذي كاليكس أبدًا.
لكن، لم يكن ذلكَ إيمانًا بطيبتِها.
كانت ليليث تعلمُ. الإمبراطورُ يثقُ بها، لكن ليسَ لأنَّها لا تؤذي الآخرينَ، بل لأنَّها لا تؤذي أحدًا ’دونَ سببٍ‘.
لم يكن لموتِ كاليكس أيُّ مكسبٍ لليليث.
بل على العكسِ، خسارتهُ كانت ضررًا لها. لهذا السببِ، حرصَ الإمبراطورُ على حمايةِ ليليث وعائلتِها من المتاعبِ رغمَ اكتشافِ جثةِ ابنِهِ في إقليمِ بلين.
“لم أفعل سوى الواجبِ، فلا تشكريني كثيرًا.”
أنهى الإمبراطورُ كلامَهُ بابتسامةٍ خفيفةٍ.
نظرت ليليث إلى وجهِهِ، وفجأةً، شعرت أنَّ الكلامَ توقفَ في حلقِها.
“……شكرًا.”
أطبقت على قبضتِها بقوةٍ.
لكن، لم يكن بإمكانِها التوقفُ هنا. جوهرُ حديثِها كانَ سيأتي الآنَ.
أخيرًا، جمعت شجاعتَها وتحدثت.
“هل يمكنُني طلبُ أمرٍ آخرَ؟”
مالت رأسُ الإمبراطورِ بدهشةٍ.
“طلبٌ؟”
“نعم.”
أطرقت ليليث بنظرِها، عاجزةً عن مواجهةِ عينيهِ.
“إنه يتعلقُ بأختي.”
“هوه…”
غرقَ الإمبراطورُ في التفكيرِ بينما يمسحُ لحيتَهُ.
“أتقصدينَ روزالين بلين؟”
“نعم، هي.”
ابتلعت ليليث ريقَها. بردت أطرافُ أصابعِها من التوترِ، لكنَّها حاولت تجاهلَ ذلكَ واختارت كلماتِها بعنايةٍ.
“في الحقيقةِ، كانت روزالين طريحةَ الفراشِ آنذاكَ. حتى الآنَ، لا تزالُ صحتُها ضعيفةً. إن خضعت لتحقيقٍ مكثفٍ، قد تتدهورُ حالتُها. لذا…”
“تريدينَ إعفاءَها من التحقيقِ؟”
خمَّنَ الإمبراطورُ بسهولةٍ ما تبقى من كلامِها. أومأت ليليث.
“نعم، هذا صحيحٌ.”
غرقَ الإمبراطورُ في التفكيرِ.
“همم…”
بينما انتظرت ليليث ردَّهُ، شعرت وكأنَّ فمَها يجفُّ تمامًا.
لكن سرعانَ ما أظهرَ الإمبراطورُ وجهًا ودودًا.
“حسنًا. سيكونُ ذلكَ قاسيًا على مريضةٍ. سأطلبُ من فرقةِ التحقيقِ مراعاةَ هذا الأمرِ.”
ارتخت أعصابُ ليليث أخيرًا.
“شكرًا جزيلًا.”
لوَّحَ الإمبراطورُ بيدِهِ نحوَها وهي تُكررُ انحناءَها.
“لا، لا. لا داعي لذلكَ. إنَّهُ أمرٌ بديهيٌّ. إنَّها أختُكِ الصغرى، أليسَ كذلكَ؟”
ضحكَ الإمبراطورُ بصوتٍ عالٍ.
“رؤيةُ ارتباطِ الأختينِ هكذا يسعدني.”
بفضلِ موقفِهِ الودودِ، شعرت ليليث بالارتياحِ.
“شكرًا على نظرتِك الطيبةِ للأمرِ.”
كررت ليليث شكرَها مرةً أخرى، هذهِ المرةَ بحرارةٍ لم تُظهرها من قبلُ.
***
في وقتٍ متأخرٍ من الظهيرةِ، خرجت ليليث من اللقاءِ.
هوه…
بعدَ أن أصبحت بعيدةً عن أنظارِ الإمبراطورِ، خرجت تنهيدةٌ خفيفةٌ منها.
كانت مهمتُها الرئيسيةُ الإصغاءُ إلى ذكرياتِ الإمبراطورِ عن ابنِهِ. تحدثَ الإمبراطورُ طويلًا عن ابنِهِ الراحلِ، طان يضحكُ تارةً ويذرفُ الدموعَ تارةً أخرى.
كانت معظمُ القصصِ مألوفةً، لكن ليليث تفاعلت معهُ بإخلاصٍ، لأنَّ ذلكَ كانَ أفضلَ ما تستطيعُ تقديمَهُ.
بالمناسبةِ…
بينما تجاوزت نصفَ الرواقِ، تذكرت ليليث شيئًا فجأةً.
’أعتقدُ أنِّي سمعتُ أنَّ زينون كانَ سيأتي إلى القصرِ لأمرٍ ما.‘
إذا لم تخنها الذاكرةُ، كانت دعوةً من الأميرةِ إيلين.
سألَها زينون إن كانَ يمكنُهُ قبولُ الدعوةِ، ولم تفهم ليليث أصلًا لماذا يطلبُ إذنَها.
’هل انتهى لقائه معها؟‘
لم تعرف مكانَ أو زمانَ اللقاءِ بالضبطِ.
بما أنَّ لديها ما تريدُ قولَهُ لهُ، لم يكن سيئًا لو التقيا.
بدأت ليليث تبحثُ عن خادمٍ قريبٍ لتسألَ عنهُ.
في تلكَ اللحظةِ بالذاتِ.
“……ليليث بلين؟”
جاءَ صوتٌ حادٌّ يقطعُ الهواءَ.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 33"