أجابت ليليث ببطءٍ على سؤالِ كارل.
“لا أعرفُ…”
لم يحضر زينون الجنازةَ لأسبابٍ مشابهةٍ لليليث.
كانَ ذلكَ بطلبٍ منَ الجانبِ الإمبراطوريِّ.
على الأقلِّ، سُمحَ لليليث بالحضورِ نظرًا لصداقتها القديمةِ معَ كاليكس في طفولتها، لكن زينون، الذي لم يكن لهُ ارتباطٌ تقريبًا بكاليكس، قُررَ ألا يحضرَ على الإطلاقِ.
“كنتُ قد أعددتُ هديةَ خطوبةٍ بالمناسبةِ.
لكن معَ ما حدثَ، لم أستطع إعطاءها. أسفٌ يا صديقتي.”
ضحكت ليليث بخفةٍ على جهدهِ لتحسينِ الجوِّ رغمًا عنهُ.
“شكرًا.”
“و ايضًا، ما هذه البرودةُ على أيِّ حالٍ! أليس من المفترضِ أن تكون العروسُ الجديدةُ سعيدة..!”
هزَّ كارل كتفيهِ مازحًا.
ابتسمت ليليث بلطفٍ.
شعرت وكأنها عادت إلى أيامِ الأكاديميةِ.
ليليث، كارل، وكاليكس.
تلكَ اللحظاتِ التي كانوا فيها دائمًا معًا…
لكن الزمنَ الذي مضى لا يعودُ،
ومصائرهم سارت في طرقٍ مختلفةٍ منذُ زمنٍ.
أغلقت ليليث عينيها مجددًا.
حاولت استحضارَ صديقها القديمِ وخطيبها السابقِ.
لكن للأسفِ، لم تستطع إكمالَ صورةِ وجههِ أبدًا.
* * *
بعدَ انتهاءِ الجنازةِ، عادت ليليث منَ المعبدِ الكبيرِ.
لكنها، دونَ أن تخلعَ ثيابَ الحدادِ، أمرت الخادمَ فورًا.
“جهز عربةً. اختر واحدةً لا تلفتُ الأنظارَ قدرَ الإمكانِ.”
أحني الخادمُ رأسهُ بأدبٍ.
وبعدَ وقتٍ قصيرٍ، انطلقتِ العربةُ التي تقلُّ ليليث إلى مكانٍ ما.
بعدَ حوالي ساعةٍ منَ السفرِ، وصلتِ العربةُ إلى معبدٍ صغيرٍ في ضواحي المدينةِ.
على الرغمِ من صغرِ حجمهِ، كانَ المعبدُ يتمتعُ بأجواءٍ كلاسيكيةٍ وأنيقةٍ تجذبُ الكثيرينَ بفضلِ تاريخهِ.
في الأيامِ العاديةِ، كانَ يمرُّ منهُ عددٌ لا بأسَ بهِ منَ المصلينَ،
لكن اليومَ لم يكن هناكَ أحدٌ.
لأنَّ ليليث استأجرت المكانَ بأكملهِ لأجلِ الخطوبةِ.
عندما نزلت منَ العربةِ،
هرعَ كاهنٌ إليها بعدَ أن لاحظَ وصولها.
لكن ليليث أشارت لهُ بالابتعادِ،
واتجهت مباشرةً إلى المبنى الرئيسيِّ.
بابٌ فخمٌ ومقدسٌ.
وقفت ليليث أمامهُ، ثمَّ فتحتهُ بقوةٍ.
كانَ الداخلُ خاليًا. لكن عندَ النظرِ عن كثبٍ،
يمكنُ بسهولةٍ ملاحظةُ شخصٍ جالسٍ في المقعدِ الأماميِّ.
حدقت ليليث في ظهرهِ بهدوءٍ.
ثمَّ مشت في الممرِّ الأوسطِ بخطواتٍ واثقةٍ دونَ ترددٍ.
و أخيرًا، وقفت أمامهُ.
“زينون.”
رفعَ الرجلُ رأسهُ ببطءٍ عندَ ندائها.
كانَ زينون ماير بالذاتِ.
نظرَ إليها بعيونٍ عميقةٍ ومظلمةٍ كالهاويةِ.
كانَ وجههُ خاليًا منَ التعبيرِ كالمعتادِ،
لكنهُ بدا أكثرَ قتامةً لسببٍ ما.
نظرت إليه ليليث بسخريةٍ.
“أنا من حضرَ الجنازةَ، لكنكَ تبدو أكثرَ كآبةً منِّي.”
لم يجب زينون بشيءٍ.
لم تتوقع ليليث ردًا على أيِّ حالٍ،
فواصلت كلامها بسهولةٍ.
“ماذا كنتَ تفعلُ هنا؟”
في معبد خالٍ منَ الناسِ.
ما الذي كانَ يصلي لهُ هذا الرجلُ؟
عندَ هذا السؤالِ، فتحَ زينون فمهُ أخيرًا، “أنا…”
ترددَ صوتهُ المنخفضُ في المعبدِ الهادئِ.
“كنتُ أصلي لراحةِ روحهِ.”
رفعت ليليث حاجبها.
“أنتَ؟ لهُ؟”
كانَ هناكَ شيءٌ أثارَ استياءها بوضوحٍ،
فنبرتها أصبحت حادةً.
لكنها لم تظهر أكثرَ من ذلكَ.
بعدَ أن حدقت في زينون للحظةٍ، تنهدت.
“يا لكَ من مخادعٍ.”
لم تخفِ ليليث امتعاضها. فأبعد زينون نظره عنها بهدوءٍ.
عمَّ صمتٌ في داخلِ المعبدِ.
‘هذا الرجلُ، لا أعرفُ ما الذي يفكرُ فيهِ أبدًا.’
ابتلعت ليليث هذا الكلامَ وهي تنظرُ إلى وجهِ زينون.
حتى في هذا الموقفِ،
بدا وكأنهُ ليسَ لديهِ أسئلةٌ أو كلامٌ يريدُ قولهُ لها.
‘هل حقًا لا شيءَ يثيرُ فضولهُ؟
لا يمكنُ أن يكونَ إنسانًا ولا يهتمُّ.’
“زينون.”
“نعم.”
أجابَ زينون فورًا عندَ ندائها.
حدقت ليليث فيهِ للحظةٍ،”ألا تشعرُ بشيءٍ؟”
“عمَّ تتحدثينَ؟”
“عن كلِّ هذهِ الأمورِ.”
“… أعتقدُ فقط أنها أمورٌ يجبُ أن أتحملها.”
كانَ ردًا يحملُ معانيَ كثيرةً،
فلم تسأل ليليث أكثرَ و غرقت في أفكارها وحدها.
سمعت منَ الكاهنِ أنَّ زينون كانَ هنا منذُ الصباحِ.
بحسابِ الوقتِ، فقد مر أكثرَ من سبعِ ساعاتٍ.
‘ما الذي كانَ يفكرُ فيهِ خلالَ هذا الوقتِ؟
كانَ الوقتُ طويلًا جدًا لمجردِ الصلاةِ.’
لم تستطع ليليث حتى تخمينَ ما في داخلهِ.
كانت ليليث تعرفُ أنَّ زينون لا يمكنُ أن يخونها أبدًا،
لكن عدمَ قدرتها على قراءةِ أفكارهِ كانَ مزعجًا.
كاليكس. زينون.
تشابكت الأفكارُ عن الرجلينِ في عقلها كخيوطٍ متشابكةٍ معقدةٍ.
‘ما هوَ الخيارُ الصحيحُ؟
هل أتخذُ القرارَ الصائبَ؟ ماذا يجبُ أن أفعلَ…؟’
و في تلكَ اللحظةِ…
“لدي شيءٌ أريدُ إعطاءهُ لكِ.”
أفاقت ليليث من أفكارها عندَ كلامِ زينون المفاجئِ.
“لي؟”
“نعم.”
أنزل زينون عينيه وانتظرَ ردَّها بهدوءٍ.
كانَ موقفهُ يظهرُ أنهُ سيتبعُ قرارها مهما كانَ.
شعرت ليليث بغرابةٍ عندَ رؤيتهِ.
كانَ هذا الرجلُ أمامها قادرًا على قتلها في لحظةٍ بأيِّ طريقةٍ.
كانَ يمتلكُ القوةَ، ويعرفُ أنَّ نقطةَ ضعفها هيَ روزالين.
لكنهُ اختارَ دائمًا أن يكونَ تحتَ سيطرتها.
“… ما هي؟”
عندَ إذنِ ليليث، أخرجَ زينون شيئًا من جيبهِ.
عرفت ليليث ماهيتهُ فورًا.
كانَ خاتمًا.
‘آه.’
أدركت ليليث حينها أنها لا تزالُ ترتدي خاتمَ خطوبتها معَ كاليكس.
“يدكِ.”
حدقت ليليث في زينون بهدوءٍ،
ثمَّ رفعت يدها اليسرى ومدَّتها إليهِ.
أمسكَ زينون يدها بحذرٍ.
كانَ الخاتمُ المرصعُ بجوهرةٍ فاخرةٍ لا يزالُ يزينُّ إصبعها الأبيضَ النحيلَ.
نظرَ زينون إلى الخاتمِ للحظةٍ.
“… أنا.”
“لا أستطيعُ إعطاءكِ خاتمًا فاخرًا كهذا.”
‘هل فعلَ كلَّ هذا ليتحدثَ عن خاتمٍ؟’
مهما حصلَ زينون على مكافآتٍ كقاتلِ تنين،
لن يصلَ إلى ثروةِ العائلةِ الإمبراطوريةِ.
لم تتوقع ليليث ذلكَ أصلًا.
“لكنني أستطيعُ إعطاءكِ ما تحتاجينَ إليهِ أكثرَ.”
أزالَ زينون خاتمَ كاليكس ببطءٍ.
شعرت ليليث بحريةٍ هائلةٍ لحظةَ إزالةِ الخاتمِ.
‘ربما لأنني ارتديتهُ طويلًا؟’
ثمَّ وضعَ زينون خاتمهُ في إصبعها الفارغِ الرابعِ.
“ما أحتاجُ إليهِ أكثرَ؟”
“نعم.”
نظرت ليليث إلى وجهِ زينون. كانَ وجههُ صلبًا كقسمِ فارسٍ.
شعرَ زينون بنظرتها، فرفعَ رأسهُ.
تقاطعت أنظارهما في الهواءِ.
رفعَ زينون يدها وقبّلَ ظهرَ يدها بلطفٍ.
“ليليث.”
كانَ صوتهُ منخفضًا وعميقًا.
“أقسمُ هنا أن أهبَ كلَّ شيءٍ لكِ.”
كانت عينا زينون، وهوَ يقولُ هذا، تحملانِ حرارةً مشتعلةً.
“لذا أرجوكِ، عديني أنتِ أيضًا.”
“… بماذا؟”
“أن تتذكريني إلى الأبدِ.”
حدقت ليليث فيهِ دونَ كلامٍ، كأنها تزنُ صدقهُ.
كانت عيناهُ الرماديتانِ تعكسانِ ليليث وحدها.
‘إلى الأبدِ.’
شعرت أنَّ هذهِ الكلمةَ البسيطةَ التي تُقالُ كثيرًا تحملُ ثقلًا هائلًا لسببٍ ما.
“… حسنًا. سأفعلُ.”
عندَ موافقتها أخيرًا، أمسكَ زينون يدها بقوةٍ.
أغمضَ عينيهِ،
ثمَّ فتحهما وقبلَ ظهرَ يدها مجددًا.
كانَ قسمًا ثقيلًا.
التعليقات لهذا الفصل " 29"