رأت ليليث حلمًا بعدَ فترةٍ طويلةٍ.
‘المطرُ يهطلُ…’
في هذا الحلمِ أيضًا،
كانَ الشخصُ المرافقُ لها هو كاليكس.
‘يبدو أنها ذكرياتُ الماضي.’
استمتعت ليليث بالحلمِ بهدوءٍ.
كانَ المكانُ حديقةً داخلَ قصرٍ في إقليمِ دوقية بلين.
كانا يتمشيانِ معًا في حديقةٍ مليئةٍ بالورودِ المتفتحةِ، ثمَّ دخلا إلى كوخٍ صغيرٍ للاحتماءِ من مطرٍ غزيرٍ هطلَ فجأةً.
“أن يهطلَ هكذا فجأةً، يا للطقسِ المتقلبِ،
أليسَ كذلكَ؟”
قالَ كاليكس ذلكَ وابتسمَ بمرحٍ.
لم يكن في تلكَ الابتسامةِ المشاغبةِ أيُّ أثرٍ للقلقِ أو الحزنِ.
“لننتظر هنا حتى يتوقفَ المطرُ.”
نظرت ليليث إلى السماءِ.
على أيِّ حالٍ، كانَ المطرُ في هذهِ الفترةِ يهطلُ بقوةٍ ثمَّ يتوقفُ سريعًا، لذا قررت ألا تُجهدَ نفسها عبثًا.
“حسنًا، إذًا لنستمتعْ بالمنظرِ…”
قالَ كاليكس ذلكَ ووقفَ إلى جانبِ ليليث متشابكًا ذراعيهِ معها.
ظلا ينظرانِ إلى الحديقةِ دونَ كلامٍ لبعضِ الوقتِ.
كانت حديقةُ الورودِ تحتَ المطرِ مشهدًا
يحملُ سحرًا خاصًا.
على الرغمِ منْ أنها حديقةٌ رأتها حتى المللِ،
إلا أنها بدت جديدةً ومنعشةً تحتَ المطرِ.
في تلكَ اللحظةِ،
لاحظت ليليث شيئًا في طرفِ الحديقةِ.
عندما ركزت النظرَ، أدركت أنهُ شخصٌ.
كانَ يتحركُ بسرعةٍ ليحتميَ من المطرِ،
ويبدو أنهُ ضحيةُ المطرِ الغزيرِ، ولم يكن يحملُ مظلةً.
“آه.”
فتحَ كاليكس فمهُ، فقدْ لاحظَ الشخصَ أيضًا.
“أليسَ ذلكَ… ذلكَ العبدَ؟”
أدركت ليليث حينها من هو.
زينون.
كانَ ذلكَ العبدَ الذي جلبته روزالين.
الآنَ، كانَ يرتدي زيَّ الخدمِ بعدَ أن ارتفعت
مكانتهُ نوعًا ما، لكنهُ في الأصلِ عبدٌ.
لولا إصرارُ روزالين،
لما سُمحَ لهُ بدخولِ هذا المنزلِ أصلًا.
شعرَ زينون بنظراتهما،
فرفعَ رأسهُ فجأةً وهو يمشي بسرعةٍ.
عندما تقاطعت عيناهُ معَ ليليث، ارتجفَ بشدةٍ.
التقت نظراتُ الاثنينِ.
توقفَ زينون في مكانهِ مذهولًا.
لم يستطع رفعَ عينيهِ عن ليليث،
وظلَّ ينظرُ إليها.
ردت ليليث النظرَ إليهِ أيضًا.
و في تلكَ اللحظةِ بالذاتِ…
“ليليث.”
“نعم؟”
أدارت ليليث نظرها بعيدًا عن زينون عندما ناداها كاليكس فجأةً.
“لماذا ناديتني؟”
لم يجب كاليكس.
فقط ابتسمَ ابتسامةً غامضةً ونظرَ إلى ليليث.
ثمَّ.
انحنى وقبلَ ليليث على فمها.
اتسعت عينا ليليث منْ المفاجأةِ بسببِ القبلةِ المفاجئةِ.
حدثَ هذا منْ قبلُ مراتٍ قليلةٍ، لكنْ علاقتهما لم تكن مليئةً بالحبِّ لتكونَ هذهِ الأمورُ شائعةً.
معَ ذلكَ، لم تدفعهُ بعيدًا لأنها تعلمُ جيدًا أنهُ خطيبها.
تراجعت ليليث قليلًا معَ تعمقِ القبلةِ.
لكنْ كاليكس أمسكَ خصرها،
فلم تستطعْ الابتعادَ أكثرَ.
في النهايةِ، اضطرت ليليث لتقبلِهِ وهيَ في أحضانهِ.
أدارت عينيها جانبًا بخفةٍ.
في مكانٍ قريبٍ، كانَ زينون لا يزالُ واقفًا مذهولًا، يتلقى المطرَ الغزيرَ بقوةٍ.
-شششش. هطلَ المطرُ.
تقاطعت عيونهما مجددًا.
لذا رأت ليليث بوضوحٍ.
عينيهِ المرتجفتينِ…
“… أختي!”
ماذا؟
فتحت ليليث عينيها فجأةً.
كانَ وجهُ روزالين أمامها.
آه…
أدركت ليليث حينها أنها استيقظت من الحلمِ.
“أختي، استيقظي الآنَ! الساعةُ التاسعةُ!”
هزت روزالين جسدَ ليليث وهيَ تصرخُ.
‘لماذا روزالين هنا…؟’
ثمَّ تذكرت ليليث أنَّ روزالين نامت معها في سريرها الليلةَ الماضيةَ.
“ها…”
تنهدت ليليث ونهضت من السريرِ.
“… الساعةُ كم؟”
“التاسعةُ!”
كانت روزالين قدْ بدلتْ ملابسَ النومِ بالفعلِ.
“عادةً تستيقظينَ قبلي،
فلماذا تأخرت اليومَ؟ هلْ رأيتِ حلمًا سيئًا؟”
‘حلمٌ سيئٌ…’
تذكرت ليليث حلمها الأخيرَ وأغمضت عينيها.
لا يمكنُ القولُ إنهُ جيدٌ.لكنها لم ترَ ضرورةً لمشاركتهِ، فهزت رأسها.
“ليسَ كذلكَ. ربما كنتُ متعبةً فقط.”
لحسنِ الحظِّ، لم تسألْ روزالين أكثرَ.
“حسنًا إذًا. انهضي بسرعةٍ. موعدُنا قريبٌ.”
“موعدٌ؟”
ردت ليليث متسائلةً،
فصرخت روزالين بصوتٍ عالٍ.
“زينون سيأتي قريبًا!”
حينها فهمت ليليث سببَ حماسِ روزالين.
‘آه… إنهُ ذلكَ اليومُ.’
مررت يدها على شعرها ونظرت من النافذةِ.
كانتْ السماءُ الزرقاءُ مشمسةً وصافيةً.
كانَ اليومُ هوَ اليومُ الذي سيزورُ فيهِ زينون ماير قصرهما.
و الغرضُ هو مناقشةُ الزواجِ.
على أيِّ حالٍ، سيتولى الخدمُ معظمَ التفاصيلِ،
لذا كلُّ ما عليهما هوَ الاتفاقُ على بعضِ الأمورِ
وتفصيلُ الملابسِ.
تذكرت ليليث تصاميمَ فساتينِ الزفافِ
التي أظهرتها لها روزالين الليلةَ الماضيةَ، وتنهدت.
شعرت بصداعٍ خفيفٍ يبدأُ.
“أختي، انهضي بسرعةٍ. حسنًا؟ لنْ تقابلي الضيفَ بملابسِ النومِ، أليسَ كذلكَ؟ و هو ليسَ أيَّ ضيفٍ،
بل زوجكِ المستقبليُّ!”
بالطبعِ، حتى لو لم يكن زينون،
لم تكن ليليث لتظهرَ بمظهرٍ مهملٍ.
مهما كانَ الأمرُ مزعجًا،
لم يسمح كبرياؤها بأن تفقدَ هيبتها.
“حسنًا. سأنهض.”
نهضت ليليث من السريرِ بمساعدةِ يدِ روزالين.
تلاشى تفكيرها في الحلمِ تدريجيًا
معَ ثرثرةِ روزالينَ المستمرةِ.
* * *
“أختي، يجبُ أنْ ترتدي هذا الفستانَ اليومَ. حسنًا؟”
نظرت ليليث إلى الفستانِ الذي اختارتهُ روزالين وتركتهُ لها بعينينِ مترددتينِ.
كانَ نوعًا مختلفًا تمامًا عما ترتديهِ عادةً.
كانت ليليث تفضلُ الفساتينَ العمليةَ على الفاخرةِ.
بالطبعِ، عندما يتعلقُ الأمرُ بأنظارِ الآخرينَ،
تختارُ ملابسَ فخمةً تليقُ بـ’الدوقةِ القادمةِ’،
لكنها لم ترغب في بذلِ جهدٍ لهذا الضيفِ غيرِ المهمِّ.
‘لكن…’
تنهدت ليليث ورفعتْ الفستانَ الذي اختارتهُ روزالين.
لم تكن مضطرةً لتلبيةِ كلِّ رغباتِ أختها،
لكن إن لم يكن الأمرُ مستحيلًا،
أرادتْ تلبيتها قدرَ الإمكانِ.
ارتدت الملابسَ بمساعدةِ الخادمةِ،
وصففت شعرها، وضعت المكياجَ،
وأضافت الإكسسواراتِ.
في المرآةِ، بدت كمنْ ستحضرُ حفلًا هامًا.
لحسنِ الحظِّ، كانتْ ذوقُ روزالين جيدًا.
لو اختارت لها فستانًا مليئًا بالدانتيلِ الزاهي كما ترتدي هي، لكانت ليليث قد فضلت عضّ لسانها و الموت.
“أنتِ جميلةٌ جدًا اليومَ.”
أُعجِبت الخادمات وهنَّ يصففنَّ شعرَ ليليث.
“آنستنا الصغيرةُ هيَ الأروعُ حقًا.”
“لا داعي للمجاملةِ.”
“مجاملة؟!”
أكدت أحدى الخادمةُ صدقَ كلامها،
لكن ليليث استمعت بأذنٍ وأخرجتهُ منْ الأخرى.
“يكفي هذا. أينَ الضيفُ الآنَ؟”
بعدَ انتهاءِ التحضيراتِ، اتجهت ليليث إلى غرفةِ الاستقبالِ بمساعدةِ خادمة.
حتى في الرواقِ، كانت أصواتُ غرفةِ الاستقبالِ تصلُها.
كانت في الغالبِ ثرثرةُ روزالين وضحكاتها العاليةُ.
“كنتُ أعلمُ أنَّ هذا سيحدثُ منذ البدايةِ زينون!”
لكن لم يُسمع صوتُ زينون.
لم يكنْ ذلكَ مفاجئًا.
كانَ دائمًا رجلًا قليلَ الكلامِ.
أمرت ليليث الخادمةَ بالتراجعِ،
ودخلت غرفةَ الاستقبالِ.
“لذا كنتُ أقولُ إنني… آه، أختي!”
لاحظت روزالين وجودَ ليليث أولًا.
التفتت إليها بسرورٍ ولوحت بيدها بحماسٍ.
تبعَ زينون نظرها إليها و
نظرت ليليث إليهِ بهدوءٍ.
تقاطعت عيونهما، وسادَ الصمتُ للحظةٍ.
“… نلتقي مجددًا، زينون.”
ألقت ليليث التحيةَ أخيرًا بوجهٍ متعجرفٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 24"