⁶⁹
في مساءٍ هادئ، حين غفَت أنجليكا بعمق، عاد الزمن قليلًا إلى الوراء.
هيوغو برنشتاين، بعدما استمع من طبيبها المعالج إلى موجز الوضع، أطلق زفرة ارتياح.
كانت حرارتها مرتفعة، لكن الطبيب طمأنه بأنها ستستعيد عافيتها بعد يوم واحد من الراحة.
كان يتمنى لو تبقى بضع قطرات من الجرعة التي أعدتها، لكن لا شيء تبقى لا في يده ولا في مختبرها.
“في العادة كانت تصنع زجاجتين إضافيتين على الأقل، لكنها ملأت كل ما لديها في زجاجتك، سيدي.”
سمع هيوغو هذا من الخادم الذي يساعدها، فشعر بطعم المرارة في فمه كأن شيئًا قد انحرق بداخله، لم يستطع التفريق بين مرارة الغضب ومرارة القلق.
صرير–
وأخيرًا، دخل هيوغو برنشتاين إلى غرفتها ويداه خاويتان.
كان يشعر بالحرج قليلاً لأنه دخل دون أن تعرفه، فحتى مجرد الزيارة اعتبره خطوة جريئة.
‘على ما يبدو، كل مرة تغفو فيها، تدخل إلى هنا.’
رغم شعوره ببعض الوقاحة، لم يعد بمقدوره التراجع الآن.
“…….”
اقترب بخطوات حذرة أكثر من المعتاد، وكأن الظلام نفسه يحمله على جناحيه.
حرك جسده وكأنه شبح ينسل بين الظلال، ربما لحسن الحظ لم ترَ أنجليكا هذا المشهد المريع.
انحنى بجانب سريرها، مستعدًا لتلطيف جسدها المشتعل بالحرارة.
همهمة…
استعمل يده الباردة لتبريد جبينها الحار، وتقطعت أنفاسه وهو يحاول التكيف، ثم وضع ظهر يده على جبينها بهدوء.
“هاه…”
انطلقت تنهيدة خفيفة من بين أنفاسها المتعبة، وكان ذلك وحده سببًا كافيًا ليظل بجانبها لساعات.
“…….”
هدأت حدته المعتادة شيئًا فشيئًا، وبدأ بفصل خصلات شعرها عن وجهها بلطف، وتدرج لتبريد جبينها ورقبتها بالتتابع.
مرّت بعض الساعات، حتى انطلقت تنهيدة أكثر وضوحًا من شفتيها.
“أوو…!”
لقد صُدم هيوغو، وكان على وشك مناداة الطبيب، لكن فجأة هدأت ملامح أنجليكا ، وكأن الألم لم يكن موجودًا منذ لحظة.
ارتعشت جفونها المغلقة قليلاً، ثم فتحت عينيها ببطء.
“هيوغو…”
هل كانت تراه أخيرًا؟
ارتجف هيوغو من هذا المعنى الجديد، واختبأ بلا وعي في الظلام، كما فعل حين عالج قدميها سابقًا، حتى لا تعرف بوجوده.
“هيوغو…”
لكن مناداتها لم تتوقف، لم تكن تنداءه لأنها رأتَه، بل كما لو أن الاسم نقش في ذهنها منذ اللحظة التي فتحت فيها عينيها.
تلك اللحظة جعلت هيوغو يجد صعوبة بالغة في تجاهلها.
بل، كان من الممكن أن نسميه طمعًا، فكان يدهشه أن تناديه بهذا اللطف بعد كل تلك الفترات.
“……نعم.”
ردّ فمه بلا تفكير، لكن سرعان ما شعرت بالخوف من أن تفتح عينيها وتتفحص المكان، ولحسن الحظ لم يحدث ذلك.
ربما كان هذا هو بداية الشقاء.
“هيوغو، أنا…”
قالت بصوت غائم، وكأنها تعتقد أن رده مجرد حلم، ثم واصلت همهمة متعثرة، غارقة في النعاس، بحيث لم يُفهم كل الكلام، إلا أن كلمات تتخلل أذنها أكملت المعنى.
“في الحلم… يبدو أن هيبيريون… قد ‘شد’ الأمور أكثر… ههه…”
ربما كان الحلم السابق قد ظهر فيه حبها الأول.
بدت الكلمات مشوشة، لكنها على الأرجح تعني أنها شعرت بشيء جيد أثناء النوم.
‘ما الذي أحببتيه أكثر في حبكِ الأول؟’
كيف للبسمة أن تجعل المرء يشعر كأنه يمتلك العالم بأسره؟
تنهد هيوغو، وواصلت همسها:
“إذا أحببت…الإبطال… سيكون أسهل……هيبيريون”
“…….”
“أحبني… سعادتك… هيوغو، أنا…”
‘حقًا، أنت قاسية عليّ.’
حتى في الحلم، لم يكن يكفي أن تقع في حب هيبيريون جيرفيه، بل كانت تلتمس الرحمة من هيوغو من أجل حبها وسعادتها.
هل أفرط في الحساسية لأن كلماتها كانت مجرد همسات حلم؟
‘لكن، أنجليكا…’
“لن أبتعد… بعد الآن.”
مع تلك الكلمات ودموعها، لم أستطع تجاهلها ببساطة.
“آه.”
عاد دفء يده التي تحيط بها بلا سيطرة، وكان قلقه أن يزيد حرارة جسدها أكثر بسبب ذلك.
“أوو…”
لكن لماذا حين أسحب يدي، تبدأ بالبكاء أكثر؟
الحسد الذي يلتف حول جسده كالثعبان يهمس لها ليوقظها، لتدرك أن الشخص أمامها هو هيوغو برنشتاين.
رغم بحثها عن غيره، في النهاية، الشخص الذي تعتمد عليه دائمًا ليس حبها الأول، بل هو هيوغو نفسه.
“أعلم…”
“……!”
في تلك اللحظة، شعرت الأنفاس وكأنها اختنقت.
بدا وكأن أنجليكا قد اخترقت أعماقه وأكدت ما كان يتمناه بصمت.
لكن ذلك لم يكن سوى أمنية منه.
“أنت… تحب…ني…”
ومع ذلك، كانت أنجليكا لا تزال تخاطب حبها الأول فقط.
“حقًا… ليس حلمًا سعيدًا…”
في النهاية، غلَّبتها نفسها ، فغلقت عينيها ببطء، نافيةً وجوده.
غاصت أنجليكا مرة أخرى في نومٍ عميق، وأصبحت أطراف أصابع هيوغو باردة بشكل طبيعي دون الحاجة لاستعمال الأورا.
وهكذا، ظل هيوغو برنشتاين واقفًا بلا حيلة، كمتشردٍ فقد كل شيء، ثم رفع يده ببطء.
“…….”
كان يشعر بالأسى من الحظ الذي احتل إصبعه الصغير، ومن الغضب الذي يشعر به تجاه أنجليكا في الحلم.
لماذا قطعت الخيط المصيري؟ كان مضحكًا أن يغضب من وهم لم يخلقه سوى خياله، لكنه شعر بحاجة لمشاركة معاناته.
*يقصد الحلم ذاك
‘هل كنتي تريدين الذهاب إلى هيبيريون جيرفيه بشدة؟ لتقطعي الخيط إلى هذا الحد؟’
ومع ذلك، لم يستطع التراجع بعد سماع ندائها.
عثَر هيوغو أخيرًا على طرف الخيط المقطوع، وأمسكه بيده.
كان الخيط مقطوعًا تمامًا بلا شعرة متدلية، وكأنه لم يكن هناك طرف يربطه من البداية.
‘لكن الآن يجب عليّ الذهاب للجزيرة.’
بدأ يلف الخيط حول إصبع أنجليكا الصغير.
لحسن الحظ، كان الخيط يلتف بإحكام على يدها، كأنما يُثبت حقيقة أن ما بينهما ليس سوى وهم.
هل كان ذلك لأن الخيط تعرف على صاحبه؟ أم لأن حتى الخيط المصيري خائف من معصيته؟
مهما يكن، نجح هيوغو في ربط الخيط على إصبعها.
ومع إحكام الربط، هدأت مشاعره التي كانت تتلاطم بلا سبب.
“……حسنًا. من البداية، كنتِ قدرًا لي.”
وهكذا شعر أنه فعل الصواب. تمتم مرة أو مرتين كما لو كان يبرمج عقله، ثم نهض.
لكن، بعد لحظات، اكتشف رسالة موضوعة بعناية على الطاولة.
صرير–
وبطريقة ما، انحل الخيط الأحمر بلا جدوى، معبرًا عن قلبه المهزوم…وكأن ذالك القدر.
<السيدة برنشتاين، هل فكرتي يومًا؟ أننا قد نكون قدرًا لبعضنا.>
في الوقت نفسه، رنَّت في رأسه كلمات أنجليكا التي سمعها في حلم سابق.
<مهما كان، أولًا أنا لن أكون قدرك.>
<كيف يمكن أن نكون مرتبطين بالقدر؟ إنه أمر فظيع للغاية.>
<زواج قائم على الحب، من يصدّق ذلك هذه الأيام؟>
شعر قلبه بالانهيار كما انحل الخيط.
ربما لم يكن ذلك الحلم سوى رؤية مستقبلية.
شريك فظيع لا يمكن ربطه بالقدر، زواج بلا حب…
كيف يمكن أن تتطابق هذه الرؤيا مع الواقع الحالي بهذه الدقة؟
“هاها.”
ضحك أخيرًا، ضحك جاف كشتاء الشمال القاحل، لم يعرف هل هو ضحك حقيقي أم تقليد صوت الضحك.
ظل يبتسم بتلك الفراغات، ثم حرك جسده الجامد.
اقترب من جديد من أنجليك ببطء، ربط الخيط المقطوع بإحكام، ثم غادر الغرفة.
حتى لو كان الخيط سينحل بتحريك قليل، لم يستطع التوقف عن هذا الفعل.
فكر كثيرًا، هيوغو برنشتاين لم يكن قادرًا على التخلي عن أنجليكا.
حتى وهي تتلاشى ببطء، كانت جميلة لدرجة العمى.
♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪
الواتباد: @Toro1316
قناة التلجرام: @AMYNOVELS
ترجمة: ✧𝐀𝐌𝐘✧
التعليقات لهذا الفصل " 69"