إن جرعات الشفاء التي زُوِّدت بها أنجليكا أثناء حملة الإبادة جلبت تأثيرًا أكبر بكثير مما كان متوقعًا.
خصوصًا للكهنة المعالجين والسحرة الذين كانوا يعجزون عن الصمود أمام برد الشمال القارس؛ فقد كانت كالمطر الذي يهطل بعد قحط طويل.
ولم يكن الأمر مختلفًا بالنسبة للفرسان الذين يواجهون الوحوش مباشرةً في كثير من الأحيان، لذلك بدأ حتى أولئك الذين أُبعدوا إلى الصفوف الخلفية بسبب إصاباتٍ خطيرة يستعيدون وعيهم تدريجيًا.
وفي تلك الأثناء، استغل هيوغو برنشتاين الفرصة، فظل يطارد الوحوش التي كانت تهرب كالفئران حتى النهاية.
صرخة مدوّية ارتفعت.
“كرااااااااخ!”
وكأن الوحش أدرك أن نهايته قد اقتربت، فاشتدّت شراسته على نحو غير مسبوق، لكن هيوغو لم يتراجع.
ابتلع ريقه.
لم يفعل سوى أن يحتسي رشفة بعد أخرى من الجرعات الممتلئة في يده، ثم يلوّح بسيفه.
“شووواك!”
امتزج بريق عينيه الحاد بنصل السيف، فقطع الوحوش بلا رحمة.
وفي لحظةٍ واحدة، تحولت السهول التي لم يكن يُسمع فيها سوى عاصفة الثلج إلى مكان يدوّي فيه صراخ الوحوش دون انقطاع.
“أوووه…!”
كانت رائحة الدم التي حملها الريح شديدة القسوة إلى درجة أن بعض الكهنة أخذوا يتقيأون مرارًا.
“آه… يا له من وحش….”
حتى السحرة أطلقوا صيحات مبهوتة وهم يشاهدون هيوغو يقضي على الوحوش بزخمٍ لا يُوقَف.
ومع ذلك، لم يحاول أحد إيقافه وهو يندفع بذلك الشكل المفرط.
فكلما ارتفع صراخ الوحوش، وكلما اشتدّت رائحة الدم، كان ذلك يعني أن العودة إلى العاصمة ستصبح أسرع.
وهكذا، بعد يومٍ واحد فقط من توزيع جرعات أنجليكا.
قضت فرقة الإبادة على جميع الوحوش باستثناء بضع عشرة منها فرت مذعورة من هيبة هيوغو، ثم عادت إلى قلعة الدوق الأكبر.
لم يكن هناك أي قتلى.
ربما بسبب القضاء المتواصل على الوحوش، ظلّ جسده يغلي بحرارة كثيفة كما لو أنه ما زال يمسك بالسيف.
مسح هيوغو الدم العالق على سيفه على عجل، ثم دخل إلى قلعة الدوق الأكبر.
وحين استنشق الهواء النظيف بعد وقتٍ طويل، أدرك من جديد أنه كان غارقًا في رائحة الدم.
“سيدي.”
اقترب أحد التابعين منه.
لكن نظرته لم تكن تلك الممزوجة بالرهبة المعتادة، بل بدا فيها شيء من التردد.
“ما الأمر؟”
بدل أن يؤجل الحديث، سأل هيوغو مباشرة.
ومع تباطؤ خطواته نحو غرفته، فتح التابع فمه على عجل.
“في الحقيقة… يبدو أن السيدة أُصيبت بالزكام. لقد بقيت خارجًا طوال فترة بعد الظهر….”
“ماذا؟”
امتلأ الصوت الذي كان أبرد من عاصفة الشمال بحرارةٍ مفاجئة.
شعر التابع بهذا التغير بنفسه، فتصلّب جسده توترًا.
“ألم آمركم أن تعتنو بها بإخلاصٍ تام حتى لا تشعر بأي إزعاج؟”
“نعتذر! لقد قالت السيدة إنها تريد تقوية الجرعات التي ستقدمها لسيدنا، لذلك لم نستطع جميعًا منعها.”
“…الجرعات؟”
كلمات التابع: “التي ستُقدَّم لسيدنا” ترددت في ذهنه كالصدى، لكنه ابتلعها بصمت.
فمجاملة أولئك الناس لم تكن جديدة عليه.
تذكر ببساطة الجرعات التي كان يشربها أمس كما لو كانت ماءً عذبًا.
“بالفعل.”
كانت فعاليتها أفضل من الجرعات التي تلقاها في بداية الحملة. كان يظن أن الأمر مجرد وهم منه، لكن يبدو أنه كان حقيقيًا.
وما إن أشار بعينيه حتى بدأ التابع الذكي يسرد بالتفصيل تحركات أنجليكا خلال الأيام الماضية.
وعندما سمع هيوغو أنها بقيت في الخارج طوال يومٍ شتوي قارس، بل وحتى سهرت الليل، عبس.
صحيح أنه سمع أيضًا أنها اضطرت إلى الراحة بعد إكمال الجرعات بسبب إلحاح التابعين، لكن النتيجة كانت إصابتها بالزكام.
“أين أنجليكا الآن؟”
سأل عن مكانها بلهفة. لم يكن ينوي الذهاب لمحاسبتها، ومع ذلك أخذ القلق يتراكم في صدره بلا سبب.
“آه، السيدة الآن….”
كان التابع على وشك إخباره بالمكان الذي سمعه من إحدى الخادمات قبل عشر دقائق.
“كفى. يمكنك الانصراف.”
قطع كلام التابع فجأة.
حينها توجه هيوغو إلى الطابق العلوي حيث تقع غرفته بعد أن تجاوز عدة طوابق
أمال التابع رأسه باستغراب، ثم انحنى وغادر، قبل أن يرى منظرًا جعله يكتم تنهيدة.
‘ يا إلهي… متى ذهبت إلى هناك مجددًا…؟ ‘
فقد كان قد تلقى قبل عشر دقائق فقط تقريرًا بأنها نائمة بعمق في غرفة النوم.
لكن خلال بضع دقائق لا أكثر، وكأن حالتها تحسنت، كانت أنجليكا تتجول بالفعل خارج القصر.
“…”
نظر هيوغو من خلف النافذة إلى أنجليكا، التي كانت تبتسم بخفة بينما تغوص في وشاحها.
لم يعرف إن كانت وجنتاها المحمرتان بسبب الحمى أم بسبب سعادتها برؤية الشخص المقابل لها.
لكن أمرًا واحدًا كان واضحًا.
إنها ابتسمت بصفاء لأول مرة منذ قدومها إلى الشمال.
“إيزابيل!”
نادتها بصوتٍ مشرق.
ثم حين لاحظت الدم العالق على خدها، أخرجت منديلًا صغيرًا من بين يديها التي كانت مخبأة في صدرها وناولته لها.
وعندما اعتذرت إيزابيل قائلة إنها أظهرت لها منظرًا غير لائق، كيف ردّت أنجليكا؟
“لا بأس. ثم إن الأمر ليس قبيحًا كما تقولين.”
قالت ذلك وهي تهز كتفيها بلا مبالاة.
كان هيوغو يراقب كل ذلك بصمتٍ من خلف النافذة.
القلق الذي كان يختنق في صدره وكأنه سيخنقه انفرج فجأة.
من حسن الحظ أن حالتها تبدو جيدة… لكن يا له من شعورٍ أناني.
‘ أما أنا فلم أستطع استخدام المنديل الذي أعطيتِني إياه في النهاية. ‘
شعر بالغيرة من كل ما تمنحه للآخرين بسهولة.
ربما لو كنتِ مريضة طريحة الفراش تتألمين… هل كان ذلك سيخفف قليلًا من أنانيتي؟
“لا.”
ربما كنت سأغضب أكثر وأغرق في مشاعرٍ أكثر انحطاطًا.
تنهد.
‘ لماذا أفكر في أشياء لن تحدث أصلًا؟ ‘
شعر فجأة بتعبٍ شديد، فأغمض عينيه وفرك جبينه.
‘ لا ينبغي أن أنجرف وراء مشاعري أكثر. ‘
فتح عينيه بعد أن عاهد نفسه بذلك.
لكن للأسف، لم يستطع إلا أن يبتسم بسخرية عندما لمح الخيط الأحمر.
“…كما توقعت، لا يوجد.”
الأمل الذي عذّبه طوال عشرة أيام انتهى أخيرًا… كتعذيبٍ لا أكثر.
كانت مفاصل يديها المحمرة خالية تمامًا من أي خيط.
رفرف.
وفي الوقت نفسه، تطاير الخيط الأحمر العالق في يده بلا اكتراث.
نظر إليه هيوغو بعينين معقدتين، ثم استدار.
لم يعد قادرًا على النظر إلى أنجليكا وهي تبتسم لشخصٍ آخر.
لكن يا لها من لعبةٍ قاسية للقدر.
“أم… إيزابيل؟”
في اللحظة التي كان فيها هيوغو على وشك دخول غرفته، حرّكت أنجليكا شفتيها فجأة.
“هل لديكِ ما تقولينه؟”
سألت إيزابيل وهي تمسح الدم الذي غطى خدها وعنقها.
ارتبكت للحظة عندما امتلأ المنديل باللون الأحمر، وألقت نظرة حذرة نحو أنجليكا، لكن لم يكن في عينيها أي خوف.
انتظرت إيزابيل بوجهٍ حائر ما ستقوله أنجليكا.
أما أنجليكا فكانت تفكر بلا توقف إن كانت ستدخل في صلب الموضوع.
‘ هل أسأل عن هيوغو؟ ولو قلت ذلك بصوتٍ عالٍ… ألن ينحرف مسار الأحداث مجددًا بطريقة غريبة؟ ‘
كانت قلقة أكثر لأنهم قالوا إن بضع عشرة من الوحوش لم تُقضَ عليها بعد.
ماذا لو هاجمت القلعة فجأة في المساء وهددت هيوغو؟
كان هذا تفكيرًا غير منطقي… لكن قلقها لم يهدأ.
“أنجليكا؟”
“…آه، لا. لا شيء. سأ… أسأل لاحقًا. بعد أن ينتهي كل شيء.”
في النهاية أغلقت أنجليكا فمها وابتسمت بخفة.
فحتى من أحاديث الفرسان التي تسمعها أحيانًا، لم تسمع شيئًا سيئًا عن هيوغو.
“نعم… سيكون بخير….”
هدأت نفسها في داخلها ثم استدارت.
وفي تلك اللحظة، ضيّقت إيزابيل عينيها قليلًا وبدأت الحديث.
فالمظهر الذي رأته أمامها كان مألوفًا لها جدًا، بخلاف ما سمعته من الإمبراطورة، فخرج الكلام من فمها دون قصد.
“هل تقلقين على القائد؟ إن كان الأمر كذلك فاطمئني. لقد وقف في المقدمة وقضى على أكبر عدد من الوحوش، ومع ذلك لم يُصب حتى بخدش.”
“…حقًا؟”
“نعم. وكل ذلك بفضل جرعات أنجليكا.”
“آه….”
الوجه الذي كان حزينًا كفجر الشتاء ازدهر فجأة كأنه ربيع.
‘ كما توقعت. ‘
هزّت إيزابيل رأسها وهي تفكر أنها أحسنت بقول ذلك.
لكنها في الوقت نفسه لم تفهم لماذا أصبحت أنجليكا حذرة فجأة.
‘ يبدو أن لديها قصة ما… كما قالت جلالة الإمبراطورة. ‘
لكن لا يبدو أنها ستخبر بها بسهولة.
بل ربما ستغلق فمها فورًا مثل حلزون يختبئ داخل قوقعته إذا ما تم لمس الموضوع قليلًا.
“أنجليكا، إن كان لديكِ أمرٌ يرهقكِ فأخبريني به.”
لم يكن أمامها سوى محاولة استمالتها بهذه الكلمات اللطيفة.
“نعم!”
لكن أنجليكا في الحقيقة كان ذهنها منشغلًا بخبر أن هيوغو بخير.
“آتشوه!”
ربما لأن التوتر الذي كان يحيط بها قد زال.
فعادت السعلة التي كانت هادئة طوال اليوم.
أبدت إيزابيل قلقها، لكن أنجليكا هزّت رأسها مبتسمة.
“هذا لا شيء… كح، أنا بخير!”
بل على العكس.
شعرت وكأنها أكثر حيوية من أي وقت مضى في الآونة الأخيرة.
التعليقات لهذا الفصل " 67"