وضعت أنجليكا راتلاي الصحيفة التي كانت تقبض عليها بإحكام، وزفرت أنفاسًا ثقيلة مكتومة.
أغمضت عينيها بإحكام ثم فتحتهما، فشعرت بأن عقلها الذي كان معتمًا بالغضب يعود إليها تدريجيًا.
لا، ليس هذا. بل إن الغضب كان موجّهًا إلى نفسها، لأنها ظلت ترتكب، بلا وعي، أفعالًا غبية لا تصدر إلا عن أناس حمقى.
احمرّت عيناها في لحظة. عضّت أنجليكا باطن شفتيها بقوة حتى تذوقت طعم الدم. لم تعد الدموع ترفًا فحسب… بل صارت عارًا.
ابتلعت الدم، ثم نهضت فجأة بعينين محمرتين. دَوَى صوت خطواتها غير المنضبطة في أروقة القصر الإمبراطوري.
دق، دق!–
تعالت من هنا وهناك صيحات ونداءات موجهة إليها، لكنها لم تأبه. كانت تنظر إلى مكان واحد فقط وهي تسير ؛ مكتب الإمبراطور.
كوااانغ—!
ارتطم الباب الثقيل بالجدار بلا رحمة تحت دفعة يدها. ومع ذلك، استقبلها صاحب المكان، هيبيريون جيرفيه، دون أن يرمش له جفن.
“أنجليكا.”
“لا تنطق باسمي.”
اندفع الإحساس بالخيانة دفعة واحدة. رمت الصحيفة المجعدة بكل قوتها نحو وجهه.
لكن، وعلى نحوٍ مثير للسخرية، سقطت الصحيفة بخفّة على المكتب.
فَرَفْرَف—
تبعثرت الصفحات وهي تُصدر ضجيجًا قبل أن تستقر. وفي الصفحة المفتوحة، ولسوء الحظ أو لحسنه، كُتب الخبر الذي كانت تريد سؤاله عنه.
[إعلان حرب من إمبراطورية جيرفيه! لماذا تبدأ حربهم بـ’ مملكة راتلاي ‘؟]
“كيف تجرؤ؟! كيف استطعت فعل هذا؟ لماذا دهستَ وطني؟!”
“أنجليكا، يا عزيزتي. اهدئي. أنتِ منفعلة جدًا الآن.”
“منفعلة؟ هل أبدو لك كمن يفعل هذا لمجرد الانفعال؟”
“وإلا فماذا؟ ألم تكوني أنتِ أيضًا تتمنين زوال بلدكِ؟”
كان هيبيريون، الذي يواجهها، يبدو صادقًا في جهله ، ببراءة مستفزة. حتى في مثل هذه اللحظة… كان حسابيًا إلى هذا الحد.
ارتجفت أنجليكا وهي تزفر أنفاسًا مرتعشة، إذ سرى بردٌ قاسٍ في عمودها الفقري. كانت عيناها وشفتيها ترتجفان من الغضب، حتى إن الكلمات لم تسعفها.
كأن الجزء المسؤول عن عقلانيتها قد تعطّل تمامًا.
وبينما كانت لا تقدر إلا على التنفس بصعوبة، اقترب هيبيريون منها ببطء. لامست أصابعه الطويلة المستقيمة خدّها.
مسح بإبهامه أسفل عينها المحمرّة، ثم ضغط برفق ليجبرها على النظر إليه.
“عزيزتي، مهما كان ذلك وطنك…”
“…….”
“إن كان سيؤذيكِ، فسأمحوُه فورًا.”
وقد فعل ذلك فعلًا.
مال هيبيريون بعينيه اللامعتين وهمس:
“هل نسيتِ؟ لوك، ذلك الأحمق، ماذا فعل بكِ قبل ثلاثة أشهر؟”
“…….”
“سمّ. لقد أطعَمكِ سمًّا قاتلًا.”
سمًّا لعينًا لا ترياق له، ذاك الذي يعمي البصر.
“هل تعلمين كم كنتُ قلقًا عليكِ، أنجليكا؟”
داعب هيبيريون محيط عينيها برفق. كان الأسف يتقاطر من حركاته.
“ظننتُ أنني لن أرى هاتين العينين الجميلتين مرة أخرى.”
ولهذا، كي لا يتكرر الأمر، كان لا بد من القضاء عليهم نهائيًا.
“من أجلكِ.”
ألقى بسبب أفعاله على عاتقها. كانت يده التي تلامس عينيها لا تزال دافئة ولطيفة.
عندها، تحوّل بريق عيني أنجليكا، الذي كان معتمًا بالغضب، إلى برودة حادة. تلاشى الألم الذي كان يخنق عنقها.
أمسكت بيده التي تلمسها، وقالت بأسنان مطبقة:
“إذًا، كان عليك أن تقتل لوك راتلاي فقط.”
“…….”
“كان عليك أن تطيح بالعائلة المالكة الفاسدة لراتلاي فحسب.”
حتى لو جمعهم الدم، لم تكن أنجليكا لتكترث بمن يقتلهم أو كيف. كانت مقولة ‘ الدم أثخن من الماء ‘ هي الأشد إثارة للسخرية.
سواء كان الدم أثخن أم لا، فإنه أمام كراهية سوداء كهذه يصبح مخففًا بلا قيمة.
لو أن هيبيريون قتلهم وحدهم، لربما اضطربت قليلًا، لكنها كانت ستتجاوز الأمر كعادتها. لكنه لم يقتلهم وحدهم.
بل قتل أيضًا شعبًا بريئًا لا ذنب له.
“هل كنتِ غاضبة فقط لأنكِ قلقتِ على أولئك التافهين؟”
“……تافهين؟”
“اهدئي، حسنًا؟ لديكِ ما هو أثمن بكثير من أولئك. ما رأيك أن نطّلع على شؤون الحكم معًا هذه المرة؟ أنتِ كنتِ ترغبين بذلك، أليس كذلك؟ ، لنبنِ الإمبراطورية معًا، وهذا يكفي.”
قالها هيبيريون جيربه وهو يلاطفها بنبرة ناعمة مصطنعة.
شعرت أنجيليكا بأن عنقها يُشدّ من جديد حتى كاد يخنقها. كان رأسها يخفق بألم، وأطراف أصابعها بردت كأن الصقيع تسلل إليها.
المثير للسخرية أن قلبها تزعزع. أغمضت عينيها بقوة ثم فتحتهما، ونظرت إليه مباشرة.
“لن أفعل.”
كأن الكلمة علقت في حلقها كشظية، ومع ذلك لفظتها عنوة. ما إن قالت ما ظنّت يومًا أنها لن تقوله، حتى خفّ الصداع قليلًا.
بدا الذهول واضحًا على وجه هيبيريون. ومع اتساع حدقتيه قليلًا، أمسكت أنجيليكا بذراعه ودفعته بعيدًا عنها بقسوة.
“قلت لن أفعل بعد الآن.”
“……ماذا؟”
“لن أكون زوجتك.”
“…….”
“ولا أداتك.”
هل كان يظن حقًا أنها لم تدرك؟ خمسة أعوام من العلاقة الهادئ على نحو يبعث القشعريرة.
أي شخصٍ آخر كان سيستسلم لذلك السلام، لكن أنجيليكا راتلاي لم تكن كذلك.
“كنت ستقول دائمًا إنك فعلت كل شيء من أجلي، لكن لا.”
“…….”
“حتى تدمير مملكة راتلاي لم يكن لأجلي، بل لأجلك أنت.”
أكان يظن أن طموحه، الذي راكمه بعناية طوال خمس سنوات، خفيّ عنها؟
لفّت أنجيليكا شفتها بازدراء، ثم أمسكت هذه المرة بالقلادة التي كانت تشدّ عنقها كسلسلة، وجذبتها بعنف.
فواااه!–
في تلك اللحظة، اندفعت طاقة سحرية لم تستخدمها يومًا حقًّا، تشقّ طريقها عبر أعصابها كلها.
ومع إحساسها بها، حسمت الشك الذي ظلّ يلازمها طويلًا.
“بما أنك لم تعد قادرًا على إصلاح علاقتك المنهارة مع راتلاي، قررت القضاء عليها بدل أن تكون في صالح غيرك.”
“…….”
“لأنه إذا انضمت راتلاي إلى إمبراطورية سيلين، لكانت عقبة كبرى في مخططاتك اللاحقة.”
ذات يوم، في ماضٍ بعيد جدًا، ظنّت أن هيبيريون على الأقل يعاملها كـ“إنسانة”. وبسذاجة، سلّمت له قلبها، أسيرة ذلك الوهم.
“الحب.”
دارت الكلمة القبيحة على طرف لسانها باستهزاء. لقد كانت ترتكب أغبى ما يمكن أن يفعله إنسان.
مع أنها كانت تشعر، طيلة السنوات الخمس الماضية، أنه لا يحبها، ولا يعاملها كإنسانة أصلًا.
“لم يكن عليك أن تمسّ شعب راتلاي، يا هيبيريون جيرفيه.”
“…….”
“لو كنتَ تريدني أن أبقى متغافلة، مجرد أداة تصنع بها تاريخك.”
اشتدّ ضغط يدها على القلادة. ظلّ هيبيريون شاردًا، ثم وقعت عيناه على يدها الممسكة بها، فجمع ملامحه في لحظة.
“إذًا.”
انقبض وجهه، الذي كان يبدو كوجه عالمٍ متعالٍ رصين، فجأة وبشدة. تلونت عيناه بالأرجواني الداكن، وكأنهما تخنقان الأنفاس. رفع يده التي دُفعت عنه، وأطبق بها على مؤخرة عنق أنجيليكا.
تجعدت عيناه بعنف، والتوت شفتاه بابتسامة مشوّهة صعدت إلى أعلى. كان ذلك التناقض غير الطبيعي الوصف الأدق لهيبيريون جيرفيه.
“أنتِ… تجرؤين على القول إنك ستتركينني؟”
وإلى أين ستذهبين بدوني؟ أنا وحدي من سقى تلك الزهرة التي كانت دائمًا مهملة، مسحوقة، ويابسة.
لم يكن لها سواه. عالمها هُو، وكل عاطفة، حبًا كانت أو غيره، ملك له وحده.
ومع ذلك… تتركيني؟
“لن تعيشي، أنجيليكا.”
“…….”
“أنتِ لا تستطيعين العيش من دوني.”
كفى هذا الدلال. حتى صبري له حدود.
ضغط بإبهامه على الحدّ الفاصل بين عنقها وذقنها، على مجرى أنفاسها، ثم خفف قبضته كأنه يمنّ عليها بالرحمة وراح يمسح ببطء.
نظرت إليه أنجيليكا، وهو واثق من نفسه إلى هذا الحد، وسخرت مرة أخرى.
“……تظن فعلًا أنني لا أستطيع العيش؟”
يبدو أن خمس سنوات من السلام كانت طويلة أكثر من اللازم. طويلة إلى حد جعله ينسى حقيقته.
فواااه!–
جمعت كل القوة التي تدور في جسدها داخل يديها. وفي اللحظة نفسها—طَقّ!—تحطمت القلادة التي كانت تقبض عليها بلا رحمة.
اندفعت طاقة أعظم إلى داخلها، كموجٍ عاتٍ. شعرت بالغثيان، لكنها تحمّلت.
ومعها ،
وووونغ!—
صبّت كل قوتها مرة أخرى داخل ذاتها.
“انتظري…!”
ارتسم الذعر على وجه هيبيريون حين أدرك بسرعة ماهية السحر. حاول إيقافها، لكن سحرها انطلق قبل أن يمسك بها بلحظة.
أضاءت عينا أنجيليكا ببياضٍ ساطع. وفي آخر ما رأت، همست لهيبيريون:
“لا تسيء الفهم، هيبيريون جيرفيه. من لا يستطيع العيش بلا شريك… ليس أنا—”
بل أنت.
ابتعد مكتبه في الأفق. سمعت صوته يناديها بيأس، لكن أنجيليكا محته من قلبها دون تردد.
التعليقات لهذا الفصل " 57"