“لا يعقل أن يكون كل لقاء بيننا على هذا النحو، أليس كذلك؟”
حين بدأ القلب الذي كان يخفق بلا سيطرة يهدأ تدريجيًا، ضغطت أنجليكا على صدرها بقوة وهمست بصوتٍ منخفض.
كانت تحاول الإمساك بخيطٍ يقود إلى سرّ “التكرار” المرتبط به، لكنها كادت أن تسقط في الفخ بنفسها.
“بهذا الشكل… الأمر مقلق.”
هل تأخذ وقتًا؟ لكن لا ضمان بأن الوقت سيحل المشكلة. غالبًا لن يكون سوى مضيعة لا أكثر.
“ما دام السبب الجذري للعودة مرتبطًا بهيبريون، فلا مجال للتباطؤ.”
لكن إن استمر قلبها بالخفقان على هذا النحو، شعرت أنها قد تعترف له بكل ما في صدرها دون وعي……
“من الأساس، لماذا شعرتُ بتلك المشاعر؟”
فروووم—
وسط حيرتها، وصلت العربة بسلاسة إلى قصر الدوق الأكبر. أجّلت أنجليكا تساؤلاتها مؤقتًا، ونزلت من العربة. كان الظلام قد حلّ سريعًا، وكأن قدوم الشتاء بات محسوسًا بوضوح.
‘الجو بارد……’
ربما لأن العاصمة تميل قليلًا نحو الجنوب مقارنة بالوسط، فلم يكن البرد قارسًا حدّ الإزعاج.
لكن غرفة النوم… لا بد أنها ستكون ببرودة قلب الشمال نفسه. شعرت بوخزٍ خفيف في أنفها، فعبست لا إراديًا.
‘لا أريد الدخول.’
تثاقلت خطواتها دون سبب واضح. لم تكن تكره البرد فحسب، بل إن الصمت الذي يلف غرفة النوم كان خانقًا أكثر مما تحتمل.
“هاه……”
لكن ما العمل؟ هذا الطريق اختارته بنفسها.
انتزعت قدميها من الأرض بصعوبة، ودخلت القصر. وبينما كانت تتجاوز الخادمات المتأهبات لاستقبالها، وتضع قدمها على أول درجٍ يقود إلى الطابق الثالث—
‘هاه—’
وقع بصرها عليه. هيوغو برنشتاين.
ولِمَ الآن بالذات؟ ولِمَ يخرج من قاعة الطعام تحديدًا؟ والأسوأ… أنه أنهى عشاءه وحيدًا.
‘آه……’
هل تتجاهله وتمضي؟ ترددت عشرات المرات في لحظة واحدة، لكن قبل أن تحسم أمرها، تلاقت نظراتهما.
تجمّدت في مكانها.
“……”
“……”
سقط صمتٌ ثقيل بينهما، صمت لم يقطعه أيٌّ منهما. كانت أنجليكا أول من خفّض بصره.
‘آه… الندبة.’
بانت جروحه التي لم تلتئم بعد تحت ضوء الثريا، واضحة بلا رحمة. حتى مع تقلّص مشاعره إلى حدّها الأدنى بسبب المانا، لم يستطع إخفاء شعورها بالذنب تمامًا.
وزاد الأمر ثقلًا أنها خرجت لتوّها من لقاء هيبريون، وقد عادت مضطربة بالكامل. تضاعف الإحساس بالذنب، ومعه عاد ألمٌ خفيف إلى كفّ يدها التي كانت قد آذتها مرارًا سابقًا.
طَق.–
لم تحتمل أنجليكا ذلك الصمت الخانق، فتقدّمت خطوة واحدة. عندها فقط فتح هيوغو فمه، وقد لمح اتجاه قدميها نحو الدرج.
“من أين… عدتِ؟”
كان صوته غائرًا، و خشنًا إلى حد أن حتى خدم القصر المعتادين عليه قد يفزعون لو سمعوه.
تصلّبت كتفاها، وكأنها فُضحت أومأت برأسها بصعوبة، حركة بدت متكلّفة.
حتى هي رأت نفسها مثيرة للشفقة.
‘حقًا……’
أغمضت عينيها بقوة، وابتلعت نفسًا عميقًا. وبعد صمتٍ طويل، عاد هيوغو للكلام.
“هل تناولتِ العشاء؟”
كانت تتوقع سؤالًا عن وجهتها، عن سبب تأخرها… لكن اهتمامه بقي متمحورًا حولها وحدها.
“……آه.”
أطلقت صوتًا لا تدري أهو زفرة راحة أم تنهيدة. عضّت على داخل خدّها، ثم أومأت برأسها بصعوبة.
‘لا ينبغي أن أثير قلقه.’
لم تتناول طوال اليوم سوى كوب شاي، ومع ذلك لم تشعر بالجوع آنذاك.
ساد الصمت من جديد، وكأن سؤاله كان كل ما أراد قوله. تجنّبت أنجليكا نظره، ثم أسرعت بالمرور إلى جانبه.
هيوغو برنشتاين… لم يُمسك بها.
❈❈❈
فلووش!–
بعد أن انتهت من الاستحمام وأصبحت وحدها أخيرًا، ألقت أنجليكا بنفسها على السرير. احتواها الفراش الناعم بجسدها المتعب، وبدأ وعيها يتلاشى.
وفي اللحظة التي كادت تغفو فيها ،–
غروووق!–
“هاه؟!”
فتحت عينيها على مصراعيهما. وضعت يدها على بطنها دون تفكير، فإذا به ملتصق بظهرها من شدّة الجوع.
“كنتُ قبل قليل غير جائعة……”
لا بد أن التوتر زال دفعة واحدة. تمنت لو أن الجوع جاء بعد أن غاصت في نومٍ عميق. نهضت بتثاقل، والشعور بالفراغ يثقل جسدها.
“هل أنادي خادمة……؟”
انزلقت نظرتها إلى الحبل بجانب السرير. سحبة واحدة فقط، وستُعرض أمامها الأطعمة فورًا.
“لكن… كيف أفعل ذلك.”
لقد قالت لهيوغو إنها تناولت العشاء. لم تستطع أن تكون وقحة إلى هذا الحد، فشعور الذنب كان لا يزال أكبر بقليل.
“……سأتحمّل.”
لن تموت إن صامت يومًا واحدًا. تمنّت أن يغلبها النعاس على الجوع، فتدحرجت تحت الغطاء.
طَق طَق.–
وفجأة، دوّى طرقٌ على باب غرفة النوم. ومع صوت خادمةٍ يتبعه، ردّت أنجليكا دون أن تُخفي نبرة ارتباكها.
‘ما الذي يحدث؟’ لقد انتهين من كل ما يمكن أن يساعدنني فيه، أليس كذلك؟
لم يدم استغرابها طويلًا. فسرعان ما انفتح الباب، ودخلت عربة صغيرة تُصدر صوتًا خافتًا، محمّلة بالطعام.
“أوه؟ ما هذا؟”
سألت وهي تبتلع ريقها لا إراديًا أمام الرائحة الشهية التي دغدغت أنفها. لا يُعقل أن تكون بين الخادمات من تقرأ الأفكار، فتفهم ما يدور في رأسها بهذه الدقة.
رفرفت بعينيها سريعًا مرتين، فجاءها الجواب.
“السيد أمر بإعداد وجبة ليلية.”
“……هيوغو؟”
“نعم. هو في الأصل لا يتناول وجبات ليلية، لكن يبدو أن الطعام أعجبه اليوم، فعاد وطلبه مجددًا. وقال إن نُحضره أيضًا إلى السيدة.”
“آه……”
لم يكن في وجه الخادمة أي أثر للكذب. كانت تنظر إلى العربة ثم إليها، وتحرّك شفتيها بتردد، وكأنها تؤكد أن الأمر بأكمله صادر عنه فعلًا.
“إن كنتِ لاتريدين، فهل أعيدها؟”
“لا. لا، سآكل.”
لم تفهم لماذا بدا رفع زاوية فمها في تلك اللحظة صعبًا إلى هذا الحد. نظرت إلى الأطباق المصطفّة أمامها، ثم التقطت السكين والشوكة.
ارتجفت يدها.
كانت يدها بخير حتى لحظةٍ مضت، لكنها الآن ترتعش بخفة. شدّت أنجليكا قبضتها على أدوات المائدة بقوة.
“سيدتي، هل أنتِ بخير؟”
سألتها الخادمة التي كانت تراقبها. هل لاحظت ارتجاف يدها؟ أم أن تعابير وجهها خانتها؟ مرّت في رأسها عشرات الاحتمالات وهي تنظر إليها.
ابتسمت الخادمة بلطف، ثم ألقت نظرة على أرجاء الغرفة.
“في الحقيقة، السيد طلب منا ألا نخبركِ، لكننا ثبّتْنا أداة سحرية في غرفتكِ.”
“……أداة سحرية؟”
“نعم! لن تشعري بالبرد بعد الآن!”
ابتسمت الخادمة بفخر، وكأن الأمر من صنعها هي، ثم تداركت نفسها وانكمشت قليلًا، واضعة سبابتها على شفتيها.
سرّ. سرّ مطلق.
أومأت أنجليكا برأسها بذهول.
“إذا انتهيتِ، اسحبي الحبل من فضلكِ، سيدتي!”
طَق.–
أُغلق الباب، وساد الصمت.
“…….”
حتى تلك اللحظة، لم تكن أنجليكا سوى تحرّك شفتيها بلا صوت. ثم، وكأنها تجبر نفسها، أخذت قضمة من شريحة اللحم التي بدأت تبرد.
ذابت في فمها دون حاجة إلى مضغ طويل. كانت لذيذة. درجة الاستواء، الصلصة الحلوة باعتدال—كل شيء يوافق ذائقتها تمامًا.
نعم، لم يكن طعامًا أُعدّ على عجل لوجبة ليلية. كان دقيقًا، متقنًا، بعناية واضحة.
تابعت أنجليكا تناول الطعام بتركيز. أنهت شريحة اللحم، وارتشفت بين الحين والآخر الحساء الدافئ الذي تحبه.
ثم التهمت حتى حبات توت العليق النادرة في هذا الفصل، والتي قُدّمت كتحلية.
أكلت التوت بيدها، ومع ذلك لم يعلق أي أثر للعصير على أصابعها. شعرت فجأة أن طعمه أقل لذة من المرة السابقة.
“لماذا……”
تمتمت أخيرًا، وهي تبتلع آخر حبة توت، حلاوتها المفرطة تلامس المرارة.
“لماذا تُحسن إليّ هكذا؟”
دار السؤال في الفراغ، ثم تلاشى بلا جواب. ومع ذلك، كانت تريد سماعه.
“أنا لستُ سيريل.”
ومع ذلك، كان يُدخلها دائمًا ضمن دائرة اهتمامه، دون أن يفوّت مرة. مع أنها ليست سوى زوجة اسمية، تعيش معه تنفيذًا لأمر الإمبراطور.
“هكذا… تجعلني أبدأ بتوقّعات لا داعي لها.”
أن تتساءل: هل منحني، ولو ذرة، مكانًا في قلبه؟
ولو كان الأمر كذلك… فلو كان مجرد احتمال، لودّت أن تتجاهل الأحلام وكل شيء، وأن تتكئ عليه فحسب.
لكن على نحوٍ متناقض، ومع شعورها بالانكسار، اشتعلت إرادتها.
لم تستطع أنجليكا الجزم أيّهما يمثل مشاعرها الحقيقية.
شيء واحد فقط كان واضحًا ؛ رغبتها في التخلص من هيبريون جيرفيه أصبحت أقوى من أي وقت مضى.
“مهما كلّف الأمر، سأعثر على سبب هذا التكرار.”
وما شأن خفقان القلب؟ حتى لو لم يخفق عند رؤيته، كان هيوغو وحده كافيًا ليمنحها هذا العزم الصلب.
كان هو، بلا شك، كل الوسائل التي تتشبث بها لمواصلة حياتها.
وكأنما يشجّعها على ذلك، تسلّل حلمٌ كان غائمًا طوال الوقت ليعانق أنجليكا أخيرًا. حلمٌ يحمل قبضةً من الخيوط التي كانت تبحث عنها.
التعليقات لهذا الفصل " 56"