47
في تلك الليلة،
وبعد أن تبادلت أنجيليكا الحديث مع هيوغو كعادتها عن أمورٍ تافهة، خلدت إلى النوم مبكرًا استعدادًا لمهرجان الصيد في اليوم التالي.
لم تكن تتوقع نومًا هادئًا، فقد اعتادت في الآونة الأخيرة على أحلامٍ مشوشة لا شكل لها…
لكنها لم تتوقع أن يكون الكابوس أشدّ من ذلك.
«أي وقاحة هذه التي تجعلكم تقولون مثل هذا الكلام؟»
تردّد صوت أنجيليكا داخل الحلم، ممتزجًا بنبرة سخط واضحة.
كان كل شيء في هذا الحلم غريبًا.
بدت وكأنها هي نفسها أنجيليكا، وفي الوقت ذاته كأنها شخصٌ منفصل يراقبها من بعيد.
كلما حاولت الاندماج في دور “أنجيليكا”، ظل وعيها يذكّرها بإصرار أن ما يحدث ليس إلا حلمًا.
«ألم تدركي بعد أن هذا هو الخيار الوحيد المتبقي لكِ؟»
جاء الصوت من مكان قريب. كان الإمبراطور، كاين آفنديل.
اتسعت عيناها بدهشة؛ فهي لم تره من قبل داخل أحلامها.
بينما كان وجه “أنجيليكا” جامدًا، كأنه مغطّى بطبقة من الجليد.
«وهل تظن حقًا أنكم لا تملكون خيارًا آخر سوى هذا؟»
ازدادت نبرة السخرية في صوتها، لكن لا كاين ولا سِيريل ولا حتى هيوغو الجالس إلى جانبهما علّقوا على وقاحتها.
ذلك الصمت أجّج غضبها أكثر. مرّرت يدها في شعرها بضيق، ثم توقفت حين لمحت الخيط الأحمر الملتف حول أصابعها.
طنّ!–
شدّ الخيط بقوة حتى غاص في جلدها، فقبضت يدها بعنف، تتأمل المفاصل التي احمرّت كأنها تحترق.
«بالطبع… أنتم لا تخسرون شيئًا، لذا يمكنكم قول ما تشاؤون.»
كانت تعرف ذلك جيدًا.
هم سيخرجون دائمًا بأقل الخسائر بفضلها.
أما هي… فستظل الخاسرة الوحيدة، بلا شيء على الإطلاق.
لم تكن هي من تخسر، بل الإمبراطورية نفسها.
أو بالأحرى… هيوغو برنشتاين.
رفعت نظرها نحوه، فرأت الندبة التي تشق وجهه، تلك التي لم تشفَ رغم قدرته غير الطبيعية على التعافي.
«هيوغو برنشتاين… أنت أيضًا موافق؟»
سألته بنبرة تعرف إجابتها مسبقًا، وأشارت بيدها إلى عنقه.
«أنت تعرف ما سيحدث، أليس كذلك؟»
ساد الصمت.
«سيتكرر الأمر.»
توقفت الكلمة في الهواء.
“يتكرر؟”
في تلك اللحظة، عاد وعيها دفعة واحدة.
انفرجت شفتا أنجيليكا بابتسامة ملتوية.
«كل شيء… سيُعاد من جديد.»
حتى ذلك الشيء الذي لم تجرؤ على تسميته.
“هاه!”
انتفضت فجأة وكأن أحدًا انتزعها من أعماق الماء.
شهقت بقوة، واضعة يدها على صدرها، تتنفس بصعوبة.
العرق البارد غمر جسدها، وشعرت وكأن الدم قد انسحب من عروقها.
“سيدتي!”
اندفعت الوصيفات نحوها بفزع حين رأينها ترتجف كفرخٍ مبتل.
لم تستطع الرد، واكتفت بإغماض عينيها بقوة.
“كان… حلمًا.”
لكن تفاصيله كانت تتلاشى بسرعة، كالرمل بين الأصابع.
لم يبقَ في ذهنها سوى كلمة واحدة:
“التكرار.”
ما الذي يتكرر؟ ولماذا شعرت أن الأمر لا يحمل أي خير؟
بمساعدة الخادمات، جلست على حافة السرير.
وصلها صوتهن القلق، لكنها بالكاد سمعتهن.
ثم، ومن دون قصد، وقعت عيناها على هيوغو برنشتاين الواقف خارج النافذة.
زفرت بعمق.
لم يكن منظرُه يحرّك قلبها عادة… لكن اليوم، كان مختلفًا.
لم تستطع تمييز ما تشعر به—أهو قلق؟ أم خوف؟ أم شيء أعمق من ذلك؟
“سيدتي، هل أنتِ بخير؟ هل ستشاركين في الصيد اليوم؟”
سألتها إحدى الوصيفات بحذر، فملامحها الشاحبة لا تبشّر بخير.
في الحقيقة، كانت تعلم أنها ليست بخير، وأنها ستكون عبئًا عليه إن ذهبت.
يمكنني إعطاؤه المنديل قبل الانطلاق…
هكذا أقنعت نفسها.
” نعم… أنا بخير.”
قالتها رغم أن جسدها أنكر ذلك.
وفجأة—
أضاء جسدها بوميض خافت.
“سأذهب.”
قالتها وكأن قرارها فُرض عليها.
لماذا؟ لم تعرف.
لمست عنقها لا شعوريًا، وابتسامة باهتة ارتسمت على شفتيها.
“مجرد كابوس… لا أكثر.”
هكذا أقنعت نفسها، بينما النور الذهبي الخافت ظل يتوهج حولها.
وفي مكانٍ ما، ترددت همسة بالكاد تُسمَع:
“سيتكرر…”
هل كان لترديدها أنها بخير أيُّ أثر فعلاً؟
ما إن وصلوا إلى الجبال التي ستُقام فيها مسابقة الصيد حتى عاد شيءٌ من اللون إلى وجهها الشاحب.
“أنجيليكا، ما زال بإمكانكِ العودة.”
قالها هيوغو بنبرةٍ قلقة، وهو يراقب ملامحها منذ الصباح دون أن يشيح بنظره عنها لحظة.
كان قد حاول إقناعها أكثر من مرة؛ على مائدة الإفطار، وفي العربة أيضًا، لكنها لم تُعر كلماته أي اهتمام.
وكالعادة… لم يكن الوضع مختلفًا الآن.
“قلتُ إنني بخير، أليس كذلك؟”
هزّت رأسها بحزم.
هل يُعقل أن تفوّت مناسبة كهذه بسبب كابوسٍ عابر؟
لم تكن تعاني حمى شديدة، ولا شيئًا خطيرًا…
فقط دوار خفيف، ووخز حاد في عنقها، كأن شيئًا قد جُرح هناك.
“أظنني فزعت قليلًا البارحة لا أكثر.”
وفي النهاية، ألقت باللوم كله على لوك راتلاي.
صحيح أن تهديداته كانت جوفاء، من ذلك النوع الذي يطلقه أشرار القصص الرديئة،
لكن لسببٍ ما، بدا وكأن عنقها يلسعها كلما تذكّرته.
“كما توقعت.”
ومضت عينا هيوغو بحمرة خافتة عند سماعه اسم لوك.
كان ينبغي عليه أن يتخلّص منه منذ البداية.
وبينما كان يفكّر في تنفيذ ذلك، انطلق صوت الإمبراطور معلنًا بدء مهرجان الصيد، فتراجع هيوغو عن أفكاره مؤقتًا وأصغى إلى خطاب كاين.
في تلك الأثناء، أدخلت أنجيليكا يدها داخل ياقة ثوبها.
فاحتكّ شيء صغير براحة يدها.
“همم… ليس هذا.”
دفعت القارورة جانبًا، وتلمّست حتى قبضت أخيرًا على المنديل.
رفعت نظرها إلى هيوغو بابتسامة رضا، كأنها أنجزت أمرًا عظيمًا.
‘ها قد ابتسمت أخيرًا.’
هكذا فكّر هيوغو، الذي كان يراقبها بصمتٍ مُتعمّد.
فقد كانت تتلوّى طوال الليل، تتأوّه في نومها، وتمسّ عنقها مرارًا وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة.
لم يفهم ما كانت تقوله، لكن الألم كان واضحًا في صوتها.
ولهذا السبب، رغم أنه مجرد كابوس، ظلّ قلبه مثقلًا طوال الليل.
“أم… ويغو؟ هذا…”
نادته بصوت خافت، وقد مدت يدها نحوه.
رفع بصره عن وجنتيها المتوردتين، لينظر إلى ما تحمله.
في أطراف أصابعها كان هناك منديل.
“هذا…”
انفرجت أصابعه قليلًا، ليقع بصره على التطريز.
نمرٌ أسود، رمز عائلة برنشتاين.
حدّق فيه غير مصدّق، ثم نظر إليها من جديد، فابتسمت وقد ارتسم الانحناء اللطيف عند عينيها.
“إنه منديل. أنا من خيطته بنفسي!”
“أنتِ… بنفسك؟”
“نعم… لهذا ربما تبدو أذنا النمر غريبتين قليلًا…”
انخفض صوتها في آخر الجملة، واحمرّ طرفا أذنيها خجلًا.
تأمّل هيوغو المنديل بتمعّن.
لم يكن تطريز محترف، فالأذنان أطول من اللازم، والأسنان بارزة أكثر مما ينبغي، مما جعله أقرب إلى اللطافة من الهيبة.
ومع ذلك…
كانت العينان الحمراوان المطرزتان في وسطه كافيتين لتخبره دون شك لمن ينتمي هذا المنديل.
“..…”
شعر بشيء يختنق في صدره.
كأن قلبه انقبض ثم انفتح مرارًا، في لحظة واحدة.
تذكّر فجأة أصابعها التي كانت دومًا متورمة، حمراء، كلما عادت من مختبر كاين.
‘إذًا… كل هذا من أجل هذا المنديل.’
لم يكن عليها أن تفعل كل هذا.
ومع ذلك، لم يستطع منع الفرح من التسلل إلى قلبه؛
فهذا أول شيء يُمنَح له خالصًا، بلا مُقابل.
شعر وكأن شيئًا ما يفيض عند حلقه ،
كلمة واحدة فقط… كانت تتوسل للخروج.
‘أحبكِ.’
كلمة لم يجرؤ على النطق بها.
لكن شفتيه تحرّكتا أخيرًا، خاضعتين لما أملاه عليه قلبه.
“…أنجيليكا.”
♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪
حسابي على الإنستا:@empressamy_1213
حسابي على الواتباد: @Toro1316
ترجمة: ✧𝐀𝐌𝐘✧
التعليقات لهذا الفصل " 47"